.

هل أنت فهد وفنان أم ضبع ولزج؟!

Foto

هذا يحتاج الفهد الصياد إلى فترة من الراحة عقب إجهازه على فريسته قبل أن يبدأ فى أكلها بالفعل، تلك الفترة من الراحة وهذا الإنهاك


 

الضباع هى تقريبًا الكائنات الأكثر تذلفًا وخداعًا ووضاعة فى البريَّة، تنتظر على مبعدة وهى تراقب الأسود والنمور وباقى الكائنات المفترسة القوية حتى تنتهى من صيد فريستها، ثم تحدد تصرفها بعد ذلك على حسب حالة الحيوان المفترس بعد نجاحه فى اصطياد فريسته، فلو كانت المفترسات أمامها مجموعة من الأسود واللبؤات القوية التى لا ترهقها عملية الصيد وتمتلك من القدرة الجسدية القوة التى تمكنها من البدء على الفور فى تناول فريستها، فإنها تواصل انتظارها حتى تنتهى الحيوانات القوية والشجاعة من تناول وجبتها، ثم الانصراف وهى متخمة، لتنطلق بعدها إلى الفتات وبقايا اللحم والشغت التى قد تكون لا تزال ملتصقة بالعظم. أما لو كان المفترس الذى تتابعه وهو يقوم بالاصطياد هو الفهد المرقط، أسرع حيوان على وجه الأرض، فالوضع يصبح بالنسبة للضباع مختلفًا ومناسبًا أكثر، فالثمن الذى يدفعه الفهد الصياد مقابل تميزه بتلك السرعة الكبرى على ظهر كوكبنا الأرضى التعس هو إصابته بحالة من إرهاق العضلات الشديد عقب قيامه بالاصطياد نظرًا لما يبذله من مجهود فى الجرى والاندفاع والمطاردة والملاحقة وتغيير الاتجاهات فى أثناء العدو وراء الفريسة. لهذا يحتاج الفهد الصياد إلى فترة من الراحة عقب إجهازه على فريسته قبل أن يبدأ فى أكلها بالفعل، تلك الفترة من الراحة وهذا الإنهاك الذى يكون باديًا على الفهد الصياد عقب نجاحه فى اصطياد فريسته هما كل ما تحتاج إليه الضباع التى تراقب المشهد من على البُعد لتندفع فى حالة من الهمجية والمفاجأة تجاه الفهد المجهَد، لتبدأ فى الدوران حوله وهى تصرخ وتسرسع كقبيلة متوحشة لم تصلها أخبار التحضر بعد.. يتوتر الفهد ويبدأ فى النظر حوله لإبعاد تلك الحيوانات اللزجة الوضيعة التى نادرًا ما تصطاد فرائسها بأنفسها، عندها تبدأ مجموعة أخرى من الضباع فى شد الفريسة من فم الفهد المجهد الذى سرعان ما يزهق ويشعر بالإرهاق ويترك الفريسة من فمه لتتخاطفها الضباع فى ما بينها فى وضاعة وهى تسرسع وتبتعد.
الفهد ليس أضعف من الضبع، إلا أنه بالتأكيد أنبل وأشرف وأكثر تميزًا ومهارة وسرعة. وتلك هى مشكلة الفهد الرئيسية، أنه حيوان مفترس أى نعم، إلا أنه فى الوقت ذاته حيوان فنان، يضع خطة الصيد، ثم ينطلق خلف الفريسة غير تارك أمامها أى مجال أو فرصة للنجاة بسبب سرعته التى لا تبارى، ثم بعد اصطيادها بالفعل، يحتاج إلى بعض الطقوس والأنتخة والاستلقاء تحت ضلاية شجرة لإراحة عضلاته المجهدة والاستماع إلى بعض الموسيقى الصادرة من العصافير بأعلى الشجرة، بعدها قد يدعو الفهدة حبيبته إلى العشاء ليتناولا الفريسة معًا على ضوء النجوم. تلك هى مشكلة الفهد، أنه حيوان شيك وفنان ويميل إلى الوحدة بطبيعته وإلى الاصطياد منفردًا. ولأن هذا الكلام ماياكلش فى الغابة؛ لهذا.. قد ينتصر أحيانًا الضبع اللزج والجبان على الفهد السريع والشجاع والمتوحد والفنان.
ولأن الطبيعة مدرسة كبيرة مفتوحة، ولأن اللى أبوه وأمه ماعلموهوش فن الحياة الغابة تعلّمه.. لهذا قررت بعض الفهود ذات مساء أنه ما يصحش نبقى الأسرع والأقوى والأنبل واللى بنصطاد أكلنا بنفسنا ونسيب حبة ضباع يستغلوا شقانا وشجاعتنا ويسرقوا مننا مجهودنا بالسهولة دى.. أى نعم إحنا فهود وفنانين وبنميل للوحدة وللاصطياد مع نفسنا، إلا أنه ينبغى فى تلك الفترة الحرجة والملتبسة والخطيرة من فترات الغابة أن نرمى كل هذا وراء ظهورنا، ونضع أيدينا فى أيدى بعضنا البعض لنصبح جميعنا فهدًا واحدًا أمام تلك الضباع اللزجة الوضيعة التى لا أخلاق لها.
يحكى كتاب الغابة بعد ذلك أن مجموعة من الفهود خرجت لتصطاد معًا، وعلى مبعدة منهم كانت الضباع تراقب المشهد فى توتر لزج. سأل أحد الضباع كبيرهم: «حنعمل إيه يا ريس.. دول نازلين يصطادوا مع بعض؟!»، لم يرد كبيرهم، إلا أنه استدار فى صمت، ثم نظر إليهم نظرة أخيرة مودعة، فتح بعدها ساقيه للريح واختفى كمشهد من مشاهد أفلام الكرتون الهزلية. نظر بعدها قطيع الضباع لبعضه البعض فى ذهول وعدم تصديق، قبل أن ينطلقوا خلف كبيرهم إلى المجهول، لتصبح الغابة بعدها مكانًا لائقًا بحق لكى تعيش فيه الفهود، تلك الحيوانات النبيلة التى لا تعرف الوضاعة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات