.

السياسة.. السلاح المنسى فى حربنا ضد الإرهاب

Foto

كاتبان كبيران مثل عمرو الشوبكى وعماد الدين حسين، مع حفظ الألقاب للجميع، ربطا بين الإرهاب والمجال السياسى العام


فى البداية نقدم التعازى لأهالى الشهداء الذين سقطوا ضحية للحادث الإرهابى بكنيسة مارمينا بحلوان، ونتمنى الشفاء العاجل للمصابين، وندعو بالصبر والسلوان لكل أهاليهم. لم يكن العزاء الأول ولن يكون العزاء الأخير لشهداء الإرهاب الذى ابتدأت موجته الحالية ويبدو أنها لن تنتهى قريبا.
طبقا للرواية الرسمية للأجهزة الأمنية عن حادث كنيسة مارمينا علقت مع الصحافة والإعلام بشكل عام عن الإرهاب وأشدت بالأجهزة الأمنية ونجاحها فى إحباط تفجير الكنيسة من الداخل، على أساس الحزام الناسف والعملية الانتحارية وأنهم شخصان قُتل أحدهما وقبض على الآخر والدراجة البخارية.. كل هذا ثبت أنه هراء، والرواية الحقيقية كشفتها الصور والفيديوهات التى ظهرت لاحقا، كنا سابقا نعيب على الأجهزة البطء فى خروج التصريحات وترك مساحة من الوقت للشائعات والأقاويل، وأشدنا فى هذه الحادثة بسرعة خروج بيان الداخلية، ولكنى لم أكن أتصور أن السرعة فى خروج البيان ستأتى بهذه النتيجة العكسية، فقد ثبت باليقين أن الموقف مؤسف وكاشف للغاية، إرهابى وحيد يقتل قبل أن يأتى لحلوان فى بنى سويف والعياط ثم يقتل عاملين فى محل ثم لاعبى طاولة فى قهوة، ثم يعرج على الكنيسة ليقتل عشرة أشخاص ويصيب خمسة آخرين، ثم يتجول فى المنطقة هادئا مطمئنا لفترة من الزمن ليست قليلة، تتفاداه مدرعة شرطة لتعرج على شارع جانبى، خرجت تبريرات من قيادات أمنية لهذا الأمر، أيا كان الأمر فقد صالت وجالت السوشيال ميديا فى هذا الأمر. 
المواطن المصرى أثبت جرأة وشجاعة فى مواجهة الإرهاب لا يستهان بها، فقد تصدى المدنيون للإرهاب بكل بسالة. 
فى الوقت الذى أعلن فيه الرئيس مهلة ثلاثة أشهر للقضاء على الإرهاب، قام الإرهاب بعملية نوعية باستهداف وزيرى الدفاع والداخلية، سلَّم الله منها الوزيرين، وتلتها عملية أخرى باستهداف مدرعة وقتل خمسة جنود، ثم كانت عملية بنى سويف بقتل مجندين فى حاجز كارتة ببنى سويف، وفى الأخير الإرهابى المتجول فى كنيسة مارمينا. 
قدرة شخص منفرد وحيد ببندقية آلية أن يمارس هذا الإرهاب على منطقة بالكامل لمدة طويلة من الزمن تجعلنا فى حاجة إلى وقفة مع النفس. 
حالة من الحزن والخوف ألمَّت بالمصريين جميعا وبالمسيحيين بشكل خاص وهم فى انتظار أهم عيد لديهم فى العام، بالتأكيد لن يتوقفوا عن الذهاب للكنائس وإتمام الصلوات والاستماع للموعظة، ولكن الفرحة لن تكون كاملة، ثقب فى الثقة قد اتسعت هوته لا إنكار لهذا الأمر. 
كاتبان كبيران مثل عمرو الشوبكى وعماد الدين حسين، مع حفظ الألقاب للجميع، ربطا بين الإرهاب والمجال السياسى العام، وأنا أتضامن معهما فى هذا الأمر، الحل الأمنى منفردا فشل على مدى سنوات فى حل الإشكال، فالقضية الجزء الأكبر منها سياسى بامتياز. 
ضيق المكان فى حلوان وقدرة الصور والفيديوهات اللاحقة على كشف التباين الكبير بين الرواية الرسمية والحقيقة، يجعل الأمر فى سيناء يزداد غموضا، لأنه مغلق تماما على أى تواصل سياسى أو إعلامى، ولتفاقم الأوضاع فى سيناء فإن الأمر فى حاجة إلى تدخل سياسى سريع لرأب الصدع، لأنه يبدو لى أن هناك تصدعا سياسيا حدث بين المواطنين هناك والأجهزة الأمنية، لأن طبيعة الأجهزة الأمنية الخشونة والحلول الأحادية، ولكن يتميز السياسيون بالمرونة والحوار القائم على الندية والتعاون، ما يحدث فى سيناء يشير إلى وجود بيئة حاضنة ومجتمع ربما يكون مكلوما، لأن حجم المفاجآت وضآلة المعلومات لدى الأجهزة لها أسباب بالتأكيد، ربما تتدخل السياسة وربما يكون لديهم بعض المطالب المشروعة مثل العفو عن بعض ممن لم يتورط فى الإرهاب، وأحيانا تكون المطالب أقل من ذلك ربما فقط ظروف احتجاز أقل خشونة، وربما ديات تدفع لمن ثبت باليقين أنه قتل على سبيل الخطأ. 
إغلاق المجال العام يجعل النظام يخوض المعركة وحيدا، والجموع التى تم تجنيبها سياسيا وإبعادها عن المجال العام والسياسة مع سبق الإصرار والترصد أصبحت تقف متفرجة، ولكنها تمارس النقد اللاذع والسخرية على مواقع التواصل الاجتماعى وتمارس ضغطا معنويا محبطا لأفراد بعض الأجهزة، لأن الطاقة الإيجابية تنشأ من التضامن والتآزر، والطاقة السلبية تنشأ من التفارق والاستقطاب الذى يزداد حدة مع إصرار قامات سياسية وأمنية وإعلامية بترديد مقولة «الربيع العبرى»، فبالإضافة إلى أنه يتجاوز الدستور الذى قامت من أجله ثورتان ويهيل عليه التراب ويمتهنه، فإنه يغير صدور الكثيرين من المؤمنين بالربيع العربى وأنا منهم، ممن شاركوا بقلوبهم وبحناجرهم فى هذا المشهد الاستثنائى وسقط منهم شهداء ومصابون يعزّون على قلوبنا جميعا، وما زال آخرون يعانون من التنكيل بنوعيه المادى والمعنوى.  المعارك على السوشيال ميديا حادة تزيد الانقسام وترفع من حدة الاستقطاب وتفقد هذا الشعب وحدته وترفع مستوى النكاية والشماتة الذى يرفع بدوره حدة التوتر، وعندها يفقد الجميع الاتزان وتتكاثر الأخطاء ويفقد الوطن طاقته الإيجابية الدافعة. 
فى أوقات الريبة كنت أتمنى أن لا يتسرَّع النظام فى الإعدام.. وأحيلكم إلى مقالة الكاتب أحمد الصاوى فى «المصرى اليوم» عن الإعدام واليقين ومبررات الغرب بشكل عام لإلغاء عقوبة الإعدام، لا أتكلم عن إصدار الحكم ولكن عن سرعة التنفيذ وعدم القابلية للتخفيف للمؤبد من قبل من بيدهم هذه الصلاحية. 
ولو رجعنا للتاريخ سنجد أن قتلة السادات لم يُعدم منهم إلا خمسة، وقتلة جنود مديرية أمن أسيوط وعلى رأسهم نائب مدير الأمن وعلى رأس الإرهابيين وقتها عاصم عبد الماجد كان مصيرهم المؤبد، آلاف خرجوا براءة وبضعة وثلاثون فقط منهم أخذوا أحكاما مؤبدة فى هذه القضية الفارقة والكبيرة. إرهاب 1954 ومحاولة اغتيال عبد الناصر، ستة فقط أُعدموا وتم تخفيف الإعدام عن الهضيبى نفسه رأس التنظيم «المرشد» وأُفرج عنه لاحقا بشكل صحى. إرهاب 1965 وعلى رأسه سيد قطب، ثلاثة فقط أعدموا وتم تخفيف الحكم عن ثلاثة آخرين.  المربعات المغلقة تغلق الأمل وترفع معدلات الشراسة لأنك تجعل مصيره محتوما بالقتل، وتفتح نيران الثأر مع الأيديولوجيا وربما ندخل إلى المعارك الصفرية، المعركة مع الإرهاب ليست معركة إفناء فى الأمد القصير، ولكنها معركة إنهاك للإرهاب ثم تأتى المبادرات.. فعلتها مصر فى نهاية التسعينيات، وفعلتها الجزائر فى بداية الألفية الجديدة بعد عشر سنوات دامية، مبادرة تسليم السلاح مع العفو عن غير المتورطين وتخفيف العقوبة عن المتورطين هذا ما فعلته الجزائر مع إغراءات مادية وتجارية، وستفعلها مصر عاجلا أم آجلا. الإرهاب يتم القضاء عليه على المدى الطويل عن طريق الإعلام والثقافة والتعليم وغيرها من المحاور غير الأمنية. خرجت مراجعات من بعض السجون كما صرحت الأجهزة يجب أن يتم تثمينها والبناء عليها والاستفادة من قادة المراجعات فى مصر مثل ناجح إبراهيم وكرم زهدى وغيرهما وبعض القادة الأمنيين الذين خاضوا المراجعات.  النظام مشتت بين المواجهة السياسية مع المعارضين ومع الإرهاب، وبسبب حالة الجفاء الشديد مع المعارضة فقد خسر النظام قادة رأى كبارا كان لهم تأثير لا يستهان به على جموع الشعب المصرى وكانوا يملكون قوة الحجة.. خسرتهم المنصات الإعلامية، بل أصبحوا فى مرمى سهامهم مما زاد من حدة الاستقطاب وأضعف من القوة الناعمة للنظام وأصبح تأثير الإعلام الموالى سلبيا على النظام وجالبا للسخرية ومفاقما للمشكلات، وكما قلنا معركتنا مع الإرهاب معركة بالنقاط ولا توجد فيها ضربة قاضية، ويخسر النظام نقطا وراء نقط بأحاديته وتوسيع دائرة المواجهة إلى أبعد حدود ممكنة، والطاقة محدودة والاستهلاك يتسارع، بالتأكيد الطاقة الأمنية المهدرة فى مواجهة المعارضة تخصم من الطاقة الموجهة ضد الإرهاب، وقد تعاظمت الطاقة الأولى فى الآونة الأخيرة مع اقتراب الاستحقاق الانتخابى للرئيس القادم، فهنيئا للإرهاب بطاقة أمنية محدودة أنتجت الإرهابى المتجول. نحن فى حاجة ماسة إلى لملمة الشمل، لأن المنطقة على صفيح ساخن والوضع الإقليمى يزداد تعقيدا، والوضع المصرى يزداد تأزما، وليس لدينا رفاهية إضاعة الوقت فى معارك صفرية خاسرة، فإما الإفاقة وإما التدهور السريع.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات