.

التأثير الجهادى الإسلامى فى الحروب الصليبية

Foto


"تطور الحج من ممارسة فردية بفعل الشوق والحنين إلى الأرض التى شهدت خطوات المسيح إلى ممارسة تكفيرية تباركها الكنيسة وتنظمها لأولئك الراغبين فى التوبة".

على هذا النحو الذى يكشف الأجواء الدينية/ الروحية للحملة الصليبية الأولى يبدأ المؤرخ قاسم عبده قاسم، تأريخه الممتع للحملة الصليبية التى بدأت مع تباشير ربيع سنة 1096م برحلات العامة والفلاحين (الحملة الشعبية) صوب الشرق، وتلتها حملة البابا المكونة من خمسة من جيوش ممالك أوروبا الإقطاعية فى الخامس عشر من أغسطس سنة 1096م.

يؤكد المؤرخ فى مواضع متعددة من الكتاب مدى تعقيد الدوافع والسياقات التى أدت إلى حركة الحروب الصليبية، ولا يمكن تبسيطها واختصارها فى دافع واحد، ولا النظر إليها بوصفها مجرد ظاهرة نتجت عن التفاعل الظرفى بين مؤسستى الإقطاع الأوروبى والكنيسة المسيحية، فلم يكن الدافع الدينى المتحالف مع الدافع الاقتصادى المتمثل فى الفقر وقلة الموارد مع كثرة السكان غير سياق عام يمكن فهم ظاهرة الحروب الصليبية من خلاله، لكن هناك مروحة طيفية من الدوافع المتحالفة يصل البعض منها إلى درجة الطرافة. دوافع تختلف باختلاف مواقع الفاعلين الاجتماعيين فى الحملة الصليبية الأولى، فبالإضافة إلى دافع الانتقام الذى رسخته الدعاية البابوية حول قتل واضطهاد وعذابات المسيحيين الذين يعيشون تحت الحكم الإسلامى فى الشرق، يمكن ضم نتائج حركة السلام التى قادتها الكنيسة ونتج عنها توقف الحروب بين الممالك والإمارات الإقطاعية الأوربية، مما جعل فرص الغزو والتوسع ضئيلة داخل أوروبا، وزيادة عدد الفرسان النبلاء الذين لا يملكون إقطاعيات وكانوا على استعداد للمشاركة أملًا فى الحصول على أملاك وضياع، من هؤلاء الفرسان مَن كان يطمح إلى استعادة الهيبة وحسن السمعة التى فقدها فى وطنه من خلال انتصار حربى شرقى.

بل وتصل الدوافع الكثيرة المعقدة المتحالفة التى حققت شعبية الحملة الصليبية الأولى فى أوروبا إلى حد الطرافة التى يعبر عنها الكتاب بقوله: "بل إن ستيفن كونت بلوا وشارتر شارك فى الحملة الصليبية، لأن زوجته أرادت له أن يشارك فى أعظم مشروعات العصر، واضطر للرحيل هربًا من سلاطة لسان زوجته الطموح ابنة وليام الفاتح، ويخبرنا بعض المؤرخين اللاتين أن بعض الفرسان قد وجدوا فى الحملة الذاهبة إلى الشرق فرصة للهرب من العدالة أو الفرار من دائنيهم، كما أن البعض منهم انضم تحت راية الحملة خوفًا من أن يظن الناس أنهم كسالى أو رغبة منهم فى صحبة أصدقائهم أو لأى سبب آخر من هذه الأسباب التافهة".

 

وخلاصة هذه التوليفة المعقدة من الدوافع يمكن إيجازها فى أنه حينما طرحت البابوية سنة 1095م دعوتها للحملة الصليبة كانت تستهدف من العمل الصليبى شيئًا، وما فهمه الفرسان الإقطاعيون كان شيئًا آخر، وما فهمته جماهير العامة من المقهورين والمطحونين من الفلاحين وسكان المدن الناشئة فى تلك الآونة القاسية من العصور الوسطى كان شيئًا ثالثًا.

 

لكن ما يمكن أن يلحظه القارئ على تحليل المؤرخ الحاذق والمدقق للكتاب غياب ماضى الصراع بين الشرق والغرب، العرب والأوربيين، كدافع أساسى من دوافع هذه الحملة، لا سيما أنه لا يمكن دراسة الحملات الصليبية دراسة موضوعية مكتملة إلا بوصفها فصلًا أو فصولًا من صراع عسكرى طويل بين أوروبا والعرب، بدأ بخروج أولى حملات الغزو العربية (الفتوح) التى انتزعت من الإمبراطوريتين الرومانية الغربية والبيزنطية الشرقية (المسيحيتين) سيادتهما على مناطق شاسعة وبلدان كثيرة، وصلت مع نهاية القرن الأول الهجرى إلى غزو القارة الأوروبية نفسها وفقدان إسبانيا وأجزاء من فرنسا والبرتغال.

 

ما يسبب إحساس القارئ بهذا الفراغ المدهش فى التحليل أكثر أن أدوات المؤرخ ذهبت إلى تقصى الخط الزمنى الصاعد لتسلسل أحداث الحملة حتى وقتنا الحاضر، فهو يذكر أن نغمة شبيهة بما ردده الفرنسيون فى حملتهم الصليبية الأولى ترددت خلال احتلالهم الجزائر حديثًا، ويضيف: "كان النتاج الأساسى للحروب الصليبية فى الغرب أن صارت الحرب الهجومية أمرًا مشروعًا، بل ومقدسًا فى بعض الأحيان، وكان ذلك تكريسًا للروح العسكرية العدوانية التى تميز الحضارة الأوروبية حتى اليوم"!

 

ورغم أنه من الصعوبة بمكان المماثلة بين روحية ودوافع الحملات الصليبية ونظيرتها فى حروب أوروبا الاستعمارية الحديثة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، فإن هذا التحقيب التاريخى لتأثير الحملات الصليبة فى المستقبل بعدها، كان من البديهى أن يوزايه تحقيب من نفس النوع يبدأ من الماضى قبلها.

 

ورغم نفى المؤرخ أن يكون الدافع الدينى هو الدافع الناجز وراء الحملة الصليبية الأولى، وهو أمر لا يملك المرء إلا الموافقة عليه وإقراره بخصوص الحروب والغزوات والفتوح ذات الأهداف الدينية بعامة، فإنه يمكن أن نتلمس فى حقيقة أن الحملة الصليبية الأولى كانت أول حرب يخوضها الغرب تحت راية أيديولوجية بعينها -كما يقول الكتاب- وجود تأثير جهادى شرقى وعربى وإسلامى محسوس، لا فكاك من التعامل معه ومحاولة حصر حدوده بموضوعية، حتى تصبح صورة الحملة الصليبية الأولى مكتملة فى الأذهان داخل سياقها التاريخى المتسلسل حتى أيامنا، وحتى يمكن فهم الطريقة التى جعلت هذه الحملات التى أربى عمرها على ألف سنة لا تزال تؤثر على أحداث التاريخ حتى اليوم، فدون سياق هذه المنافسة العسكرية بين الشرق والغرب لن نتمكن من فهم معنى امتداد هذا التأثير حتى اللحظة الحاضرة.

 

يحفل كتاب "الحملة الصليبية الأولى.. نصوص ووثائق" بالكثير من المشاهد المثيرة للعقل والخيال، والتى تعمق من فهمنا لهذا الحدث الذى كان له وقع الملاحم الكبرى على الذهنية الأوروبية المسيحية، فالحروب الصليبية كما يقول المؤرخ: "تقدم لنا نموذجًا فذًّا لمدى ما يمكن أن ينتج من استجابات فى مجتمع يجعل العنف شريعته، ويلبس الحرب ثوب الدين، لتصدير فائض حيويته الحضارية خارج حدوده التى ضاقت عن استيعاب تفاعلاته الحضارية على كافة المستويات". هذه الحرب التى حفلت بالرؤى المقدسة والأحلام الدينية جنبًا إلى جنب مشاهد الطمع والخسة وصور الخزى والعار من قوم همج متوحشين حملوا مشاعر تدين عاطفى يشوبه التعصب المقيت، وظنوا أن التدين يعنى التعصب ضد كل أصحاب الديانات الأخرى، وهى ظاهرة من الإنصاف أن نقول إنها تمثل حلقة فى سلسلة من الحروب الدينية التى طاحت بالغرب والشرق والعالم خلال الأزمنة القديمة، ولا تزال الجمرات الحية لميراثها الدامى والكريه يتقد تحت طبقة خفيفة من الرماد.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات