.

محمود الورداني يكتب: لم يتحمل قلبه كل هذه العواصف.. ذكرى ميلاد ورحيل عبد الحكيم قاسم

Foto

التغير الحاسم جرى لقاسم بعد عودته من غياب استمر عشر سنوات، ووجد عالما مختلفا انقلبت توجهاته وتبدلت قيمه الأساسية


مرّت خلال هذا الشهر ذكرى ميلاد ورحيل كاتب كبير من جيل الستينيات كانت حياته عاصفة من الاختيارات الصعبة والألم والسجن والسفر، لكنها مع ذلك أودعت لدينا أعمالا روائية وقصصية لا يمحوها الزمن.

 

الكاتب هو عبدالحكيم قاسم (5\11\1934 – 13\11\1990)، تذكرته خلال العام الماضي دار الشروق وأعادت طبع كثير من أعماله التي صدرت قبل عدة عقود، إلا أنها لا تزال نابضة بالحياة والمغامرة والاكتشاف. وإذا كان أغلب أبناء جيله قد بدأوا بالقصة القصيرة، فإن قاسم انفرد بأنه بدأ بكتابة روايته الأولى "أيام الإنسان السبعة" عام 1968.
 

من جانب آخر، فإن حياته الحافلة قبل أن يرتبط بالكتابة تقدم سيرة عاصفة مرّت كالشهاب، فهو ابن لفلاح، وأمضى طفولته وصباه في إحدى قرى الدلتا، وكان طفلا نحيلا معلولا مهددا بالموت وهو يخوض صراعا ضاريا مع الملاريا، وما لبث أن هجر قريته وبيت أبيه إلى القاهرة.

 

وبعد حصوله على الثانوية العامة انتقل إلى الإسكندرية ليلتحق بكلية الحقوق عام 1955، وفي العام التالي وقع العدوان الثلاثي فالتحق بالحرس الوطني. وقبل أن ينهي دراسته مرض أبوه وتدهورت أحوال الأسرة، فاضطر لترك الجامعة والالتحاق بعمل كتابي في هيئة البريد بالقاهرة.

 

وفي عام 1959 قُبض عليه خلال حملة النظام الناصري ضد الشيوعيين وأمضى مع عدة سنوات رهن الاعتقال في "معتقل المحاريق" في الوادي الجديد. وبعد الإفراج عنه، عاد إلى الجامعة وأنهى دراسته وحصل على ليسانس الحقوق عام 1966. وفي عام 1974 رحل إلى ألمانيا للحصول على الدكتوراه، لكنه عاد بعد عشر سنوات دون أن يكمل دراسته.
 

وهكذا كانت حياة قاسم مضطربة ومتقلبة، ومع ذلك كتب خلال تلك الفترة عددا كبيرا من أعماله الروائية والقصصية مثل أيام الإنسان السبعة، الأشواق والأسى، ومحاولة للخروج، الأخت لأب، قدر الغرف المقبضة، طرف من خبر الآخرة، المهدي.. وهو ما لفت إليه أنظار النقاد بقوة، وكتبوا عن أعماله الكثير من الدراسات التي وضعته في طليعة أبناء جيله.
 

وواصل الكتابة أثناء وجوده في ألمانيا، خلال السنوات العشر، على الرغم من أن حياته كانت بالغة المشقة، فقد عمل في مطاعم وفنادق ومحلات كما اشتغل بالحراسة، إلا أنه لم يتوقف عن الكتابة، حتى بعد أن لحق به زوجته وابناه هناك وأصبح مسؤولا عن أسرة. وخلال تلك الفترة تحديدا ربطت بين كاتب هذه السطور وبين قاسم صداقة عميقة عبر عدد من الرسائل التي عكف عليها فيما بعد الصديق محمد شعير وأصدر كتابه "كتابات نوبة الحراسة" عن السنوات التي أمضاها قاسم في ألمانيا.
 

التغير الحاسم جرى لقاسم بعد عودته من غياب استمر عشر سنوات، ووجد عالما مختلفا انقلبت توجهاته وتبدلت قيمه الأساسية. كان العطب والفساد قد لحق بالبلد، وعانى من انعدام التوازن وفقدان الاتجاه خلال السنوات الثلاث الأولى بعد عودته، وفاجأ الجميع بأغرب قرار يمكن تصوره: لقد قرر الترشح في انتخابات البرلمان عام 1987 على قائمة حزب التجمع. وانخرط بكل عافيته وجهده يعقد المؤتمرات ويحضر الندوات بين الفلاحين في مسقط رأسه ويمر عليهم في بيوتهم يدعوهم للعمل معه لإنقاذ البلد. وفجأة سقط من الإعياء والإجهاد العصبي والنفسي مصابا بجلطة أعقبها شلل نصفي.
 

وعلى مدى السنوات الثلاث التالية وحتى رحيله ازداد توتره وأصبح عنيفًا ثائرًا غاضبًا من الجميع وضد كل أصدقائه. كان عاصفة تسير على قدم واحدة والثانية عاجزة من الشلل. ومع ذلك واصل الكتابة وأنهى مجموعتين من القصص، ومات قبل أن يمهله القدر لينتهي من رواية كان قد قطع شوطًا في كتابتها.
 

تلك باختصار بعض اللمحات السريعة في حياة كاتب كانت حياته عاصفة، لكنه ترك لنا أعماله نعيد قراءتها ونتأملها.

 

نقلًا عن «مصراوي»

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات