.

حلم «أسلمة» اليابان!

Foto

فشل مصر فى تحقيق ما حققته اليابان من علامات التقدُّم والتمدين، رغم اشتراكهما فى نقطة الانطلاق وفى ميراث ثقيل اسمه التقاليد/التراث.


فى كتابه «الهوية والحداثة» الصادر عن «المشروع القومى للترجمة» يرصد آلان روسيّون من خلال كتابات الرحالة المصريين لليابان فى القرنَين (19-20) كيف نظر هؤلاء الكتاب لأسباب فشل مصر فى تحقيق ما حققته اليابان من علامات التقدُّم والتمدين، رغم اشتراكهما فى نقطة الانطلاق وفى ميراث ثقيل اسمه التقاليد/التراث.

 

إن الخيال وسيلة ضرورية لمواجهة مشكلات الواقع.

لكن قليلًا من البشر يمكن أن تصل قدرتهم على التخيُّل إلى مستوى خيال ذلك الشيخ الذى تحدَّث عنه آلان روسيّون بوصفه رجل دين مصرى فى القرن 19.

وهو الشيخ الجرجاوى الذى طبع كتابًا فى عام 1908 يزعم فيه أنه سافر إلى اليابان فى مؤتمر دينى هناك.

رغم أنه ليس فى الكتاب ما يدل على سفره خارج مصر.

والأهم من ذلك أنه يبنى على مؤتمره الدينى هذا آمالًا كبيرة. حيث يتحدَّث الشيخ بكل ثقة عن أن هذا المؤتمر الدينى كان من نتائجه أن أصبح إمبراطور اليابان مسلمًا، وأنه بين لحظة وأخرى ينتظر أن يعلن إسلامه على الأمة اليابانية فتدخل جميعها فى الإسلام، فيعز الله بهم الإسلام بسبب تقدمهم وتمدينهم وشرقيتهم ليكونوا عونًا للمسلمين على الغرب الكافر المتمدين الذى لا سبيل لدخوله للإسلام!

 

وحين لا يعلن الإمبراطور إسلامه يجد الشيخ له العذر فى أن الحنكة السياسية للإمبراطور تفرض عليه ضرورة التريث حتى يضمن إسلام كل أمته معه.

 

إن الحلم بأسلمة اليابان لحل مشكلة الذات المصرية مع الحداثة لم يكن قاصرًا على رجل الدين، وإنما حاضر بدرجة ما عند رجل الدولة فى كتابات الأمير محمد علِى باشا عن رحلته اليابانية، وحاضر كذلك فى كتابات المثقف مدرس أول الدراسات الاجتماعية الأستاذ محمد ثابت فى كتابته خلال ثلاثينيات القرن العشرين، وكذا عند غيرهم حتى يومنا الحاضر، وهو ما يجعلنى أتساءل: أليس هذا نوعًا من الاعتراف غير المباشر بما ذهب إليه مصلح نظام التعليم اليابانى «إنووى كوواشى» وأحد محررى دستور «المايجى» اليابانى من أن سبب عدم عرضهم الدين الإسلامى على الشعب اليابانى هو اعتقادهم بأن الإسلام فى بعض جوانبه غير متمدين ولا يمكنه تقديم الكثير لطموحات اليابانيين الحداثية؟!

 

من حق «إنووى كواوشى» أن يرى ما يراه، لكن من الضرورى أن ندرك أن ما قدمه دين الشنتو اليابانى لليابانيين من نسق موحد من المعتقدات والقيم الأخلاقية وعدم تعارض بين النظام السياسى والنظام الدينى، بل أن يكون الدين من أجل التقدم والتمدين «العمران بلغتنا المتوارثة» هو عينه ما افتقر إليه المسلمون فى مشوارهم الطويل مع الحداثة، حيث الصراعات المذهبية والدينية والتنافر بين النظام السياسى وجماعات الإسلام السياسى المدعية تمثيلها للنظام الدينى، وكذا الفجوة الهائلة بين المعتقدات والعبادات والمعاملات كانت وستبقى حجر عثرة أمام محاولات التقدم والتمدين سواء على مسار الغرب أو على مسار اليابان!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات