.

«رانيا يوسف».. موقعة جديدة فى تاريخ حرب الفساتين!

Foto

لتعد معى 700 سنة فقط للوراء لنقرأ معًا ما كتبه المؤرخ تقى الدين المقريزى حول فستان سُمى بلغة أيامها "البهطلة" وما حدث للمصريات من جراء ارتدائه


بإزاء تصعيد هزلى ومأساوى فى نفس الوقت تجاه فستان اختارت أن تلبسه فى حفل ختام مهرجان القاهرة السينمائى الدولى، وخلال لقائها الإعلامى عمرو أديب، اضطرت الفنانة رانيا يوسف إلى توجيه رسالة للشعب المصرى قالت فيها: (بجد اللى حصل عن غير قصد ونية صافية ولو فيه غلط سامحونى حقكم علىَّ)، رغم أنها أكدت أيضًا أنها عندما ارتدت الفستان لاقى إعجاب الآخرين ومنهم بناتها اللواتى أرسلن إليها رسالة تؤكد إعجابهن به، مما قد يعنى أن مَن أعجبوا بفستان رانيا ربما هم من خارج هذا الشعب الذى توجه اعتذارها له، أو أنهم ربما ضيوف عليه ليسوا محسوبين منه!

 

كان من بين نتائج -وربما أدوات- هذا التصعيد بيان غريب أصدرته نقابة المهن السينمائية، وجاء فيه: (رغم إيماننا بحرية الفنان الشخصية إيمانًا مطلقًا، فإننا نهيب بإدراك مسؤوليتهم العامة تجاه جماهير تقدر فنهم، ولذلك سوف تقوم النقابة بالتحقيق مع مَن تراه تجاوز فى حق المجتمع، وسيلقى الجزاء المناسب، حتى تضمن عدم تكرار ذلك بالتنسيق مع الإدارة العليا للمهرجانات واتحاد النقابات الفنية)!

 

ولا يمكن لكائن مهما أوتى من قوة تصور وعبقرية ذهنية أن يجمع بين الإيمان المطلق -أى والله المطلق!- بحرية الإنسان الشخصية وبين إعلان التحقيق مع فنان بسبب رداء اختار أن يرتديه فى مناسبة من المناسبات!

 

دعك من أن النقابة نفسها ربما تكون فطنت إلى ما فى بيانها من تضارب وغرابة وإسهام فى التصعيد ضد فنانة كل خطئها أنها لبست فستانًا، خصوصًا بعد وصول التصعيد إلى قبة البرلمان وساحات القضاء (!!)، فأصدرت بيانًا آخر أوضحت فيه رغبتها فى إحداث لون من "التوازن" جاء فيه: (هذا الأمر ترى النقابة معالجته داخل البيت النقابى وفى إطار مهنى يضمن عدم تكراره، تكريسًا للتوازن بين الحرية الشخصية والمصلحة العامة المتمثلة فى الصورة المشرفة للفاعليات الثقافية المهمة التى ترعاها الدولة المصرية)! وبغض النظر عن غموض الإشارة إلى "هذا الأمر"، إذ يبدو أنه ليس فى الأمر أمر سوى أن إنسانًا/ امرأة قررت أن تمارس بالفعل -وليس بالقول المطلق- حريتها الشخصية التى لا تؤمن بها النقابة إلا بشكل مطلق، لكن الأهم أن البيان يضعنا أمام ذهنية الـ"كل شى كان"، بمعنى أنها ذهنية تريد أن تنتصر لحرية الفرد وتوازن فى نفس الوقت بينها وبين رغبة جماعة جامحة فى تقليص وقمع وتهميش هذه الحرية، مع أن جمع "الأمرين" من رابع وسابع وعاشر المستحيلات قولًا واحدًا!

 

هذا التضارب المحزن فى الذهنية النقابية/ المجتمعية المحطمة على صخرة "الميكس" كل شىء والعكس، يقطع بأن المسألة ليست مجرد حيرة أمام فستان، ولكنها حيرة مَن يقف أمام مفترق أزمنة بأكثر منها مفترق طرق، أزمنة حديثة تقدس قيمًا ومبادئ مجتمعية وحضارية جديدة وراقية، تتمثل هنا فى الحرية الشخصية مهما كانت نتائجها وليس فى الفستان مهما بلغ قصره، وأزمنة قديمة تعلِى من شأن هواجس ورغبات ومخاوف وهلوسات الجماعة، مهما أغرقت هذه الهلوسات فى المراهقة والتشدد والاستهتار بكل قيمة للفرد وخصوصيته وحرياته. دليلى على ذلك أن معركة فستان رانيا ليست ابنة هذا اليوم ولا هذا الزمان، لكنها بنت أزمنة أقدم بكثير مما يصل إليه وعى أكثر المتصدين لها، وإذ بوسعنا رصد "حرب الفساتين" بطول التاريخ المصرى القديم، وهى معركة لم تكن تدور كما فى ظاهرها حول فستان، وإنما تدور فى جوهرها حول تشريع قمع حرية فرد ضعيف تمثله المرأة تقليديًّا وبامتياز.

 

ولتعد معى 700 سنة فقط للوراء لنقرأ معًا ما كتبه المؤرخ تقى الدين المقريزى حول فستان سُمى بلغة أيامها "البهطلة" وما حدث للمصريات من جراء ارتدائه، يقول المقريزى: (وفيها -سنة 745هـ- أبطل ما أحدثه النساء من ملابسهن. وذلك أن الخواتين نساء السلطان وجواريهن أحدثن قمصانًا طوالًا تخب أذيالها على الأرض، بأكمام سعة الكم منها ثلاثة أذرع، فإذا أرخته الواحدة غطى رجلها، وعرف القميص منها فى ما بينهن بالبهطلة. ومبلغ مصروفه ألف درهم فما فوقها. وتشبه نساء القاهرة بهن فى ذلك. حتى لم يبق امرأة إلا وقميصها كذلك. فقام الوزير "منجك" فى إبطالها، وطلب والى القاهرة ورسم له بقطع أكمام النساء وأخذ ما عليهن! ثم تحدث منجك مع قاضى القضاة بدار العدل يوم الخدمة بحضرة السلطان والأمراء فى ما أحدثه النساء من القمصان المذكورة..فأفتوه جميعهم بأن هذا من الأمور المحرمة التى يجب منعها (!!)، فقوى بفتواهم ونزل إلى بيته وبعث أعوانه إلى بيوت أرباب الملهى حيث كان كثير من النساء، فهجموا عليهن وأخذوا ما عندهن من ذلك!. وكبسوا مناشير الغسالين ودكاكين الخياطين وأخذوا ما فيها من قمصان النساء. ونادى فى القاهرة ومصر بمنع النساء من لبس ما تقدم ذكره. وأنه متى وجدت امرأة عليها شىء مما منع أخرق بها وأخذ ما عليها! واشتد الأمر على النساء وقبض على عدة منهن وأخذت أقمصتهن..).

 

والمهم أن الخبر طويل وأحداثه مفجعة، إذ يحكى المقريزى أن خروج النساء إلى الشوارع والأسواق انقطع فى ظل حالة كاملة من الإرهاب لهن، فالترزية كفوا عن تفصيل الفساتين، وتجار الحرير كفوا عن بيع القماش الحريمى، وإذا وجدت امرأة كشف عن ثيابها! ولعل القارئ يتلمس فى هذه الأحداث القديمة الكثير من اللا معقول، غير أن لا معقول اليوم يمكن أن يكون سيرة الأمس المتداولة، ومستبعد الحاضر يمكن أن يكون مألوف التاريخ، كما تعلمنا بذلك قراءة التاريخ، وكما يمكن أن تحذرنا من ذلك أيضًا قراءة التاريخ، أى من الاستسلام لغوغائية المتشددين فى استهتارهم بقيم الحياة والحرية الكبرى، ومن تخاذلنا بإزاء تأكيد هذه القيم والدفاع عنها من أصغر الوقائع حتى جسام الحوادث.

 

لا علاقة حقًّا بين "بهطلة" نساء القاهرة فى القرن الرابع عشر الميلادى التى كانت تغطى أكمامها السيقان وبين فستان رانيا يوسف المتهم بتعرية ساقيها، لكن التشابه الذى لا يمكن تناسيه أو التغاضى عنه هو أن الاستسلام لأهواء المتشددين والمتطرفين والمراهقين قد يصل بالجميع إلى جو شامل من الإرهاب يبرر قمع أخص خصوصيات الفرد وسحق حريته الشخصية.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات