.

بُنى الإسلام على اثنين لا على خمس

Foto

ما الفرق بين الإسلام والإيمان؟ كيف تخبرنا آيات القرآن بالأركان الحقيقية للإسلام؟ هل لا يجوز الإيمان بالله إلا من خلال الإيمان بسيدنا محمد واتباعه؟


تتكوم على صفحات كتب الأحاديث عشرات الآلاف من الأقوال المنسوبة إلى رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام، ومن بين هذا العدد الضخم من الأحاديث لا أظن أن هناك حديثا أكثر شهرة من الذى أخرجه مسلم فى صحيحه أن رسول الله قال: «بنى الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسوله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان». فالحديث سهل وبسيط وأكثرنا حفظه ونحن صغار فى المرحلة الابتدائية، وسار اتفاق شبه كامل أن الشهادتين والصلاة والصوم والزكاة والحج أركان بناء الدين الإسلامى الذى لن يقبل مِن مَن يبتغون غيره دينا.

 

والركن فى اللغة: الجانب الذى يستند عليه الشىء ويقوم به، ولا يصح بناء الإسلام أو يقوم من دون أحد هذه الأركان، ثم يأتى الإيمان فى المرحلة الثانية للإسلام.

والإيمان حسب الاعتقاد السائد: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء خيره وشر، وهنا قبل أن نسهب فى شرح المعنى الصحيح للإسلام والإيمان لابد أن نتساءل: كيف لى أن أصلى وأصوم وأزكى وأحج إن استطعت، كل هذا قبل أن أؤمن بالله وباليوم الآخر وفق المفهوم السائد والترتيب المتعارف عليه؟!

 

ووفق تعريف كلمة «رُكن» يكون إسلام الشخص ناقصًا فى حالة عدم قيامه بأحد تلك الأركان، وهذا ما لا تقول به كل المذاهب الإسلامية على مدار أكثر من 1400 سنة؛ فإذا قصرت فى الصلاة أو الصوم مثلا كنت ناقص الإيمان لا الإسلام.

 

إذا اقتنعت أن ثمة خلطا أو تبديلا بين معنى وأركان الإسلام وبين معنى وأركان الإيمان فسوف تزداد اقتناعا من خلال السطور التالية التى سنبحث فيها رأى القرآن. أما إذا لم تقتنع بعد فها هى آيات الله البينات تدبرها ولك فى النهاية ما تشاء.

 

بداية القرآن يخبرنا بأن هناك فرقا بين المصطلحين ويرتب أيهما يسبق الآخر، وذلك فى الآية 35 من سورة الأحزاب: «إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات...» وفى الآية 14 من سورة الحجرات: «قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان فى قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم» أى أن الإسلام يسبق الإيمان وهذا ليس عليه خلاف تقريبا.

 

ويحدد الله فى كتابه الحكيم معنى الإيمان الأول وهو الإسلام وشرطه ومن هم المسلمون فى مواضع عدة منها الآية 108 من سورة الأنبياء: «قل إنما يوحى إلى أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون»، والآية 102 من سورة آل عمران: «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون»، والآية 52 من ذات السورة: «فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصارى إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون»، والآية 133 من سورة البقرة: «أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدى قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون»، هنا اقترن مصطلح الإسلام بالتوحيد وتقوى وعبادة الله وحده دون وجود أو ذكر سيدنا محمد أو أى من تعاليم وشعائر الرسالة المحمدية. وهذا اختلاف سنلاحظه فى الآيات التالية التى تتناول الإيمان الثانى المرتبط بالله ورسوله.

 

وعن أتباع الرسالة المحمدية وكيف حددهم الله، نبدأ مع الآية 62 من سورة البقرة: «إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون» وبشكل واضح وصريح يُفرق الله بين من اتبعوا الرسول وبين أتباع موسى وعيسى عليهما السلام بأنهم المؤمنون لا المسلمون، وكذلك فى الآية 64 من سورة الأنفال: «يا أيها النبى حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين».

وبخصوص الاعتقاد السائد خطأً حول أركان الإسلام ترد علينا الآية 31 من سورة إبراهيم: «قل لعبادى الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا خلال»، والآية 277 من سورة البقرة: «إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون»، والآية 103 من سورة النساء: «… إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا»، والآية 183 من سورة البقرة: «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون…»، والآيات السابقة لا تحتاج إلى تفسير أو تأويل لنفهم منها أن الله فرض على المؤمنين، لا المسلمين، الصلاة والزكاة والصيام. ولا يتبقى غير فريضة الحج التى تحتاج لمقالة خاصة؛ لنوضح ما بها من شمولية ضاقت عنها أفهامنا.

 

وزيادة فى إيضاح وتبيان الفرق بين الإسلام والإيمان، قبل أن نتناول الركن الثانى للإسلام بخلاف الشهادتين، فلنقرأ الآيات التالية ونرى كيف يورد الله الإيمانين فى آية واحدة: الآية 28 من سورة الحديد: «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم»، والآية 2 من سورة محمد: «والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم»، والآية 36 من سورة النساء: «يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا بالله ورسوله والكتاب الذى نزل على رسوله…»، والآية 53 من سورة القصص: «وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين»، وفى جلاء تتعجب معه كيف وقع كل ذلك الخلط بين المفردتين، وثبت على أساسه يقين كامل لدينا بأن من لا يؤمن بسيدنا محمد لا يؤمن بالله بالضرورة، يقول الله مصارحة، لا بالإشارة، أن هناك مؤمنين بالله فقط، وهناك مؤمنون بالله ورسوله، وحسب التعريفين السالفين يكون الإيمان بالله هو الإسلام، والإيمان بمحمد هو الإيمان.

 

وبالعودة إلى عنوان مقالتنا وموضع حديثنا فى الأساس، بعد أن وصلنا إلى الركن الأول من الإسلام وهو الإيمان بالله، نستكمل الركن الثانى من خلال قراءة بعض الآيات، نبدؤها مع الآية 228 من سورة البقرة: «والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله فى أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر»، والآية 62 من سورة البقرة:«... من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون»، والآية 39 من سورة النساء: «وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليما»، والآية 99 من سورة التوبة: «ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله فى رحمته إن الله غفور رحيم»، والآية 126 من سورة البقرة: «وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير». والحديث فى هذه الآيات عن المبدأ الأول لفكرة الإيمان عموما وهو الإيمان بالله واليوم الآخر الذى يسبق العمل الصالح والإنفاق لوجه الله، ويتم تحديده كحد أدنى لقبول دعوة الخليل إبراهيم. 

 

طيب، ما العمل إذا كان حديث بناء الإسلام على خمس صحيح السند وأخرجه الإمام مسلم؟ الإجابات كثيرة ومتنوعة: يجوز أن راوى الحديث عن رسول الله اختلط عليه الإسلام بالإيمان، واحتمال أن يكون هذا فهمه هو ونسبه للرسول، وربما تم تحريف المتن على مدار السنين. الأكيد أن كل هذا لا يعنينى، ولست بحاجة إلى بحثه طالما لدى العديد والعديد من آى التنزيل الحكيم قطعية الثبوت والدلالة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات