.

الغزالى كفَّر ابن سينا وسرق نصوصه ونسبها إلى نفسه!

Foto

هل يتغاضى كل الباحثين الفلسفيين عن حقيقة سرقة الإمام الغزالى أفكار وعبارات ابن سينا الفلسفية رغم تكفيره له؟ لماذا أمكنهم اتهام الغزالى بالمسؤولية عن ضياع حضارة المسلمين ولم يمكنهم اتهامه بسرقة ابن سينا؟ كيف أتت سرقات الغزالى من مؤلفات ابن سينا ساذجة وفجة وفادحة وبلا خجل؟


لا يجرؤ باحث فى ما يظهر –حتى فى أيامنا هذه- على اتهام الإمام أبى حامد الغزالى الملقب بحجة الإسلام (450-505هـ) بتهمة سرقة وانتحال أفكار الفيلسوف الإسلامى الشهير ابن سينا الملقب بالشيخ الرئيس (370-427هـ) ونسبتها إلى نفسه، رغم أن نبأ هذه السرقة الفكرية صار من حقائق البحث المستقرة عند كل مَن له أدنى صلة بمؤلفات ابن سينا والغزالى الفلسفية، حقيقة لا ترقى إلى مقام الشك، فضلًا عن أن ترقى لمقام الإنكار.

 

لكن المدهش بعد ذلك فعلًا لقارئ النقد الفكرى والفلسفى الحديث هو ملاحظة أن اتهامات ربما تكون أضخم بكثير من تهمة السرقة الفكرية يوجهها الباحثون إلى فكر الإمام الغزالى دون أن يهتم أصحابها –تقليديًّا- بالمرور على هذا الاتهام الصغير الفادح!

 

يجرى –على سبيل المثال– فحص فكرى وتاريخى شامل لأسئلة تتعلق بمسؤولية حملة الغزالى التكفيرية الشرسة على الفلاسفة وزعمه تناقض الفلسفة مع الدين عن الانحطاط العلمى والعقلى الذى أدى إلى ضياع الحضارة العربية وتدهورها فى النهاية، وكذلك التساؤل عن دور الفكر الأشعرى والصوفى الذى نشره الغزالى فى مؤلفاته التى كانت الأكثر رواجًا على المستوى الدينى والفكرى فى وقتها، وربما لا تزال من الأكثر رواجًا حتى اليوم، فى نشر الكراهية تجاه العلوم وإبعاد العرب عن ميدان الابتكار والتأثير العلمى وتغيير مجرى المسار العقلى العربى المنفتح على علوم وابتكارات الحضارات الأخرى، بل وتجرى مساءلة الغزالى مساءلة دقيقة عن إسهام تنظيراته فى ميدان العقائد والروحانيات فى إمعان العقل الإسلامى فى رفض قوانين العليّة والسببية وغرقه فى الخرافات والغيبيات.

 

كل هذه التساؤلات الضخمة يمكن أن تسفر عن اتهامات خطيرة لا تقل عن التسبب فى غروب شمس حضارة بأسرها والغرق لقرون فى ظلمات التخلف والانحطاط، وهى اتهامات ضخمة قياسًا لكونها موجهة لفرد واحد، سواء أكان فردًا فقيهًا أم فيلسوفًا أم صوفيًّا أم مفكرًا أم ذلك كله معًا، ومهما بلغت عظمة هذا الفرد وعبقريته وهيمنته على ميادين الفقه والفكر والعقائد، فإن دوره لن يتجاوز فى المحصلة دور فرد واحد، ومسؤوليته لن تتجاوز أيضًا فى المحصلة مسؤولية فرد واحد، لكننا رغم ذلك لا نواجه الإمام الغزالى باتهام صغير بسيط وأقل ضخامة وتعقيدًا من ذلك بكثير، وهو اتهام ثابت كذلك بالأدلة القاطعة، وهو سرقة أفكار الشيخ الرئيس "ابن سينا" وتضمينها فى مؤلفاته وانتحالها لنفسه دون أقل إشارة إلى ذلك وأقل خجل من ذلك!

 

وعذرًا لما قد يسببه ما سبق من دهشة للقارئ، لكن أنباء هذه السرقة الغريبة معروفة متداولة عند المتخصصين وقراء الفلسفة بحيث يمكن القول إنها حقيقة لم تعد ترقى لمقام الشك فضلًا عن الإنكار، وإن كان الوضع بالنسبة لقراء ومحبى كتابات الغزالى، وكذلك أتباع ومحبى شهرته، يختلف بكل تأكيد، ذلك أن من قرأ منهم مؤلفات الغزالى لم يقرأ مؤلفات ابن سينا، ليس لصعوبة قراءة مؤلفات هذا الأخير فحسب، ولكن لتوقفها عن التداول والدراسة وبعدها عن الفحص والمقارنة منذ زمن طويل. إذ رغم أنه من المعروف أن ابن سينا من أهم الفلاسفة المسلمين، لكن تكفيره على يد الفقهاء -وعلى رأسهم وإن لم يكن أولهم ولكن أشهرهم الإمام الغزالى– تسبب فى قلة الإقبال على قراءة أفكاره "الكفرية" ودراسة مؤلفاته الفلسفية واكتشافها ونقدها.
لذلك فنحن فى حاجة إلى التدليل هنا –كما لو كنا ننقل خبرًا جديدًا أو مدهشًا- على أن الغزالي لم يكتف بنقل أفكار ابن سينا الفلسفية لكنه قام كذلك بنقل عباراته بفصها ونصها نقلًا حرفيًّا فى كتبه ونسبتها لنفسه أمام قرائه. وحتى تتجسم هذه الحقيقة ويكتشف القارئ بنفسه طبيعة الاقتباسات/ السرقات الغزالية التى نتحدث عنها سوف أقوم بنقل مقتطفين سريعين من كتاب لابن سينا يليها نفس المقتطفين (!!) من كتابين للغزالي، وبوسع القارئ بالطبع مراجعتها بنفسه فى مصادرها واكتشاف المزيد منها وبوفرة.

 

يقول ابن سينا فى كتاب "النجاة": "إن لكل قوة نفسانية لذة وخيرًا يخصها وأذى وشرا يخصها. مثاله أن لذة الشهوة وخيرها أن يتأدى إليها بكيفية محسوسة ملائمة للحواس الخمس. ولذة الغضب الظفر ولذة الوهم الرجاء ولذة الحفظ تذكر الأمور الماضية. وأذى كل واحد منهما ما يضاده. وتشترك كلها نوعا من الشركة فى أن الشعور بموافقها وملائمها هو الخير واللذة الخاصة بها. والموافق لكل واحد منها بالذات والحقيقة هو حصول الكمال الذى هو بالقياس إليه كمال بالفعل. فهذا أصل ومعنى هذا. إن حصول اللذة للنفس هو إدراك الموافق والملائم لما تنزع إليه".

 

ويقول الغزالي فى كتاب "معارج القدس فى مدارج معرفة النفس": "يجب أن يعلم إن لكل قوة نفسانية لذة وخيرًا يخصها وأذى وشرا يخصها. مثاله أن لذة الشهوة وخيرها أن يتأدى إليها من محسوساتها كيفية ملائمة من الحس. وكذلك لذة الغضب الظفر ولذة الوهم الرجاء ولذة الحفظ تذكر الأمور الماضية الموافقة. وأذى كل واحد منها ما يضاده. ويشترك كلها نوعا من الشركة فى أن الشعور بموافقها وملائمها هو الخير واللذة الحاصلة بها. وموافق كل واحد منها بالذات والحقيقة هو حصول الكمال الذى هو بالقياس إليه كمال بالفعل. فهذا أصل"!

 

ولعل قارئ المقتطف لا يلاحظ التعديلات الحرفية الطفيفة التى أدخلها الغزالي على نص ابن سينا دون أن يغير شيئًا من تركيبه ولا ألفاظه. وعلى نفس النحو يقول ابن سينا فى كتاب "أحوال النفس": "إن شيئًا آخر لا يعدم النفس البتة، وذلك أن كل شيء من شأنه أن يفسد بسبب ما، ففيه قوة أن يفسد، وقبل الفساد ففيه فعل أن يبقى. ومحال أن يكون من جهة واحدة وفى شىء واحد قوة أن يفسد وفعل أن يبقى، بل تهيؤه للفساد ليس بفعله أن يبقى، فإن معنى القوة مغاير لمعنى الفعل، وإضافة هذه القوة مغايرة لإضافة هذا الفعل، لأن إضافة ذلك إلى الفساد، وإضافة هذا إلى البقاء، فإذن لأمرين مختلفين فى الشىء يوجد هذان المعنيان..".

 

ويقول "الغزالى فى كتاب "معارج القدس" دون إضافة بعض الشرح على الأقل: "إن النفس لا يتطرق إليها الفناء والعدم والفساد والهلاك، وذلك أن كل شىء من شأنه أن يفسد بسبب ما، ففيه قوة أن يفسد، وقبل الفساد فيه فعل أن يبقى، ومحال أن يكون من جهة واحدة وفى شيء واحد قوة أن يفسد وفعل أن يبقى، بل تهيؤه للفساد وليس لفعل أن يبقى، فإن معنى القوة مغاير لمعنى الفعل، وإضافة هذه القوة مغايرة لإضافة هذا الفعل، لأن إضافة ذلك إلى الفساد، وإضافة هذا إلى البقاء، فإذا لأمرين مختلفين فى الشىء يوجد هذان المعنيان.."!

 

على مثل هذا النحو من التطابق الببغائى يمكن إضافة عشرات المقتطفات من مؤلفات الغزالي الفلسفية قام بنقلها حرفيًّا من مؤلفات ابن سينا، دون أية إشارة أو تنصيص أو أثر يستدل منه قارئه على أن الفكرة والعبارة برمتها منقولة من مؤلفات ابن سينا، وليس لهذا الفعل أى تسمية أخرى فى الواقع غير أنه جريمة سرقة فكرية وفلسفية مكتملة.

 

التساؤل هنا لابد أن يدور حول السبب الذى أخفى عن جمهور "حجة الإسلام" مؤلف سفر "إحياء علوم الدين" الشهير كل أثر لهذا الاتهام الخطير الثابث الموثق ضده حتى هذه اللحظة؟ والسبب الذى جعل منه اتهامًا يدور داخل دائرة حصرية ضيقة من المهتمين بالفلسفة بحيث لا يطرق مسامع ملايين المعجبين والمتبعين لفكر الغزالى عبر العصور؟

 

حقيقة يمكن أن لا يجد المرء سببًا واحدًا بسيطًا مباشرًا رغم أن جريمة السرقة الفكرية ليست من الجرائم الهينة التى يمكن تمريرها بخصوص فقيه حمل حصريًّا لقب "حجة الإسلام" واشتهر به، وسواء أكان ذلك فى ميدان كالتأليف الفلسفى أم على مستوى الخلق والمثال الدينى، فمبادئ مثل الأمانة والنزاهة والتعفف فى الميدانين معًا من لوازم الخلق ونوافل القول، ومما لا يجوز إهمال شأنه. فلا يمكن إذن -والحال كذلك- سوى اللجوء إلى فرض بسيط ومركب يمكن اختصاره فى سلطة وشهرة "حجة الإسلام"، سلطته السياسية التى استمدها من علاقته بملوك زمانه واستمرت بعد موته ماثلة فى تياره الفكرى المهيمن والسائد بتجلياته المؤسسية، ومن بينها الأزهر فى مصر، ثم سلطته الدينية التكفيرية التى ألقت باللعنة على كل فلاسفة المسلمين وفى مقدمتهم فيلسوفهم وطبيبهم النابغة الشيخ الرئيس "ابن سينا"، ولعلك صدقت الآن أن الغزالى سرق نصوصه ونسبها إلى نفسه بالفعل!

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات