.

العالم يتجاوز «ترامب».. وآخرون يخطون إلى الأمام

Foto

«بوتين» ربما يكون ولدًا متنمرًا إلا أنه يلعب دور الدبلوماسى برعايته لمفاوضات حول سوريا وأفغانستان وغيرها من القضايا...


 

ترجمة: أميرة جبر عن «واشنطن بوست»

 

إن واحدًا من الافتراضات التى يستخدمها الاقتصاديون أحيانًا لصياغة المعادلات هو تحديد أن بعض العوامل ستظل ثابتة الأمر الذى تعبر عنه العبارة اللاتينية «ceteris paribus».

 

وكثيرًا ما نرتكب نفس الخطأ فى السياسة والخارجية. فنحن نركز على قضايانا المحلية ونفترض أن باقى العالم سيظل ثابتًا بينما نرتب أمورنا. سنعود إليكم فى ما بعد – ولنقل فى عام ٢٠٢١.

 

غير أن العالم يمضى قدمًا. إنه فى حالة حركة، وليس فى حالة جمود، فالتغيرات العشوائية فى بلد تنتج ردود أفعال فى بلاد أخرى. وتصبح التحالفات التى بدت ذات مرة صلبة أضعف وتعاد صياغتها، وتستغل القوى الطموحة الفرص الجديدة التى خلقت نتيجة الديناميات المتغيرة، وتصعد بعض الدول وتسقط أخرى.

 

وقدمت أحداث عطلة نهاية الأسبوع الماضى فى باريس عرضًا دراميًّا لكيف أن افتراض «بقاء العوامل الأخرى على حالها» ليس مأمونًا. يتحرك العالم نحو التكيف مع حقيقة أن «دونالد ترامب» هو رئيس الولايات المتحدة. ربما يأمل أصدقاؤنا وحلفاؤنا ألا يعاد انتخابه، وربما يعتقدون أن الولايات المتحدة قد تجاوزت منعطفًا فى الانتخابات النصفية لعام ٢٠١٨. لكن لا يمكنهم الاعتماد على ذلك، وبالتالى يجب على تلك الدول النظر فى أن الولايات المتحدة ربما دولة غير تلك التى كانوا يعتقدونها.

 

وقد عبر الرئيس الفرنسى «إيمانويل ماكرون» عن هذه الحقيقة الأسبوع الماضى. ففى إحدى تعليقاته إحياءً لذكرى الحرب العالمية الأولى، قال لقناة راديو فرنسية إن أوروبا بحاجة إلى «جيش أوروبى حقيقى» فى الوقت الذى تبدو فيه الولايات المتحدة حليفًا أقل موثوقية. وقال «ماكرون»: «يجب أن نحمى أنفسنا فى ما يتعلق بالصين وبروسيا وحتى بالولايات المتحدة الأمريكية».

 

وانتقد «ترامب» تعليقات «ماكرون» باعتبارها «مهينة جدًّا»، واستمر فى التذمر عبر تغريدات يوم الثلاثاء عن الجحود الفرنسى، وادعى أن «ماكرون» يحاول صرف الانتباه عن نسب تأييده «المنخفضة جدًّا». غير أن المستشارة الألمانية «أنجلا ميركل» انضمت إلى «ماكرون» يوم الثلاثاء، إذ قالت للبرلمان الأوروبى إنها تشارك رأى الآخرين بأن «جيشًا أوروبيًّا مشتركًا سيظهر للعالم أن أوروبا لن تشهد حربًا مرة أخرى أبدًا».

 

وقد ذبذب «ترامب» تحالف «الناتو» منذ أول يوم تولى فيه المنصب، وأثار الشكوك حول استمرار استعداد الولايات المتحدة للدفع من أجل دفاع بلاد أخرى. وقد قضى الأوروبيون عامًا يحاولون التصرف بلطف، لكن يبدو أن الرسالة قد وصلتهم. لم تعد الولايات المتحدة حاميًا موثوقًا فيه. والأوروبيون فعلًا بحاجة إلى تحمل مسؤولية أكبر فى دفاعهم – والاعتماد أقل على «الناتو» الذى تقوده الولايات المتحدة. ما فعله «ترامب» فى رأيى حماقة، لكنه ما أراده بالضبط.

 

فبشكل آخر، يتجاوز العالم فكرة «ترامب» عن القوة الأمريكية «أمريكًا أولًا». لقد أعلن «ماكرون» يوم الاثنين عن «نداء باريس من أجل الثقة والأمن فى الفضاء الإلكترونى». واقترحت الوثيقة قواعد سلوك أساسية لمنع التدخل فى الانتخابات والاختراقات الخبيثة. وقد دعمتها أكثر من ٥٠ دولة و٩٠ منظمة غير ربحية و١٣٠ شركة خاصة من بينها «مايكروسوفت» و«جوجل» و«فيسبوك» و«آى. بى. إم».

 

وقد غابت الولايات المتحدة عن القائمة – إلى جانب روسيا والصين وإيران وإسرائيل. عظيم؛ فهؤلاء هم الـ٥ الكبار فى الحرب السيبرانية.

 

غير أن تحالف الدول والشركات والمؤسسات غير الحكومية فى «نداء باريس» على الأرجح سيمضى قدمًا فى شأن الفضاء الإلكترونى – مثله مثل تحالف دولى مشابه ظل على حاله ليقاتل تغير المناخ على الرغم من رفض إدارة «ترامب» المشاركة.

 

وفى الوقت الذى تتراجع فيه ولايات «ترامب» المتحدة عن التعاملات الدبلوماسية الدولية تخطو دول انتهازية أخرى للأمام. والمثال الأوضح هو روسيا. ربما يمسك الرئيس «فلاديمير بوتين» بأوراق ضعيفة، لكنه مشارك فى اللعبة. فروسيا تتحدث مع الجميع: إسرائيل وإيران، السعودية وتركيا، «طالبان» والحكومة الأفغانية.

 

و«بوتين» ربما يكون ولدًا متنمرًا إلا أنه يلعب دور الدبلوماسى برعايته لمفاوضات حول سوريا وأفغانستان وغيرها من القضايا. ذات مرة، كانت أمريكا تملك دور الوسيط العالمى، لكن ليس بعد.

إن المستفيد الأكبر من تراجع «ترامب» هو الصين، التى تصرح علنًا برغبتها فى تحدى سيادة الولايات المتحدة للعالم.

قال لى مسؤول أسترالى كبير هذا الأسبوع أن أينما نظرت أستراليا فى آسيا تحد الصين تحاول البحث عن قواعد محتملة لجيشها متزايد القوة. وأستراليا واحدة من الدول التى تعتمد على القوة الأمريكية، ولا يزال المسؤولون يأملون أنه رهان جيد. ولكن، بالنظر إلى «ترامب»، لا بد أن يتساءلون.

لقد أشار المعلقون إلى أن عام ١٩١٨ كان نقطة انحراف عالمية. فبعد بشعات الحرب العالمية الأولى، انهارت إمبراطوريات وتلاشت الأرستقراطيات وتحدى المواطنون المهضومة حقوقهم النظام القديم وأطاحوا به فى النهاية. وكان عام ١٩٤٥ عامًا انتقاليًّا آخرًا حين بدأ نصف قرن من الهيمنة الأمريكية الساحقة على العالم.

لقد تعرضت الولايات المتحدة لتعثر سياسى عام ٢٠١٦ عندما انتخبت رجلًا كان من الواضح أنه ليس مستعدًا ليكون رئيسًا. ويأمل أغلب العالم أن نستعيد توازننا مجددًا، ولكن إلى حينه، يجب أن ينظروا فى صياغة ترتيبات أخرى.

 

 

...

 

ديفيد إجناشيوس
كاتب صحفى وروائى أمريكى، محرر مشارك وكاتب عمود فى جريدة «واشنطن بوست» الأمريكية، يستضيف بالمشاركة مع الصحفى والمذيع فريد زكريا حوارًا على الإنترنت عن القضايا الدولية، كتب عددًا من روايات الجاسوسية من بينها «جسد من الأكاذيب» (Body of Lies)، والتى حولها المخرج ريدلى سكوت إلى فيلم سينمائى.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات