.

أبو العروسة.. الواقعية التى فرضها أداء سيد رجب وسوسن بدر وليست الدراما

Foto


رغم أن بداية عرضه كانت فى أواخر ديسمبر 2017، فإنه من الممكن اعتبار مسلسل «أبو العروسة» بمنزلة بداية منعشة ومبشرة للعام الدرامى الجديد فى 2018، خصوصًا بعد أن شهد العام السابق عرض مسلسلات درامية مميزة سلطت الضوء على شرائح مختلفة من الطبقة المتوسطة التى كادت الدراما تحصرها فى قوالب جامدة، ولكن أعمالاً مثل «هذا المساء» الذى عُرض فى رمضان الماضى، و«سابع جار» الذى بدأ عرضه أكتوبر الماضى، أعادت الروح إلى الكتابة والأداء، وانتصرت لواقعية غائبة فى الطرح.

ورغم اختلاف جماليات السرد وطريقته فى العملين، فإنهما صعَّبا المهمة على أى عمل يأتى بعدهما ويتناول شريحة ما من الطبقة المتوسطة، أو ينقل صورة عنها أو يعبّر عن مشكلاتها؛ لذا يواجه «أبو العروسة» تحديًا كبيرًا فى نقل صورة درامية معبّرة وواقعية وناضجة، وحتى مرور الثلث الأول من العمل الذى يعرض على شاشة «dmc»، يرى المشاهد دراما جيدة جديرة بالمشاهدة؛ لعدة أسباب:

«1» ما بين «أم العروسة» و«أبو العروسة»
سرعان ما يربط المُشاهد بين اسم المسلسل والفيلم الذى عُرض عام 1963، وجسد فكرة مشابهة لمعاناة أسرة مصرية من الطبقة المتوسطة فى زواج الابنة الكبرى، وهو فى حد ذاته ربط يدعو للمشاهدة ويحفز على متابعة تطورات عراقيل الأسرة المصرية التى يقودها أب «موظف حكومى». المسلسل والفيلم تشابها فى الفكرة العامة وكثرة عدد الأبناء لدى كل أسرة، ولكن الاختلافات بينهما عديدة من منطق اختلاف الزمان أولًا، إضافةً إلى أن الأخير نسج خطوطًا درامية وعلاقات عديدة متفرعة لم تكن موجودة فى الفيلم الذى كتب قصته الراحل عبد الحميد جودة السحار، وصاغ السيناريو له الراحل عبد الحى أديب، وأخرجه عاطف سالم قبل 54 عامًا.
الأبوان عماد حمدى وتحية كاريوكا كانت علاقتهما تغلفها المودة والتفاهم، ولكنها لا تخلو من الاختلافات ذات الحس الفكاهى، وهو ما نراه أيضًا مع أبوَى المسلسل سيد رجب وسوسن بدر، ولكن الحكم على مدى تشابه العملين لم يتبلور بعد انقضاء عرض الثلث الأول من المسلسل، الذى ينتمى إلى دراما الـ60 حلقة، إضافة إلى أن صناع العمل لم يعلنوا أن المسلسل مأخوذ عن الفيلم مثلما فعل صناع مسلسل «الطوفان» مؤخرًا.

«2» سيد رجب وسوسن بدر.. ثنائى المهام الإبداعية
لا يجب أن نتوقف كثيرًا أمام «أبو العروسة» من منطلق أنه يشكّل البطولة المطلقة الأولى للفنان سيد رجب «عبد الحميد»، لأنه بالمرور السريع على مسيرة الفنان الموهوب سنجد سجله الفنى مليئًا بأدوار هامة ومتنوعة وبأداء راقٍ غير متكلف، فمَن ينسى -على سبيل المثال وليس الحصر- «حمادة غزلان» قوّاد مسلسل «موجة حارة» الذى أبدع سيد رجب فى تجسيده بصحبة صديقه «محسن السواحلى» الذى جسده الفنان مدحت صالح. وبالمناسبة، هما صديقان وجاران فى «أبو العروسة» ولكن بمنطق آخر فى الأداء يتابعه المشاهد بشغف وينتظر المزيد بعد.
بطولة سيد رجب الأولى يدعمها حضور الفنانة المتألقة المتجددة سوسن بدر فى دور الزوجة «عايدة»، وحتى كتابة هذه السطور لم تكشف سوسن بدر عمّا تخفيه من أداء خلف ستار «طيبة» و«حنية» الأم عايدة. هذا بالإضافة إلى أن العمل يقدم عددًا كبيرًا من الوجوه الشابة الجديرة بالمتابعة؛ أمثال محمد عادل، وخالد كمال، ومحمود حجازى، وولاء الشريف، وغيرهم.

«3» علاقات درامية متشابكة.. لكن هل من جديد؟
أبرز ما يميز دراما «أبو العروسة» هو الحوار الجاذب الذى صاغه كاتب العمل هانى كمال، خصوصًا فى ما يتعلق باختلاف طريقة تفكير جيل الآباء والأبناء، وهو ما يجسده سيد رجب مع نجله «أكرم/ محمد عادل» بصورة معبرة وجديدة فى الطرح، بينما تناول المسلسل نموذجًا جديدًا لفتاة الطبقة المتوسطة التى تبحث عن الحبيب الزوج، والتى جسدتها العروس «زينة» ولاء الشريف.
وبعيدًا عن إطار عائلة «عبد الحميد» سيجد المُشاهد علاقات معقدة لنماذج مختلفة من الشباب ما بين فقدان الذات والعمل والحبيب، فمنهم مَن يبحث عن الهجرة أو يحاول أخذ قرض لعمل مشروع، ومنهم أيضًا مَن يفوته قطار الزواج وتتركه خطيبته، كما يركز المسلسل على التفكك الأسرى بسبب الخيانة المعلنة والخفية، وهنا قدم نموذجًا لعائلتين من طبقتين مختلفتين، الأولى «نيرة» رانيا فريد شوقى، التى يخونها زوجها «أيمن» تامر فرج، محامى الفضائيات الشهير ذو الهوس الجنسى، وهو نموذج جدير بالطرح، والثانية «جابر» مدحت صالح، وتربطه علاقة زوجية فاترة بزوجته «عبير» نرمين الفقى.

«4» الدراما الجيدة قد يفسدها الديكور!
على الجانب الآخر، هناك عدة مآخذ على العمل أبرزها الديكور، فأثاث شقة «عبد الحميد» نائب مدير مكتب الصحة غير المرتشى، وزوجته «عايدة» موظفة الشؤون الاجتماعية بوزارة التضامن الاجتماعى وبائعة «الذهب الصينى»، اللذين يعولان 5 أبناء، لا يليق به «العفش المودرن» المستحدث، وهنا يتذكر المُشاهد، دون قصد، ديكور وأثاث مسلسل «سابع جار»، ويحنّ لمشاهده أكثر وأكثر كلما نظر لمعظم الوجوه النسائية فى العمل، التى تضع الماكياج الكامل والرموش الصناعية داخل المنزل وخارجه، مقابل أوجه بلا ماكياج منزلى فى «سابع جار».
هذا لا يمنع أن العناصر غير الموفقة كانت تدعمها أحيانًا الموسيقى التصويرية المعبرة التى وضعها خالد عز، إضافة إلى أن تتر العمل الذى يشارك فى غنائه كل من «عز» ومدحت صالح، وفرقتى «بلاك تيما» و«بساطة»، كان مميزًا ومعبرًا، كما الحال فى أغنية «بنتى» التى غناها مدحت صالح، وطُرحت قبل بداية عرض المسلسل، وحققت مشاهدات عالية.

«5» اللقطات الواسعة.. أين ومتى؟
فى كل حلقة يبرز مخرج العمل كمال منصور لقطات واسعة لمعالم القاهرة ما بين مشاهد النيل والكبارى والمواصلات وغيرها. هنا يؤخذ عليه عدم السلاسة فى ربط هذه المشاهد بالنسيج العام للمسلسل، لتبدو مكمّلة للمَشاهد وليست مقحَمة عليها؛ فنجد -مثلاً- فى الحلقة العاشرة مشهدًا لرانيا فريد شوقى مع زوجها يتناولان الطعام، وفجأة ننتقل إلى شوارع القاهرة، ومن ثم حوار بين «أكرم» محمد عادل، وحبيبته التى تنتمى لطبقة اجتماعية أعلى منه. هنا نسترجع دون وعى الانتقال السلس المتصل دراميًّا لمشاهد قاهرة الأغنياء والبسطاء للمخرج تامر محسن فى مسلسل «هذا المساء».
بداية المسلسل مع مشهد إسهام «عبد الحميد» فى الإيقاع بمرتشين بالتنسيق مع الشرطة كانت مكررة ونمطية. وهنا مخرج «أبو العروسة» كان عليه أيضًا أن يضبط الإيقاع العام للمسلسل بشكل متوازن حتى لا تتكدس الأحداث فى حلقات ما، وتخلو تمامًا من أخرى، مثلما وجدنا فى الحلقات الأولى، حيث الأحداث الكثيرة المتلاحقة ومن ثم يهبط الإيقاع أحيانًا فى ما بعد، رغم أنه من المفترض أن يحدث العكس. إضافة إلى وجود تفاوت فى إدارة الممثلين، وخصوصًا أداء الوجوه الشابة بالعمل، ما بين الجيد وغير المقبول؛ فمثلاً ابنة بطلَى العمل طالبة الثانوى، كارولين عزمى «هاجر»، تمثل نشازًا، بدايةً من اختيارها؛ لأنها على الشاشة تبدو أكبر بكثير من سنها، إضافة إلى أن ماكياجها الدائم وأسنانها البيضاء بمبالغة جعلاها غير مصدقة تمامًا.
أخيرًا، يمكن القول إن نجاح مسلسل «أبو العروسة» وتحقيقه مشاهدات عالية عبر مواقع المشاهدة المختلفة لم يأتِ من فراغ؛ لأن صُناع العمل اجتهدوا فى نقل صورة درامية جادة، والتعبير عن الطبقة المتوسطة بواقعية، ولكن هذا لا يمنع وجود بعض العناصر الفنية غير الموفقة، التى يأمل المتفرج أن يتم توظيفها بصورة أكثر نضجًا فى الحلقات المتبقية.

 

نقلًا عن مجلة «فرجة»

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات