.

الاحتفال بنجيب محفوظ لا يحتاج مناسبة

Foto

نجيب محفوظ قدم نموذجاً للمثقف الذي يستطيع بجهده ومواهبه أن يصل إلى مكانة رفيعة محلية ودولية دون أن يكون بوقاً لأحد أو يتنازل عما يعتقد أنه الصواب ولأنه أحب ما يعمل بصدق، وفاض قلبه الطيب على كل الناس


لم أجد في مناسبة مرور ثلاثين عاماً على حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل للآداب مبرراً للاحتفال، كما فعلت بعض الفضائيات العربية والدولية، ذلك أنني شأني شأن كثيرين غيري، يعدون ظاهرة نجيب محفوظ الشخصية والأدبية جديرة بالاحتفاء في كل وقت وزمان.

 

وحين حصل نجيب محفوظ على تلك الجائزة في مثل هذه الأيام عام 1988 لم تغير منه شيئاً، بل كشفت عن مزيد من معدنه الأصيل والمتفرد، الذي يشيع سلة من الفضائل الراقية في كل وقت.

 

ظل محفوظ يسكن شقته البسيطة في حي العجوزة بعد حيازته للجائزة، يخرج منها كل يوم في الصباح الباكر، ليصل سيراً على الأقدام إلى مكتبه في جريدة الأهرام في شارع الجلاء، بعد أن يكون قد عرج إلى قهوة علي بابا وسط ميدان التحرير ليحتسي قهوته الصباحية، ويتبادل الأحاديث مع من يطلب منه ذلك من عموم المواطنين.

 

وبعد فوزه بنوبل رآه في المقهى أحد الرسامين الأوروبيين، وطلب منه أن يرسم صورة له، فاستجاب محفوظ، وأصر صاحب المقهى أن يعلق الصورة بعد اكتمالها في المكان الذي تعود محفوظ أن يجلس به، ولا تزال الصورة معلقة في نفس المكان حتى الآن، وبعد رحيل نجيب محفوظ.

 

ظلت تلك عادة نجيب محفوظ اليومية، حتى توقف عنها في أكتوبر عام 1994، بعد الطعنة الغادرة بسكين التي تلقاها من جاهل صدق خرافات جماعات الإرهاب الجهادي التي تجاسرت على اتهام محفوظ بالكفر سعياً منها لبث الذعر في مؤسسات الدولة والمجتمع، باستهدافها علماً من أعلام الإبداع في الوطن العربي، تسببت هذه الطعنة الجبانة في عجز محفوظ عن استخدام يده في الكتابة وبات يملي ما يريد كتابته على آخرين.

 

في الجانب المادي من الجائزة، تبرع نجيب محفوظ بنصيبه منها بعد أن قسمها على ابنتيه وزوجته، إلى بريد الأهرام لينفق مسؤولوه من دخلها على حل مشاكل المواطنين.

 

كانت روايات محفوظ، قبل نيله لنوبل تترجم إلى اللغات الأوروبية، وكان منزله محطاً لزيارات سياسيين وكتاب ومثقفين عرب وأجانب، لا يعتبرون أن زيارتهم للقاهرة تكتمل دون إتمامها.

 

ضحك نجيب محفوظ من قلبه، ومذيعة التليفزيون المصري تسأله عن شعوره بعد الفوز بنوبل، وكانت قد استفزت كثيرين حين قدمته إليهم بأديب نوبل العالمي، قال لها بخفة ظله المعهودة: أنا زي ما أنا. وحين ساقت إليه سيل الاتهامات الذي وجهها إليه «يوسف إدريس» الذي كان يظن أنه أحق منه بالجائزة، وبأن محفوظ نال الجائزة لتأييده للسلام مع إسرائيل، وسألته رأيه في ذلك، رد بهدوء وترفع وأدب جم: هذا رأيه وحقه في إبداء الرأي، وربما يكون ذلك صحيحاً.

 

حاز نجيب محفوظ محبة واحترام وإعجاب كل من اقترب من شخصه لتعففه الدائم وكبريائه الذي لا يعتدي على أحد، ولطفه في التعامل مع الآخرين وخفة ظله التي لازمته طول عمره الذي امتد حتى 96 عاماً.

 

يروي ثروت أباظة أنه ذهب ليعوده في المستشفى بعد تعرضه لمحاولة الاغتيال، وما إن رآه راقداً على السرير حتى انهمر في البكاء، فقال له محفوظ ساخراً: بتعيط ليه هو أنت اللي اطعنت ولا أنا!

 

كما نقل عنه أنه أجاب لسؤال من صحبته في جماعة الحرافيش عن رأيه في التمثال الردئ المنحوت له والمنصوب بقرب منزله، فرد محفوظ بعفوية شديدة قائلاً: إن الفنان الذي صممه ربما لم يقرأ له سوى رواية «الشحاذ».

 

صدق المؤرخ والكاتب صلاح عيسى حين قال إن في حياة نجيب محفوظ وفي أدبه خصوبة تدعو للإعجاب، وقيماً رفيعة تبعث على الاحترام، فقد عاش يقرأ ويفكر ويبدع ويؤدي واجبات الوظائف العامة التي تولاها بضمير نقي وحس مرهف وإخلاص عظيم.

 

ولأن نجيب محفوظ قدم نموذجاً للمثقف الذي يستطيع بجهده ومواهبه أن يصل إلى مكانة رفيعة محلية ودولية، دون أن يكون بوقاً لأحد، أو يتنازل عما يعتقد أنه الصواب، ولأنه أحب ما يعمل بصدق، وفاض قلبه الطيب على كل الناس الذين أثرتهم حكمته وتواضعه، وفنه الرفيع، فإن الاحتفال به لا يحتاج إلى مناسبة، بل هو احتفال بالمتعة والبهجة والقيم الرفيعة التي أشاعها في حياتنا بشخصه وأدبه.

 

نقلًا عن «البيان»

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات