.

جهل "أهل العلم" المطبق بدلالات القصص القرآنى!

Foto

ما جدوى مدونة الحديث والمأثور المتضخمة التى لا تسعفنا بشىء ذى بال فى قراءة مجمل القصص القرآنى؟ لماذا اصطحب نبى الله موسى معه سبعين شيخًا إلى ميقات الله؟ ولماذا أخذتهم الرجفة؟


"وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا ۖ فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ ۖ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا ۖ إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ ۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۖ وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ" (الأعراف: 155).

 

آية أخرى من آيات القصص القرآنى التى يؤكد تعقب آراء المفسرين القدماء والمحدثين بخصوصها كم الجهل المطبق واللا يقين المقلق لدى "أهل العلم" بمعانى البيان القرآنى، والتحير والمتاهة التى تصنعها احتمالاتهم وتخميناتهم اللا متناهية لما يمكن أن يكون مقصودًا بها.

 

وليس هنا مجال بكل تأكيد للقول بتعقبنا للمتشابه من آى القرآن بتعمد الزيغ وطلبًا للفتنة طبقًا لقوله تعالى: "فأما الذين فى قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون فى العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب" (آل عمران: 7). وذلك لأسباب متعددة، أهمها أن المفسرين أنفسهم اختلفوا فى تأويل الآية الكريمة، فقيل إن المقصود باتباع المتشابه هو حمل المحكم على المتشابه والمتشابه على المحكم، وقالوا -كما يذكر الإمام الطبرى- إن ما تشابه منه هو: "ما تحرف منه وتصرف"، وقالوا هو إتباع الناسخ والمنسوخ والتساؤل إن كانت الأولى قبل الثانية أم بالعكس، وقالوا إن من عنى بالآية ليس مفسرو الآيات ولكن نصارى نجران عندما حاجوا النبى فى هوية عيسى بن مريم، لقول القرآن فيه إنه روح الله وكلمته، وقالوا المقصود اليهود الذين تساءلوا عن الحروف المقطعة، مثل: آلم، وآلمص، وآلر..إلخ، وقالوا إنها تشير إلى تصرف كل مبتدع بدعة فى الدين مخالفة لما ابتعث به النبى.

 

والمهم فى كل هذه التأويلات السابقة لمعنى اتباع المتشابه بغية الزيغ والفتنة أنها لا تنصرف بحال إلى بحث صادق وحر وراغب بشدة فى فهم وتعرف معانى آيات كتاب الله، وهى لا تدين بمجملها بأى طريقة كل محاولة لإثارة الأسئلة التى تفتح أبوابًا جديدة للتفكر والتدبر، ولا تقف عائقًا أمام نقد الأساليب والأدوات الموروثة فى فهم وتفسير القرآن الكريم، خصوصًا لو كانت تؤدى إلى زيادة الغموض أكثر مما تؤدى إلى الكشف، فلم يزعم مفسر واحد قط أن التقصى والبحث والدهشة والتساؤل إزاء رؤى وأقوال غيره من المفسرين فى حال تضاربها، ومحاولة التوصل إلى أسباب ومعانى وأبعاد هذا التضارب المزمن، مما يمكن أن يصمه إنسان بأنه اتباع للمتشابه بغية الفتنة والزيغ. على الأخص لو كان المتأمل المتسائل أمام معانى القرآن وأمام فهم المفسرين لها يبتغى غاية من أنبل الغايات الممكنة فى زماننا، بل وفى كل الأزمنة تقريبًا، وهى تعرية دعاوى اليقين المستقر المرتكز على جهل مستقر، والعلم المطلق المرتكن على إلغاء مطلق لملكات التعقل والتدبر والتساؤل، ثم رد مزاعم الكهنوت الأصولى الذى يدَّعى لنفسه فهمًا تامًّا لآيات كتاب الله وعلمًا كاملًا شاملًا تامًّا بها، ودقيقًا يقينيًّا تخصصيًّا في ما يزعمون، وهو ما يجعلهم يحرّمون بمقتضى هذا الادعاء المزيف على المسلم ما أمره به الله من قراءة كتاب الله وتدبر آياته والاجتهاد فى فهم معانيه وتأملها، وهو ادعاء فى حقيقته كذبة، كما أن نتائجه لم توصل العقل الإسلامى إلا إلى التبلد والجمود والخواء.

 

إذن، وبعد هذا الإسهاب الضرورى، نبدأ محاولة فهم معنى "ميقات الله" والسبعين المختارين من بنى إسرائيل للميقات حسبما يرد فى آية "الأعراف"، من تساؤل الإمام الرازى فى "التفسير الكبير": "هذا الاختيار هل هو للخروج إلى الميقات الذى كلم الله تعالى موسى فيه وسأل موسى من الله الرؤية، أو هو للخروج إلى موضع آخر؟".

 

وكالعادة تختلف آراء المفسرين فيقول بعضهم إن الخروج كان لميقات الكلام مع الله ورؤيته، وأن النبى موسى: "خرج بهؤلاء السبعين إلى طور سيناء، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود من الغمام حتى أحاط بالجبل كله، ودنا موسى ودخل فيه وقال للقوم: ادنوا، فدنوا حتى إذا دخلوا الغمام وقعوا سجدًا فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه: افعل ولا تفعل. ثم انكشف الغمام فأقبلوا إليه فطلبوا الرؤية، وقالوا: "يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة" (البقرة: 55)، وهى المراد من الرجفة المذكورة فى هذه الآية، فقال موسى: "رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياى أتهلكنا بما فعل السفهاء منا"، فالمراد منه قولهم: "أرنا الله جهرة" (النساء: 153).

 

لكن القول الثانى يذهب إلى أن الموعد مع الله فى الآية كان لأمر مغاير لميقات الكلام وطلب الرؤية، ويربط أصحاب هذا الرأى الميقات بالاعتذار عن عبادة العجل، فيقولون إنهم خرجوا ليتوبوا عن عبادة قومهم له، لكنهم طلبوا من الله فى نفس الوقت أن يعطيهم ما لم يعط لأحد قبلهم، فأنكر الله منهم هذا الكلام فأخذتهم الرجفة. مع ما فى مألوف التفاسير من إيراد تفاصيل خرافية مذهلة، يحار المرء فى مصدرها، ولم نذكر الكثير منها هنا لدواعى الإيجاز، لكن المثال الدال عليها قولهم إن النبى موسى: "اختار من قومه اثنى عشر سبطًا من كل سبط ستة فصاروا اثنين وسبعين، فقال ليتخلف منكم رجلان فتشاجروا، فقال: إن لمن قعد منكم مثل أجر من خرج، فقعد كالب ويوشع. وروى أنه لم يجد إلا ستين شيخًا فأوحى الله إليه أن يختار من الشبان عشرة فاختارهم فأصبحوا شيوخًا فأمرهم أن يصوموا ويتطهروا ويطهروا ثيابهم ثم خرج بهم إلى الميقات"!

 

فى "تفسير المنار" يطرح رشيد رضا مزيدًا من علامات الاستفهام حول معنى "الرجفة" وأسبابها وما سببته للنبى موسى، عليه السلام، من حرج، ويقول: "فلما أخذتهم رجفة الجبل وصعقوا قال موسى: يا رب إننى أتمنى لو كانت سبقت مشيئتك أن تهلكهم من قبل خروجهم معى إلى هذا المكان فأهلكتهم وأهلكتنى معهم، حتى لا أقع فى حرج شديد مع بنى إسرائيل، فيقولون: قد ذهب بخيارنا لإهلاكهم، أى: وإذ لم تفعل من قبل فأسألك برحمتك ألا تفعل الآن"! كما يعيد بصياغة أخرى طرح أسئلة الرازى واختلاف المفسرين بخصوص ما إذا كان حادث الميقات وقع بعد أن أفاق موسى من صعقة تجلى ربه للجبل عقب سؤاله الرؤية، إذ كان من معه من شيوخ بنى إسرائيل ينتظرونه فى مكان وضعهم فيه غير مكان المناجاة (يعنى مناجاة كليم الله موسى لربه)؟ أو كان بعد عبادة العجل ذهبوا للاعتذار وتأكيد التوبة وطلب الرحمة؟ وكما اختلفوا فى ذلك اختلفوا فى سبب أخذ الرجفة إياهم: هل كان طلبهم رؤية الله تعالى جهرة كما تقدم فى سورة البقرة أو سببًا آخر؟".

 

ويحاول صاحب "المنار" حسم المسألة بإقرار حقيقة أن كل ما نقل عن مفسرى المأثور فى هذه الآية -وأمثالها- مأخوذ عن إسرائيليات غير موثوق بها، وهو ما يجعلنا نتساءل هنا -وفى مواضع كثيرة من أمثالها- عن جدوى مدونة الحديث والمأثور التى يروج الكثيرون ويتوهم غيرهم أنها مفسرة للقرآن، بينما لا تسعفنا بشىء ذى بال فى تفسير مجمل القصص القرآنى؟

 

فإذا انتقلنا مباشرة إلى ما يذكره النص التوراتى بخصوص السبعين شيخًا والميقات الإلهى، نقرأ فى سفر الخروج 24: 1-2 ما يلى: "وقال لموسى: اصعد إلى الرب أنت وهارون وناداب وأبيهو وسبعون من شيوخ إسرائيل واسجدوا من بعيد، ويقترب موسى وحده إلى الرب وهم لا يقتربون وأما الشعب فلا يصعد معه"، ثم: "صعد موسى وهارون وناداب وأبيهو وسبعون من شيوخ إسرائيل، ورأوا إله إسرائيل وتحت رجليه شبه صنعة من العقيق الأزرق الشفاف وكذات السماء فى النقاوة، ولكنه لم يمد يده إلى أشراف بنى إسرائيل. فرأوا الله وأكلوا وشربوا" (الخروج 24: 9-11).

 

والفارق بين الروايتين القرآنية والتوراتية توضح ما فى الرواية الأولى من تصحيح للرواية الثانية، ففى حين تتناقض رؤية بنى إسرائيل لله فى التوراة مع ما يذكر من كلام يهوه لموسى عندما قال له: "لا تقدر أن ترى وجهى، لأن الإنسان لا يرانى ويعيش" (الخروج 20:33)، تأتى الرواية القرآنية لتنفى رؤية السبعين شيخًا لله وتؤكد إصابتهم بالرجفة، وعلى رأى بعض المفسرين أن وقوع الرجفة نتيجة طلبهم رؤية الله وهو مستحيل.
 

وإن كان حدث الميقات ذاته وصعود السبعين شيخًا المختارين للجبل بصحبة كليم الله قد يصلح تمهيدًا للقول إن هذه الرؤية جرت بمعجزة من الله، فالله فعال لما يريد، ولا يبعد على جلال قدرته شىء، ولا تقف فى وجه إرادته استحالة، وهو ما قد يدعمه الرأى الذى يذهب إلى إمكانية رؤية أهل الجنة لله ونظرهم فى وجهه، جل جلاله، فى تفسير قوله تعالى: "وجوه يؤمئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة" (القيامة: 22و23). لكن آية 143 من سورة الأعراف تؤكد استحالة وقوع مثل هذه الرؤية استحالة مطلقة فى الحياة الدنيا على الأقل إذ يقول تعالى: "ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرنى أنظر إليك قال لن ترانى ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف ترانى فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقًا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين".

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات