.

رهاب التجديد الدينى عند علماء الأزهر

Foto

بأى معنى يمكن الحديث عن تجديد دون طرح قضايا نقد العقل وأصول العلم الفقهى المتقادمة؟ لماذا يعتقد شيخ الأزهر أنه متهم بالتلمذة على يد سير أحمد خان؟ كيف يحصر د.زقزوق رؤيته للتجديد من منظور صراعى واستقطابى للأنا الإسلامى والآخر الغربى؟ ألا يعانى الأزهريون من رهاب التجديد فيتصوروا أنه ضياع وتبديد وتفكيك وإهانة شيطانية للمقدس؟


لا شك أن ما نريده اليوم من الفكر الإسلامى أبعد بكثير من تجديد ينطلق من مجرد استئناف الاجتهاد فى الفروع والجزئيات، فالحاجة الأولى إلى أن يرتبط التجديد بضرورات الواقع، ومسارات التحديث، وروح العصر، ومنطق العلم، وأن يمر عبر استنبات مناهج الإنسانيات فى تربة العقل الفقهى، انطلاقًا نحو إعادة بناء الأصول وتأصيلها فى تربة واقع مغاير يُملى علينا تحديث عقولنا وثقافتنا ومجتمعاتنا ومؤسساتنا لتتلاءم مع وسائل وإمكانيات حضارية جديدة مختلفة ومغايرة لكل ما عرفناه من قبل فى تاريخنا.

تجديد ينطلق من نقد بصير لمنطق العقل الفقهى وأصول العلم الفقهى، ليبدأ من إعادة النظر فى أدوات هذا العلم، وعلى رأسها أداة محورية، كالقياس، تلك التى تتخذ من الثبات والتكرار الواقعى والسكون الزمنى عمادًا لها، فتذهب إلى قياس ما يستَجد من نوازل على مثال سبق، وقياس جزئيات على جزئيات، مع تهميش ما بين الحالات والوقائع والأزمنة من تمايزات واختلافات فى السمات والسياق.

 

نريد تجديدًا يمتلك موضوعية وعى يرى كيف تم استنفاد الإمكانيات التى يمكن أن توفرها أدوات الفقه التقليدية، فكان لابد أن تصل هذه الأدوات إلى نتيجة محتومة وطريق مسدود، هو استنفاد احتمالاتها وفتح طريق الجمود والتقليد وغلق باب الاجتهاد بعد ذلك.. تجديدًا يعتمد مقاصد الشرع أصولا وثوابت له فى إعادة تأسيس نقدى لعقلانية الأحكام الفقهية وإعادة ترسيخها على أساس التشريع الأول، وهو مصلحة الناس.. تجديدًا يعيد بناء علم الشريعة «الفقه» ليقضى جذريًّا على التطرف والغلو بتوظيف المناهج والمفاهيم العصرية وإعادة تأهيل العقل الدينى وملئه بمنهجيات الواقع وقضايا العصر، فالغلو والتطرف لا قضية لهما من روح العصر ولا أرض الواقع.. تجديدًا يعيد النظر فى كل ما نسب للمصطفى من أحاديث ووقائع وسيَر، مقيمًا حدود التفرقة الواضحة بين سُنة رسولية موحى بها، وسُنة نبوية اقتضتها حاجات الزمن، وسُنة بشرية اقتضتها بشريته -عليه الصلاة والسلام- مغربلا كل معارف النقل وموروثات الأحكام.

 

تلك إذن روح التجديد الدينى المراد، مراد ليس لأن الرئيس السيسى طالب به مرارًا، بل لأنه غدا ضرورة حيوية وحضارية ماسة، لا استغناء ولا بديل لها إذا أردنا أن نعيش عصرنا ونسيطر على واقعنا ونعيد بناء حضارتنا.. مراد لأن غيابه يعنى المزيد من التردى الذهنى والنفسى والاجتماعى، المزيد من جنون الدموية والعنف الأصولى، المزيد من الانغلاق والنفعية والفساد والتحلل خارج سياق الزمن ومجرى التاريخ.. تجديد مراد ليس من قبَل تيار واسع أظنه سيقوى ويشتد عوده ويتصاعد إلحاحه كل يوم فحسب، ولكنه مطلوب بقوة كإجابة محتومة عن أسئلة حضارية لن تكف عن طرح نفسها على العقل والمجتمع الإسلاميين. كذلك هو تجديد مأمول ليس من مؤسسات الأزهر الشريف بالذات، خصوصًا أن الأزهر يقدم دليلا وعشرة وألفًا كل يوم على قصوره فى إعادة إنتاج شىء غير التقليد والجمود والسلفية، وكراهية العقل والعلم والاختلاف، والانقطاع عن رحم التجديد.

 

ودعونى أعرض عليكم واحدًا من أحدث أدلة فقدان الأمل فى قدرة الأزهر على القيام بتبعات التجديد الحضارية، التى لا يظن أحد أنها سهلة أو ميسرة، لكن بوسع كل أحد يفكر بعقله أن يميز بُعد الأزهريين الأبعد عن امتلاك رؤى وأدوات ومنظور التجديد الدينى، فضلا عن إدراكه وإنجازه. الدليل الذى أتحدث عنه كتاب حمل عنوان «مقالات فى التجديد»، صدر مؤخرًا بالاشتراك بين مجلس حُكماء المسلمين ومشيخة الأزهر، باعتناء فضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب كما يدون على غلافه، عبارة عن أوراق قدمها السادة علماء الأزهر الأجلاء -ومعظمهم ينتمون لهيئة كبار العلماء وأساتذة وعمداء بالكليات الأزهرية- إلى الندوة التحضيرية لمؤتمر التجديد الذى يزمع الأزهر إقامته بحول الله.

 

فى مقدمة هذا الكتاب يعيد شيخ الأزهر طرح قضية التجديد من منظور سياسى راهن ومؤقت بطبيعته، وباعتباره يهدف إلى «استكشاف عناصر التقاء يمكن توظيفها فى تشكيل إطار ثقافى عام يتصالح فيه الإسلاميون مع الليبراليين، ويبحثون فيه معًا عن صيغة وسطى للتغلب على الانقسام التقليدى إزاء التراث والحداثة إلى تيار متشبث بالتراث كما هو، وتيار متغرب يدير ظهره للتراث، ثم تيار إصلاحى خافت الصوت لا يكاد يبين».

ومن الواضح أن عناصر القضية كما يطرحها مولانا ليست هى نفسها عناصر التجديد كما هى فى الواقع، فليس هناك حقيقةً مَن يرى أن إدارة ظهره للتراث مسألة ممكنة، وليس هناك من يزعم أنه يستطيع أن يعيش التراث بحذافيره، فالتغيير مفروض على الجميع، لكن هناك قطعًا من يحاول بمثل هذا التصوير المتوهم أن يراوغ فى طرح متطلبات وضرورات وحتميات التجديد كما هى فى واقعها، كما أن مولانا لا ينسى قبل ذلك أن يبدى تخوفه من ريبة أهل البيت من تلامذته الأزهريين فى قضية التجديد برمّتها، فيقول: «وللأسف البالغ، لا تزال بعض المطبوعات المعاصرة -وبعضها يحمل طابع الرسائل العلمية- تضع كل دُعاة التجديد فى سلة واحدة، وتدمغهم بالتلمذة على رائد أوحد فى هذا المجال، هو سير أحمد خان». وسير أحمد خان، هذا الذى لا يكاد يُعرف اليوم، أحد رجال الإصلاح الدينى الهنود فى القرن التاسع عشر، ومؤسس جامعة «عليكرة» بالهند، وقد ألف العديد من الكتب ردّ فيها على المُغرضين من المستشرقين، غير أنه نُسبت له آراء إشكالية جريئة، منها قوله بالوجود غير الحقيقى للجن واعتباره نزعات من نوازع النفس البشرية جسّدها القرآن رمزيًّا بفهم مجتمع الوحى وزمانه، ومنها استخلاصه تحريم القرآن لتعدد الزوجات، ومنها -وهو الأخطر- أن الوحى نزل على قلب النبى بالمعنى وليس باللفظ. وكما هو واضح فآراؤه تندرج فى إطار الاجتهاد بالمعنى الواسع، دون أن يستدعى الخلاف معها بينة على الشك فى مراميه وإخلاصه، ومن يخطئ له فى ميزان الاجتهاد الإسلامى أجره المعروف.

 

عمومًا، لننتقل إلى استعراض سريع لبعض رؤى وردت بأقلام المشاركين فى الكتاب، وجُملتهم ثمانية لا أكثر. وبدايةً يطرح د.محمود حمدى زقزوق مفهوم التجديد من منظور الاستقلال الثقافى عن الآخر، وهو منظور يختصر الذات فى مفرد لا يتعدد، كما يبتسر الآخر بنفس الشكل، فى رؤية استقطابية صراعية تهمّش واقع التعدد فى روافد وعناصر كل ثقافة من ثقافات العالم وتراثها، ما يوسع بالضرورة من قاعدة المشترك الحضارى والإنسانى بينها جميعًا. على كلٍّ، يصل د.زقزوق فى المحصلة إلى مفهوم «مقلّم» للتجديد باعتباره «النظر إلى التراث على أنه منجم يشتمل على الكثير من الجواهر واللآلئ، وفى حاجة إلى عقليات ماهرة للغوص فيه للبحث عن هذه الجواهر».

ولا يخفى ما فى هذه النظرة من محدودية التشبث بالتجديد فى الجزئيات فقط، بل ودون ما هو جزئى كذلك، وما يترتب عليها من مطالب التجديد عند الكاتب، وبالتالى هو فقط مراجعة كتب التراث والتنبيه على أغلاطها فى هوامش وتعديل بعض مناهج التدريس العلمية، مع أن المناهج المنوه عنها صارت متقادمة وغير علمية بالأساس، وهى كارثة جمود منهجى وهمّ أساسى من هموم التجديد العلمى.

 

أما د.عبد الفتاح عبد الله بركة، فيطرح فى مقاله ما يصدق عليه بكل معانى الكلمة وصف «رهاب التجديد» عند الأزهريين، فيقول: «أما التبديد فنعوذ بالله تعالى من مجرد ذكره، وماذا يبقى لنا إن بددنا تراثنا؟! بل ماذا يبقى منا نحن كأمة أو كشعب؟! لا يبقى إلا حثالة لا يلقى لها بال، ولا تعامل بغير الإهمال». وأكاد أصرخ: حنانيك يا شيخ، فلا أحد يقلل من أهمية تراثه لكن ما تضعه كلماتك فى مقابله هو إنسانيتنا كلها، وهى عزيزة على أنفسنا، كما أنها مكرمة، كإنسانية محض من خالقها تعالى.

عمومًا، يطرح د.بركة مفهومًا للتجديد هو السلفية والجمود والانغلاق بعينه، وهذا غريب، إذ يحذر من الانبهار الطائش بمنتجات الحضارة المادية الشرقية والغربية وخطرها على التراث، ويرى أن التجديد هو إزالة ركام الجهل والتخلص من البدَع الموروثة والمحدثة، ليظهر الأصل نقيًّا واضحًا. وكل هذا جميل وبلا علاقة أصلا بمحددات التجديد، وبأى حال يصل د.بركة مع العناء الشديد إلى أن التجديد «تجديد عرض الإسلام فى مبادئه وأحكامه وعلومه وثقافاته من جديد بعد طول إهمال بين الخاصة والعامة».

 

د.طه جابر العلوانى -من كبار علماء الأزهر بالعراق- يقدم فى ورقته رؤية تكاد تكون سياسية خالصة، إذ تضع نصب عينيها توحيد الأمة حتى لا تضعف شوكتها وتنهار دولتها، لكنه يصل إلى نتيجة لا يمكن -فى تصورى- الحصول على شاهد واحد يؤيدها من تاريخ الفقه ومذاهبه نفسها، إذ يقول: «فقه السُّنن بما فيه من إلزام ونسبته إلى سيدنا رسول الله، كان كفيلا بإذابة أهم الاختلافات بين المسلمين وجمع كلمتهم». وفى الحق فإن التنازع فى الحديث المنسوب للنبى كان دائمًا مظهر فرقة وانقسام المسلمين، بدءًا بالانقسام الكبير بين الشيعة والسنة وسائر الفرق العقَدية الأخرى، وصولا إلى الانقسام بين المذاهب الفقهية وبعضها، وهو انقسام اتخذ فى بعض فترات التاريخ مظاهر عنيفة، وصلت إلى حد صدور فتاوى مذهبية بتحريم تزويج مسلمات مذهب من مسلمى المذهب الآخر!

 

مقال د.أحمد معبد عبد الكريم أول ما يلفت النظر فيه هو عنوانه «التجديد فى ضوء السنة النبوية والفكر الإسلامى»، الذى لا يأتى على ذكر القرآن باعتباره أساس الأسس فى منطلقات وثوابت الفكر الإسلامى وتجديده معًا، والتجديد الذى يقصده فى الحديث النبوى يعنى فحص رواياته فى ضوء نفس القواعد التى وضعها المحدثون منذ أكثر من ألف عام. وهو ينصح طبعًا بضرورة التفريق بين تنقية التراث وبين تفكيكه إلى مقدس وغير مقدس، وهو على ما يبدو سر استبعاد القرآن الكريم من عنوان المقال.

 

وكفى بالله وكيلا يا علماء الأزهر الشريف.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات