.

حروب الرسول وغزوات الخلفاء وسيوفهم

Foto


لا نعلم مَن هو أول مؤرخ مسلم أطلق على حروب الرسول، صلى الله عليه وسلم، مصطلح غزوات، الذى شاع عند الكتّاب والمؤرخين والخطباء والفقهاء والعوام، وهو مصطلح خاطئ مشهور فى مقابل صواب مغمور.. إن كل حروب النبى كانت دفاعية، ولم تكون حروبه من أجل احتلال أى أرض، أو فرض حكم دنيوى قهرى، ولكنه صاحب رسالة سماوية تنشد العدل، وتنهى عن العدوان، وحروب الرسول لحماية الدعوة ورد العدوان، والقرآن يمنع العدوان، فى سورة «البقرة 190»: «وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين»، وهو أمر واضح، تخطاه المسلمون واعتدى بعضهم على بعض، واعتدوا على غيرهم أيضًا.

نقرأ فى سيرة النبى الكريم، لنعلم أنه حارب سبعة أعوام فقط، من عام 2هـ إلى عام9هـ، وجميعها كانت حروبًا مفروضة عليه، النبى كان يصبر على المشركين، لم يبدأ حربًا، وهو الذى ظل 13 سنة كاملة فى مكة يُؤذى فى سبيل الله، وهاجر بعض إخوانه إلى الحبشة، وتحمل حصارًا اقتصاديًّا دام 3 سنوات، وهو صابر، وعندما فُرضت الحروب على النبى، نلاحظ أن عدد مَن قُتل من المشركين، وكذلك عدد مَن استشهد من المسلمين قليل، إذا قورن بعدد المقاتلين، وإذا علمنا أن الحروب لم تكن من أجل احتلال أرض، وقريش نفسها لم تكن تريد احتلال يثرب، ولكنها كانت تريد قتل النبى وكبار صحابته، والقضاء على الدعوة كلها، فهى حرب عقيدة، وحروب العقائد أشرس الحروب عبر التاريخ، خصوصًا عندما يقودها رجال دين ليسوا أنبياء، ومن هنا تأتى شراسة الحرب من جهة الكفّار، وصبر المسلمين بقيادة الرسول.

وحاولنا إحصاء عدد مَن قُتل أو استشهد فى الحروب النبوية الدفاعية، فرصدنا فى معركة بدر أن عدد المسلمين كان نحو 300، وعدد الشهداء 14، فى حين أن عدد المشركين 1000 وعدد القتلى 70، وفى معركة أُحد كان عدد المسلمين 1000، انسحب منهم 300 بقيادة المنافق عبد الله بن سلول، يتبقى عدد 700، وعدد الشهداء 70 صحابيًّا، وعدد المشركين 3000 وعدد القتلى منهم 22، أما فى حصار الأحزاب للمدينة المنورة فى موقعة الخندق لمدة ثلاثة أسابيع كاملة، كان عدد المشركين عشرة آلاف، وعدد المسلمين 3000، ورغم هذا العدد الهائل، لم يُقتل من الكفّار سوى أربعة، واُستشهد من المسلمين ثمانية فقط لا غير، وهنأهم الله فى القرآن الكريم، فى سورة «الأحزاب 25»: «وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللهُ المُؤْمِنِينَ القِتَالَ وَكَانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا».

وبعد انسحاب الأحزاب لم يتبعهم النبى ليقتلهم وليستأصلهم، بل تركهم وشأنهم، وعند فتح  مكة المكرمة، كان جيش المسلمين عشرة آلاف، ولم يدافع أحد من أهل قريش إلا القليل، استشهد ثلاثة أو أربعة مسلمين فقط، وقُتل خمسة عشر مشركًا، وعفا الرسول عن أعدائه القدامى من الطلقاء، وفى موقعة حنين استشهد أربعة من المسلمين، وقُتل خمسون مشركًا، وفى غزوة تبوك لم يُقتل أو يستشهد أحد، وقتل القليل فى باقى الغزوات والسرايا، وعددها 27 غزوة،  و38 سرية، ويكون مجموعها 65 معركة، كما جاء فى سيرة ابن هشام وفى تاريخ الطبرى وتاريخ ابن كثير وغيرهم، ويكون عدد الشهداء من المسلمين 262 فى كل الحروب، مقابل 400 قتيل من المشركين، وتكون نسبة القتلى من غير المسلمين من عدد جيوشهم 2%، ونسبة شهداء المسلمين من العدد الكلى للجيش الإسلامى بقيادة النبى نحو 1٪، وهى نسبة قليلة، ولم نضيف عدد قتلى يهود بنى قريظة، لأن ما قيل عن قتل النبى لكل الرجال منهم، وعددهم كما قالت كتب التاريخ بين 600 و700 رجل ذُبحوا بناء على تحكيم الصحابى سعد بن معاذ، ولكن الواقع ورواية فى صحيح البخارى تقول إن سعدًا طلب أن تُقتل مقاتلتهم، وليس كل رجالهم.

والمقاتلون هم الذين نقضوا العهد في أثناء الحصار العربى القديم لدولة الرسول فى معركة الخندق، وعدد المقاتلين من بنى قريظة وهم قادتهم، لا يصل إلى عشرة مقاتلين أو أكثر قليلًا، أما سبى النساء والأطفال، فتلك قضية أخرى لا نكتب عنها الآن، وفى كل الأحوال فإن عدد الشهداء والقتلى عدد قليل، يؤكد أن الإسلام ضد العدوان، وضد الغزو وضد قهر الناس على الإيمان أو الكفر، والقرآن مملوء بكل آيات التسامح والمساواة.

أما الآيات التى يراها البعض تحرض على العدوان مثل «اقتلوهم حيث ثقفتموهم»، فلا تؤخذ عن معناها المباشر، فهو أيضًا رد على العدوان مع الصبر واليقظة من الفتنة، فالأصل الدعوة إلى الله مع الصبر، ولا يترادف الصبر مع القتل.

ولنا أن نقارن بين العدد القليل من الشهداء والقتلى فى عهد النبى عليه السلام، وما حدث بعده، ففى حروب الردة قُتل ما يقرب من عشرين ألف ممن قيل عنهم مرتدين، واستشهد أكثر من ثلاثة آلاف مسلم، أما فى أول حربين أهليتين فى الإسلام، قتل ثمانون ألف مسلم، وفى معركة الجمل قُتل عشرة آلاف كلهم مسلمون، وفى معركة صفين قُتل نحو سبعون ألف مسلم، فضلًا عن قتلى معركة النهروان، كانت حروب إبادة، ليست مثل حروب الرسول، وهى أيضًا كانت حروبًا سياسية من أجل الحكم، وجعلوا الدين وسيلة للسلطة.

كما أن المقارنة هنا تؤكد أن واضع مصطلح غزوات الرسول، كان يعيش فى العصر الأموى، وما حدث فيه من قتلى بعشرات الألوف من مسلمين وغير مسلمين، وما حدث فيه من غزوات، تم تسميتها فتوحًا إسلامية، ويراوغ المؤرخون، فيشهدون للأمويين بأن لهم فضل فى نشر الإسلام، والحقيقة أن الدولة الأموية لم تنشر الإسلام فى الدول التى فتحوها، فقط طلبوا الجزية والخراج وضرائب الرؤوس، وككل القوى الفتية الناشئة يظلون يغزون حتى توقفهم عوائق الجغرافيا، وقف المسلمون عند المحيط الأطلسى فى الغرب وجبال الهيميلايا فى الشرق، وظل الناس فى البلاد التى فتحها قادة الأمويين على أديانهم، كما اندلعت ثورات هنا وهناك مثل ثورة البشموريين فى مصر، وثورة الكاهنة فى تونس وباقى إفريقيا، ولكن وخلال قرن واحد فقط، تحولت الشعوب للإسلام طواعية وبالتدريج، ويمكن القول إن نحو 70% من المسلمين اليوم، اعتنق أسلافهم الإسلام من خلال رحلات التجار المسلمين ومن أهل الطرق الصوفية.

نجد على سبيل المثال أن أكبر دول إسلامية، مثل إندونيسيا وبنجلاديش وباكستان ونيجيريا وماليزيا ودول الساحل الغربى الإفريقى وجنوب الصحراء الكبرى، وكل الأقليات الإسلامية المنتشرة فى بقاع العالم، والذين يمثلون السبعين في المئة التى ذكرناها، لم يدخلوا الإسلام بسبب فتوحات الدولة الأموية أو العباسية، أما الـ30% وهم مسلمو شمال إفريقيا وإيران ودول المشرق العربى وتركيا، فقد تحولوا للإسلام بالتدريج عبر قرن بعد الدولة الأموية، ولنا أن نقول إن المسلمين أعداء أنفسهم، فهم من ادّعوا أن حروب النبى غزوات، وغزوات الخلفاء فتوحات، وأن الإسلام انتشر بالسيف، فماذا تركوا للمستشرقين غير المنصفين؟! عجيب فعلًا أمرنا.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات