.

زميلى العزيز.. هل فكرتَ يومًا فى أن تكون مكان الخاشقجى؟

Foto

استمروا فى قول الحق.. ربما لا أحد يستطيع إجباركم على ذلك، لكن الأمل عظيم فى ضمائركم الحية، وهو أكبر بكثير مما يظن البعض


مما لا شك فيه أن ما حصل للصحفى السعودى جمال خاشقجى هو أبشع جريمة اغتيال فى العصر الحديث وأغباها تخطيطًا وتنفيذًا. لكنّ الأمر لا يخلو من بعض العبارات التى علينا استخلاصها من رحلة البحث عن الحقيقة فى هذه الجريمة.

 

اغتيال جمال خاشقجى كان أكبر مثال حى على حجم استبداد النظام السعودى، هذا النظام الذى أنكر فى البداية، أى فى تاريخ الثانى من أكتوبر الماضى، اليوم الذى استيقظ فيه العالم أجمع على خبر اختفاء خاشقجى، أية علاقةٍ له بما يمكن أن يحصل للرجل.

 

ناهيك بنُكرانه السابق لكل التهم المنسوبة إليه، من خطفٍ وسجنٍ وقتل لبعض المعارضين للعائلة الحاكمة، أو بالأحرى للأمير الذى عاثَ فى الأرض المقدسة فسادًا منذُ أول يوم اعتلى فيه السلطة.

 

أنت صحفى إذن أنت مهدد
نحن الصحفيين المعرضين لشتى أنواع التهديد والضغوطات والمضايقات وحتى التصفية، بسبب هويتنا الصحفية، من قِبَل أطرافٍ بعينها ذات مال ونفوذ، أو حكومات تدَّعى دعم الديمقراطية، وهى أبعد ما يكون عن ذلك أو أنظمة قمعية وربما فاشية، وحتى تنظيمات راديكالية مصنفة إرهابية، يُزعجها الصوت الحر ولا تستطيعُ تحملّ صدى النقد أو أى مظهرٍ من مظاهر الرأى المخالف لما هو سائد.

 

نعم عزيزى القارئ، نحن مهددون ونستنجد بك حتى تكون الشاهد الرئيسى على ما يحدث وما سيحدث.. ربما أنت تكون عنصرًا نيّرًا مخالفًا للجمهور الذى سنحدثك عنه فى ما يلى..

 

إن للصحافة دورًا محددًا وجليًّا، هو إيصال المعلومة الدقيقة وكشف المستور وإنارة البقع السوداء أمام الجمهور، لذا فهذا الأخير هو صاحب القرار فى إما أن يكون مجرد مُشاهدٍ مكتوفِ الأيدى أو مواطنٍ يستخدم كل ما تمنحه إياه مواطنته من حقوق، حتى يكمل ما بدأته الصحافة الحرة، ويصلح بيده المعطوب ويرتقى ببلاده من قاع الديكتاتورية والفساد.

 

فإذا كان الجمهور باختلاف جنسياته ووجوده الجغرافى، لا يأبهُ بما يقوله خاشقجى الذى دفع حياته ثمنًا بسبب حديثه المتواصل عن الوضع المتردى للحقوق والحريات فى بلاده، أو لا يهتز بنتائج تحقيق كشفته تلك الصحفية البلغارية فيكتوريا مارينوفا، بينت حجم الفساد فى بعض الصفقات المالية فى بلادها، رغم اعتراف قاتلها بأن الجربمة ليست لها علاقة بهويتها الصحفية.

 

هذا الجمهور نفسه أيضًا الذى لم يُحرّك ساكنًا تجاه اغتيال الصحفية المالطية دافنى كاروانا غاليزيا، بانفجار سيارة فى العاصمة فاليتا.. هذه الأخيرة التى قادت تحقيق الفساد فى فضيحة «وثائق بنما».

 

كيف ننسى أيضًا صمت الجمهور رغم تحرك الفاعلين تجاه قضية الصحفيين التونسيين سفيان الشورابى ونذير القطارى، المختفيين قسريًّا فى ليبيا منذ سبتمبر 2014، ومن حين لآخر تخرج علينا وسائل إعلام ليبية بخبر وفاتهما، أو تحديدًا (قتلهما من قبل تنظيم الدولة الإسلامية)..

والخلاصة إذن أن الصحفيين فى كل العالم مهددون..

 

زميلى العزيز هل فكرتَ يومًا فى أن تكون مكان الخاشقجى؟
ربما سؤال صادم لكنه واقعى.. نعم أنا فكرت وربما غيرى كثيرون من أبناء مهنتى، لا سيما بعد مشاهدة الفيلم المرعب لتقطيع جثته، وأنت تكتب تحقيقًا عن مدرسة أطفال آيلة للسقوط، فى أحد أرياف وطنك المنسى، بناها فاسدون بمواد مغشوشة، تذكر الخاشفجى.. وأنت تصور عمليات تهريب للبشر وأعضائهم، متورطة فيها شخصيات سياسية ورجال أعمال.. تذكر الخاشقجى.. وأنتِ عزيزتى عندما تكتبين عن معاناة المرأة فى المجتمع والمتاجرة بها جسدًا وروحًا.. تذكرى الخاشقجى.. وأنتَ يا مَن تزال لحد اللّحظة تكتب فى مدونة خفية الاسم والهوية، عن الحقوق والحريات المسلوبة فى البحرين، تذكر الخاشقجى.. فلست ببعيد جغرافيًّا عن ينبوع الإجرام والبشاعة.

 

وأنتَ يا مَن يدون من قلب إسطنبول أو القاهرة، عن ضرورة إطلاق سراح الصحفيين الأتراك والمصريين وغيرهم.. تذكر الخاشقجى..
 

تذكروا جميعًا ما حصل له.. احفروه فى ذاكرتكم.. انقشوه بماء من النار.. رددوه كلما سنحت الفرصة بذلك.. اجعلوه تراتيل يومكم.. حتى لا ننسى جميعنا أن الصحفى يموت.. نعم يموت.

يفارقُ الحياة غصبًا، وبمنتهى الألم، لأنه قال كلمة لم تعجب أحدهم.

 

استمروا فى قول الحق.. ربما لا أحد يستطيع إجباركم على ذلك، لكن الأمل عظيم فى ضمائركم الحية، وهو أكبر بكثير مما يظن البعض وإن توقفتم أنتم عن ذلك، فسيحل بالعالم الخراب أكثر مما هو عليه.. فأصواتكم الحرة على الأقل هى القادرة فى كل مرة على فضح المجرمين، على إفساد مخططات الفاسدين، على تغيير دفة المتورطين فى اغتيال الحلم وتسميم رغيف البسطاء.

 

خولة بوكريم

صحفية تونسية وباحثة فى الشؤون الإفريقية

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات