.

فرس سراقة لم يتعثر به ولم تنغرس قوائمه فى الأرض!

Foto

لو صح أن سراقة رأى آيات النبوة متجسدة حين عثر فرسه وغاص بالأرض فلماذا لم يسلم؟ ولماذا ضربه أصحاب النبى بالرماح بعد حنين والطائف إذا كان قد حمى النبى؟ وما سر الكتاب الذى كتبه له أبو بكر ولم يسلم إلا بعد الوفاء بما فيه؟


معظم كتب السيرة والحديث تروى عن سراقة بن مالك قصة ملاحقته الرسول وصحبه المهاجرين إلى مكة، فيروى عنه ابن هشام فى السيرة النبوية ج1 ص490 و491، قوله: لما خرج رسول الله من مكة مهاجرًا إلى المدينة، جعلت قريش فيه مئة ناقة لمن رده عليهم. قال: ثم قمت فدخلت بيتى، ثم أمرت بفرسى، وأمرت بسلاحى، ثم أخذت قداحى التى أستقسم بها، ثم انطلقت فلبست لأْمى، ثم أخرجت قداحى فاستقسمت بها فخرج السهم الذى أكره «لا يضره»، وكنت أرجو أن أرده على قريش فآخذ المئة ناقة، فركبت على أثره، فبينما فرَسى يشتد بى عثر بى، فسقطتُ عنه، فقلت: ما هذا؟ (ثلاث مرات)، فأبيت إلا أن أتبعه، فركبت فى أثره، فلما بدا لى القوم ورأيتهم، عثر بى فرسى، فذهبت يداه فى الأرض، وسقطتُ عنه، ثم انتزع يديه من الأرض، وتبعهما دخان كالإعصار، فعرفت حين رأيت ذلك أنه قد مُنع منى، وأنه ظاهر، فناديت القوم، فقلت: أنا سراقة بن جُعْشَم، انظرونى أكلمكم، فوالله لا أريبكم، ولا يأتيكم منى شىء تكرهونه. فقال رسول الله لأبى بكر: قل له: وما تبتغى منا؟ فقال ذلك أبو بكر، قلت: تكتب لى كتابًا يكون آية بينى وبينك. قال: اكتب له يا أبا بكر.

 

وفى «البداية والنهاية» لابن كثير ج13 ص169، يقول عن سراقة: وهو الذى اتبع رسول الله وأبا بكر وعامر بن فهيرة وعبد الله بن أريقط الديلى حين خرجوا من غار ثور قاصدين المدينة فأراد أن يردهم على أهل مكة لما جعلوا فى كل واحد من النبى وأبى بكر مئة مئة من الإبل، فطمع أن يفوز بهذا الجعل فلم يسلطه الله عليهم، بل لما اقترب منهم وسمع قراءة رسول الله ساخت قوائم فرسه فى الأرض حتى ناداهم بالأمان، فأعطوه الأمان، وكتب له أبو بكر كتاب أمان عن إذن رسول الله، ثم قدم به بعد غزوة الطائف فأسلم وأكرمه النبى.

 

وعلى الرغم من الفارق الشاسع فى عدد الإبل بين روايتين وردتا فى كتابين معتبرين من كتب السيرة، مئة ناقة فى رواية ابن هشام، ومئة مئة لكل منهما -عشرون ألف ناقة- فى رواية ابن كثير، وفروق أخرى فى التفاصيل، فإن تلك الرواية الشائعة ليست معقولة، ومن المرجح أنها لم تحدث من الأصل، أو أنها -فى أحسن الأحوال- حدثت بشكل مختلف وضخمتها الروايات التى طالما فعلت، ذلك أن السؤال البدَهى الذى تثيره هو: إذا ظهرت كل تلك العلامات لسراقة بن مالك، من تعثر فرسه وسقوطه عنه ثلاث مرات، ونصيحة الميسر له أن لا يضره ثلاث مرات، ثم ساخت قوائم فرسه فى أرض صلبة، فلماذا لم يؤمن؟ خصوصًا أن الروايات تذكر أنه فطن أن النبى سوف يسود العالم، ما جعله فى عودته يكذب على كل الباحثين عنه وصحبه، وأخبرهم بأنه سلك ذلك الطريق ولم يعثر عليهم.

 

السؤال الآخر عن هذا الكتاب الذى طلبه من الرسول حتى يعود، والذى أمر الرسول أبا بكر أن يكتبه له، ما معنى أن يكون كتاب أمان؟ أمان مِن مَن؟ إذا كان يطلب الأمان منهم فما حاجته لكتاب؟ وإذا قصد الأمان من غيرهم، فهل يحميه كتاب محمد من قريش؟ المنطق أن كتابًا كهذا سيعد سببًا لتفتك به قريش؛ لذلك فليس من مصلحته إظهاره، وهو ما تؤكده الروايات بالفعل، فيروى عنه ابن هشام فى السيرة، قوله: «ثم رجعت، فسكتُّ فلم أذكر شيئًا مما كان حتى إذا كان فتح مكة على رسول الله، وفرغ من حنين والطائف، خرجت ومعى الكتاب لألقاه، فلقيته بالجعرانة، فدخلت فى كتيبة من خيل الأنصار، فجعلوا يقرعوننى بالرماح ويقولون: إليك إليك، ماذا تريد؟ فدنوت من رسول الله وهو على ناقته، والله لكأنى أنظر إلى ساقه فى غرزه، كأنها جمارة، فرفعت يدى بالكتاب، ثم قلت: يا رسول الله، هذا كتابك لى، أنا سراقة بن جعشم.

قال رسول الله: يوم وفاء وبر، ادنُه. فدنوت منه، فأسلمت».

 

إذن، هذا المشهد العظيم الجلل، الذى يروى عن سراقة نفسه، لم يجعله يسلم، ولم يرجع رغم ما حدث له إلا وفى يده «كتاب» من محمد -كتبه أبو بكر، أتاه به حين ساد كما توقع- فوفى له النبى بما كتب، ما يعنى أن الكتاب تضمن وعدًا بعطيَّة لسراقة إن هو أخفى أمر الجماعة وساعد على وصولهم.

وما يجعل ذلك منطقيًّا أن المسلمين من أصحاب النبى -الذين لابد علموا أنه رجع عن محمد وضلل الباحثين عنه- أخذوا يضربونه بالرماح، ولم يكرموه لفعلته إن صحّت، والأقرب أنها ليست صحيحة. كما لم يشفع له عندهم دوره المعروف فى خذلان جيش قريش فى بدر، فقد خافوا أن يخرجوا لمُلاقاة محمد، فتأتيهم كنانة -قوم سراقة- من الخلف لخلاف بينهم، وكاد ذلك يثنيهم عن الخروج، فجاءهم سراقة الذى كان من أشراف قومه -بمكيدة- وقال لهم: أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشىء تكرهونه، ثم التحق على رأس رجال من قومه بجيشهم، وأظهر أنه سيقاتل محمدًا معهم، فلما التقى الجمعان نكص على عقبيه وتبعه جنده، ما دعا أبا جهل للقول حين رأى الهزيمة: يا معشر الناس، لا يهمنكم خذلان سراقة فإنه كان على ميعاد من محمد.

 

تقول الروايات إن النبى قال لسراقة يطمعه ويبهره، وهو يعلم أنه جاء فى أثرهم طمعًا فى مكافأة: «ماذا لو لبست سوارى كسرى؟» ويقصد كسرى ملك بلاد فارس المعروف بارتداء الغالى والثمين والنفيس من الحلى والجواهر، وهو ما حسم أمر اختيار سراقة بين أسْرهم أو التواطؤ معهم.

وبالتأكيد هذا ليس مسلكَ مهزوم خذَله فرَسَه وغرست قوائمه بأرض صلبة.

وقد ورد فى «البداية والنهاية» ج6 ص216، أن عمر بن الخطاب لما جىء بفروة كسرى وسيفه ومنطقته وتاجه وسواريه -بعد هزيمته وفتح بلاد فارس- ألبس ذلك كله لسراقة بن مالك بن جعشم، وقال: قُل الحمد لله الذى ألبس ثياب كسرى لرجل أعرابى من البادية.

قال الشافعى: إنما ألبسه ذلك لأن النبى قال لسراقة، ونظر إلى ذراعيه: كأنى بك وقد لبست سوارى كسرى.

 

ويضيف معروف الرصافى احتمالا آخر، فى كتابه «الشخصية المحمدية» لعملية التفاوض التى تمت بين سراقة ومحمد وصحبه على أن يعود بكتاب يحمل وعدًا مؤجلاً، أكثر كرمًا مما أتى لأجله. يقول فى ص262: «على أن هناك احتمالا آخر، وهو أن سراقة لم يرجع عن محمد بمال آجل فقط، بل رجع عنه بمال عاجل أيضًا، إذ يجوز أن يكون أبو بكر قد رضخ له من المال الذى يجعله معه، فعن أسماء بنت أبى بكر قالت: لما خرج رسول الله، وخرج أبو بكر معه، احتمل أبو بكر ماله كله معه، خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف، فانطلق بها معه.

فلا يبعد أن يكون أبو بكر لما رأى سراقة طامعًا فى المال لا عدوًّا، أعطاه من تلك الدراهم ما كف به عنهم طمعه.

أما خبر عثار فرس سراقة، وسوخ قوائمها إلى بطنها فى الأرض الصلبة، فلا يبعد أن يكون سراقة هو الذى وضعه ولفقه، ليكون له عذرًا عند قريش إذا علموا أنه أدرك محمدًا ولم يقتله، ومن المحتمل أنه لم يضعه على هذا الوجه المبالغ فيه، ولكن الرواة زادوا فيه وبالغوا.

 

الأمر إذن أن تلك الرواية التى تناقلتها كتب السيرة والأحاديث المهمة، وتعلمناها ورددناها، ليست حقيقية؛ لأنها تناقض بعضها، ومن المستحيل أن تصمد أمام الأسئلة المنطقية المشروعة، فلا فرس سراقة غاص فى الأرض الصلبة، ولا عاد عن محمد وصحبه خوفًا أو إيمانًا، وإنما الأقرب أن ثمة مساومة حدثت لما تأكد النبى أن الذى يطارده ليس سوى طماع يبحث عن مغنم، ولم يسلم إلا حين استلم غنيمته بالفعل!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات