.

سيناء ٢٠١٨.. بين القضاء على خط إنتاج الإرهاب وإغلاق المصنع نفسه

Foto

كيف يتحقق سحق الإرهابيين ومصانع الإرهاب لا تزال تعمل؟ لماذا تغيرت الأهداف الاستراتيجية للإرهابيين؟ كيف كان الإرهاب المسلح المرحلة الأخيرة من تطور الإرهاب فكريًّا؟


تحتل العملية التى تقوم بها القوات المسلحة فى سيناء، منذ أيام، اهتمامًا كبيرًا ومستحقا بالطبع من أفراد الشعب، خصوصًا أنها العملية الأكبر فى إطار مكافحة الإرهاب فى سيناء منذ سنوات، فرغم أن السنوات الماضية شهدت عدة عمليات كبرى لمواجهة الإرهاب؛ كالعمليتين «نسر 1 و2»، والعملية «حق الشهيد»، فإن العملية «سيناء 2018» هى الأكبر، ما قد يشير إلى أنها ستصبح العملية الأساسية لسحق فاعلية وقدرات التنظيمات الإرهابية فى سيناء فى السنوات القادمة.

الجماعات الإرهابية كانت تستهدف التوطن فى سيناء لأسباب متعددة، منها طبيعة الأرض الصحراوية، والقيود التى تفرضها معاهدة السلام على وجود القوات المسلحة فى سيناء، فضلاً عن القرب الجغرافى من المناطق السياحية التى يمكن من خلال استهدافها الإضرار بالاقتصاد المصرى، بالإضافة -بالطبع- إلى وجود الأنفاق غير الشرعية التى تربط سيناء بقطاع غزة، والتى يمكن استخدامها فى نقل السلاح فى الاتجاهَين، وتمكنت هذه التنظيمات من استغلال الظروف السياسية فى المنطقة، فاستغلت الفوضى السياسية التى ضربت ليبيا منذ عام 2011، والتى نتجت عنها فوضى أكبر فى انتشار الأسلحة، الخفيفة منها والثقيلة، التى كانت فى مخازن نظام القذافى، واستغلت الفراغ السياسى والأمنى فى سوريا والعراق واليمن والصومال لتحقيق نفس الأهداف.
ولكن من الواضح أن الأهداف الاستراتيجية للإرهابيين تغيرت أكثر من مرة، ففى البداية كانت الأهداف مقصورة على تنفيذ عمليات إرهابية ضد السياحة والسياح، كما تم فى عمليات طابا وشرم الشيخ ودهب، أعوام 2004 و2005 و2006، ثم بدأت فى استهداف رجال القوات المسلحة ورجال الشرطة من جهة، واتجهت إلى إلحاق الضرر الاقتصادى بشكل آخر عبر تفجير خطوط الغاز، ثم انتقلت إلى تنوع أكبر، مثل استهداف مبانى الأمن «مديرية أمن القاهرة ومديرية أمن الدقهلية وأقسام الشرطة»، وتنفيذ الاغتيالات أو محاولات الاغتيال «اغتيال النائب العام السابق هشام بركات، ومحاولة اغتيال وزير الداخلية السابق، وصولاً إلى محاولة اغتيال وزيرى الدفاع صدقى صبحى والداخلية مجدى عبد الغفار، فى العريش قبل شهرين» مع محاولة ضرب السياحة بضربة قاضية «كما فى تفجير طائرة الركاب الروسية»، واستهداف المسيحيين لتفتيت النسيج الوطنى «كما فى تفجير الكنيسة البطرسية وتفجير كنيستى الإسكندرية وطنطا» واستهداف أهالى سيناء، كما حدث فى مسجد الروضة، ومن ثم فإن الإرهابيين قد حاولوا باستمرار تشتيت الجهود الأمنية عبر توجيه ضرباتهم لأهداف محددة ومتناثرة لتحقيق أكبر أثر ممكن، مع استمرار الترويج لخطاب المظلومية، ووقوع الأضرار على أهالى سيناء وغيرهم.
ولكن يمكننا أن نقول إن أهداف الإرهابيين فشلت بسبب اتباع سياسة «الخطوة خطوة» فى مواجهاتهم، ففى البداية كان الهدف الرئيسى للدولة هو عزل الإرهاب الموجود فى سيناء بأكبر قدر ممكن عن الوصول لبقية أنحاء مصر، وبالتالى فإنه لم يكن من الممكن أن تشهد غالبية المدن المصرية هذه الحالة الجيدة نسبيًّا من الاستقرار الأمنى فى السنوات الأربع الماضية لولا ضخامة التضحيات التى بذلها أفراد القوات المسلحة والشرطة على أراضى سيناء فى الأساس، ولاحقًا تحوَّل هدف الإرهابيين فى سيناء، فى عام 2015، إلى السيطرة على أى رقعة جغرافية لإثبات أن الدولة المصرية دولة فاشلة ولا تسيطر على كامل أراضيها، وهو ما ظهر بوضوح فى الهجمات التى حاولوا بها السيطرة على الشيخ زويد، فى يوليو 2015، ولكنهم مرة أخرى فشلوا، إذ نجحت قوات إنفاذ القانون فى إفشال أى محاولة من الإرهابيين للسيطرة على أى منطقة من مناطق سيناء، ثم أصبحت القوات أكثر قدرة على منع سيطرة الإرهابيين لمدة معقولة على أى نقطة تمركز، حتى لو باغتوها بالهجوم، فمعظم أماكن تمركز القوات المسلحة والشرطة، حتى التى شهدت هجمات، لم يتمكن الإرهابيون من البقاء فيها إلا لبضع دقائق على الأكثر، لحين وصول قوات الدعم أو المساندة.
ونتيجة نجاح القوات المسلحة فى ذلك فإن الجماعات الإرهابية اتجهت إلى محاولة ممارسة الضغط الداخلى عبر تهديد الأقباط واستهدافهم ما لم يخرجوا من شمال سيناء لإحراج الدولة. وفى الواقع فإن الدولة بالفعل، ولإدراكها مدى خطورة الموقف، اضطرت إلى قبول انتقال الأسر المسيحية من شمال سيناء بشكل مؤقت، بغرض تفويت الفرصة على الإرهابيين، رغم أن المشهد كان مزعجًا بالفعل من حيث تشكيكه فى قدرة الدولة على حماية أمن وسلامة مواطنيها. ثم قرروا إرسال رسالة إرهاب لأهالى سيناء المتعاونين مع القوات المسلحة باستهداف مسجد الروضة قبل ثلاثة أشهر.
وفى هذا الإطار فإن الرئيس السيسى كان قد كلف بشكل علنى، فى 29 نوفمبر الماضى، رئيس الأركان -المُعيَّن قبل أقل من شهر آنذاك- بضرورة القضاء على الإرهاب واستعادة الأمن فى سيناء خلال ثلاثة أشهر، وهو ما يعنى أنه كان من المتوقع فعلاً أن تبدأ هذه العملية الشاملة فى الفترة الحالية أو قبلها ببضعة أسابيع على الأكثر، ومن الملاحظ أن الرئيس آنذاك استخدم تعبيرًا غير موفق، وهو «استخدام القوة الغاشمة»، الذى بالضرورة يستدعى معنى استخدام القوة فى غير موضعها وإمكانية الإضرار بالأبرياء، وهو ما أضاف مسؤولية توضيح أن التعبير ليس مقصودًا بهذا المعنى عندما يأتى أوان المواجهة الشاملة.
ومن ثم فإن المشهد قبل عملية سيناء 2018 يمكن تلخيصه فى أن القوات المسلحة أصبحت قادرة على تمييز النطاقات التى يوجد وينشط بها الإرهابيون كنطاقات جغرافية محددة ومتسعة جغرافيًّا، وإن كانت لم تحدد كل الأماكن بشكل تفصيلى دقيق؛ ولهذا فإنها ركزت على الجانب الأمنى والاستخباراتى للحصول على أكبر قدر ممكن من المعلومات، تجهيزًا للعملية.
والملاحظ فى العملية منذ بدأت أنها تميزت بأمور كثيرة؛ فمثلاً كثفت إدارة الشؤون المعنوية من بياناتها بحيث أصبح هناك بيان بصورة شبه يومية عن سير العمليات لوضع المواطنين فى صورة ما يجرى بشكل كامل، كما أن هذه البيانات يلاحَظ فيها استخدام لغة أكثر احترافية من البيانات السابقة؛ فعلى سبيل المثال، لم يتم استخدام تعبير «الإرهابيين» لتوصيف المقبوض عليهم والموقوفين خارج دائرة الاشتباك المباشر، بل تم استخدام تعابير منضبطة قانونيًّا؛ مثل «المطلوبين جنائيًّا والمشتبه بهم» بشكل متكرر، كما أن إدارة العملية رغم أنها تطلبت قطعًا لبعض الاتصالات وطرق المواصلات، وإغلاقًا للمدارس لأجل غير مُسمى، فإن هذا تم بقدر كبير من التفهم لظروف ومعاناة السكان، ما فوَّت الفرصة على الإرهابيين وداعميهم، ومن المؤكد أن هذا كله جاء لتصحيح المعنى، الذى قد يتبادر إلى الأذهان أو قد يتم استغلاله فى الخارج، فى تعبير «القوة الغاشمة»، ومن الملاحظ أيضًا اشتراك بعض المعدات العسكرية التى اشترتها مصر فى الفترة الأخيرة؛ مثل الميسترال فى العمليات للسيطرة على الساحل وإحكام المراقبة من جهة البحر، ومن الملاحظ أن العملية تزامنت مع تشديد كبير للاستعدادات الأمنية على الحدود الغربية والجنوبية، لتفادى أى محاولات للَفت أو تشتيت الانتباه قد يقوم بها الإرهابيون فى مناطق صحراوية أخرى، كما استمرت بيانات القوات المسلحة كعادتها فى هذا الصدد فى تفصيل نتائج العمليات بدقة.
بشكل عام فإنه من الواضح من سير العملية والإعداد لها أنه تم التجهيز لها بشكل جيد من النواحى العسكرية والمعلوماتية والإعلامية، وأن هدف العملية المرسوم فى القضاء على الإرهاب الموجود بالفعل سيتحقق بنسبة نجاح كبيرة، ومع ذلك فإنه لابد أن نجدد التأكيد أن الإرهاب المسلح هو فى النهاية إحدى المراحل الأخيرة لتطور الإرهاب الفكرى، وأنه من غير المتوقع أن يتم القضاء على الإرهاب بشكل جذرى ونهائى ما دام المناخ والتربة اللذان يغذيانه ويصنعانه قائمَين دون المساس بهما، وهو ما يتطلب من الدولة أن لا تجعل تضحيات أفراد القوات المسلحة والشرطة تستمر فى دائرة مغلقة غير محدودة بإطار زمنى، فمن المهم، وبشدة، أن تبدأ الدولة فى تطبيق خطة جادة لمكافحة الأفكار الإرهابية المنتشرة فى المجتمع، وهو ما سبق وأعلنت عنه من خلال تأسيس المجلس الأعلى لمكافحة الإرهاب والتطرف، الذى لم نرَ له حتى الآن دورًا يُذكر فى ما هو موكول إليه من مهام خطيرة تشكل الأساس الصلب للقضاء على الإرهاب واستئصاله من المجتمع مرة واحدة وإلى الأبد. وإذا كان الرئيس ظل يتحرك فى المنطقة الرمادية فى الفترة الماضية فى ما يتعلق بالخطابَين الدينى والإعلامى بشكل عام، فإنه أصبح من الضرورى الآن أن يخرج من دائرة التردد ويتحرك لاتخاذ خطوات جادة فى هذه الملفات القابلة للانفجار، خصوصًا أن الحملات الدعائية المضادة للإخوان وبقية التنظيمات الإرهابية تستهدف بالفعل تحويل المزيد من الشباب نحو الانغماس أكثر فأكثر فى الفكر المتطرف، ومن ثم ممارسة الإرهاب الفعلى، وهو ما يظهر بشكل شديد الوضوح فى إصدار داعش الأخير «حماة الشريعة» الذى استهدف -بوضوح- استقطاب المزيد من الشباب لممارسة الإرهاب، من ضمن أولئك الذين تمت تهيئتهم فكريًّا بالتطرف من تنظيمات إسلامية أخرى.
إننا ننتظر من القوات المسلحة فى عمليتها الحالية ما نتوقعه منها دائمًا من نجاح باهر فى تأدية المهام الموكولة إليها، ولكننا لا نريد أن نتوهم أنه يمكننا بالفعل أن نقضى على الإرهاب تمامًا دون إغلاق خط الإنتاج الذى يصنعه.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات