.

هل بلغنا «القمة الأمريكية»؟

Foto

الصين هى أكبر شريك تجارى للاقتصادات الكبرى فى أمريكا اللاتينية وإفريقيا وآسيا الأمر الذى يعطيها نفوذًا


 

ترجمة: أميرة جبر عن «واشنطن بوست»

 

تعقد قمة «مجموعة الـ٢٠» بالأرجنتين فى لحظة حيث لا تزال تقف الولايات المتحدة فى مركز العالم. فاقتصاد الولايات المتحدة يزدهر والدولار قوى جدًّا وشركات التكنولوجيا الأمريكية مستمرة فى السيطرة على الاقتصاد الرقمى الجديد، ولا يزال جيش الولايات المتحدة لا نظير له على الأرض وفى الجو والبحر. غير أن هناك قوى، طويلة وبعيدة الأجل، تعمل على تقليص السيطرة.

 

وكما أشار كبير الاستراتيجيين العالميين ورئيس فريق الأسواق الناشئة بمؤسسة «مورجان ستانلى» للخدمات المالية والاستثمارية «روتشير شارما»، يبدو أننا قد بلغنا «القمة الأمريكية». لقد أدت الأسهم الأمريكية أفضل من باقى العالم فى هذا العقد، وهذا النوع من الاتجاهات نادرًا ما يستمر. إن الانتعاش الاقتصادى الحالى هو ثانى أطول انتعاش فى التاريخ، ومن المنتظر أن يتراجع. معدلات الفائدة ترتفع ونمو أرباح الشركات يتباطأ وعجز الموازنات يتزايد. حتى الرئيس «ترامب» يبدو أنه يدرك احتمالية الانحدار، ولهذا السبب يمهد الأرض بلوم «الاحتياطى الفدرالى» (Federal Reserve) على رفع معدلات الفائدة.

 

غير أن هناك حقائق هيكلية أوسع أيضًا. ففى الوقت الذى يستمر فيه تفوق أداء الولايات المتحدة على الاقتصادات المتقدمة الأخرى يستمر كذلك «صعود الباقى»، حيث تنمو الصين، ثانى أكبر اقتصاد فى العالم، بسرعة ٣ أضعاف سرعة الولايات المتحدة. منذ ربع قرن شكلت الصين أقل من ٢٪ من اقتصاد العالم، واليوم تشكل ١٥٪ ومستمرة فى الزيادة. وتفتخر الصين بـ٩ من أقيم ٢٠ شركة تكنولوجيا فى العالم.

 

ولهذه الحقيقة الاقتصادية تأثير جيوسياسى. إن الصين هى أكبر شريك تجارى للاقتصادات الكبرى فى أمريكا اللاتينية وإفريقيا وآسيا الأمر الذى يعطيها نفوذًا. وقد صممت مبادرة «حزام واحد- طريق واحد» لتوسع تأثير بكين عبر آسيا وخارجها، فهى لا تخلق سوقًا فحسب بل سلسلة من الحلفاء والتُّبع. وقد وسعت الصين من سيطرتها على بحر الصين الجنوبى بطرق لم تستطع إدارة «أوباما» أو «ترامب» منعها أو مواجهتها.

 

وأينما ذهبت فى العالم هذه الأيام لسمعت القادة يتحدثون عن انسحاب الولايات المتحدة من المشهد العالمى. ويشيرون إلى أنه قد بدأ قبل «ترامب»، إذ يعيده أغلبهم إلى أعقاب حرب العراق ليمتد بذلك عبر إدارات «جورج بوش الابن» و«باراك أوباما» والآن «ترامب». وبينما إدارة «ترامب» عدوانية فى سياساتها، خصوصًا فى ما يتعلق بالتجارة، جميعهم يخدمون عقلية لعبة «الحصن الأمريكى» (Fortress America) التى تسعى لانخراط أقل مع العالم سواء سياسيًّا أو اقتصاديًّا.

 

كما يشير القادة الأجانب إلى أن الولايات المتحدة على الأرجح ستكون مقيدة بشكل متزايد نتيجة مشكلات الموازنة المتنامية.

 

أشارت جيليان تيت، الكاتبة بمجلة «فايننشال تايمز»، إلى أن حكومة الولايات المتحدة تنفق الآن ١،٤ مليار دولار يوميًّا على الدين، أى ١٠ أضعاف ما تنفقه الدولة الصناعية التالية لها فى الترتيب. وبينما ترتفع معدلات الفائدة ويبلغ أمريكيون أكثر سن تحصيل التأمين الاجتماعى والصحى لن تستطع الحكومة الفيدرالية بتمويل أكثر من ذلك. لقد سخر «عزرا كلاين»، المحرر بموقع «فوكس»، من قبل، واصفًا الحكومة الأمريكية بـ«شركة تأمينات كبرى يحميها جيش دائم كبير»، وكل يوم تتبين حقيقة هذا الوصف أكثر.

 

لن ينتج الانسحاب الأمريكى عالمًا أفضل، بل سيكون أكثر فوضى وقبحًا. انظروا إلى الشرق الأوسط اليوم من أجل لمحة لذلك. فبينما تراجعت الولايات المتحدة عن دورها التقليدى كوسيط قوى -بالحفاظ على العلاقات مع كل الجوانب والسعى وراء تحقيق درجة ما من الاستقرار- تتصارع إيران وتركيا والسعودية على النفوذ.

 

ببساطة لقد تعاقدت الولايات المتحدة على سياساتها مع الرياض من الباطن، فشجعت بذلك سلوك السعوديين المتهور الأمر الذى أنتج الحرب فى اليمن وهى أسوأ أزمة إنسانية فى العالم حيث هناك ١٢ مليون شخص على أعتاب مجاعة.

 

وفى الوقت الذى تحتدم فيه هذه القوى الكونية وتواجه فيه الولايات المتحدة قيودًا حقيقية على ما تستطيع فعله دوليًّا تكون الاستراتيجية الأكثر حكمة هى تعزيز المؤسسات والقواعد الدولية التى بنتها الولايات المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية، وهذا للحفاظ على درجة ما من الاستقرار والنظام وكذلك للحفاظ على المصالح والقيم الأمريكية وتوسيعها. لا يأتى أذكى مسار لقيد الصين من سياسة احتواء مباشرة بل من سياسة مستترة تجبر بكين على أن تظل متداخلة مع المجتمع الدولى ومعتمدة عليه.

 

تدرك الصين وتحاول جاهدةً تحرير نفسها من المجموعات متعددة الأطراف، إذ تفضل التعامل «واحد لواحد» مع دول حيث دائمًا ما ستعلو شريكها التفاوضى.
 

ومع ذلك، ما من شىء يحرك إدارة «ترامب» أكثر من معارضتها للعمل متعدد الأطراف أيًا كان نوعه. وبالتالي، بينما يصبح العالم أكثر فوضى تتآكل القوى التى تستطيع توفير النظام. وكما هى الحال فى الكثير من الأحيان تتابع الصين فى هدوء وتملأ جيوبها بالمكاسب.
 

...
 

فريد زكريا
يكتب عمودًا متخصصًا فى الشؤون الخارجية بجريدة «واشنطن بوست»، كما يستضيف برنامج «جي. بي. إس» على قناة «سي. إن. إن»، ويشارك فى تحرير مجلة «أتلانتيك». ومن مؤلفاته: «دفاعًا عن التعليم الليبرالى» و«العالم ما بعد الأمريكى» عام ٢٠٠٩ و«مستقبل الحرية» عام ٢٠٠٧.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات