.

ما تأثير سيرك ترامب على العالم؟

Foto


ترجمة: أميرة جبر عن «واشنطن بوست»


من السهل أن تشتت الأذهان من قِبَل سيرك رئاسة «ترامب»، ولكن، ما تأثيره الأكبر؟ للإجابة عن هذا السؤال، انظروا إلى ٣ تجمعات هذا الأسبوع على الجانب الآخر من الكوكب.


إن قمتَى رابطة دول جنوب شرق آسيا «آسيان» وشرق آسيا فى سنغافورة ومنتدى التعاون الاقتصادى لدول آسيا والمحيط الهادى «إبيك» فى بابوا غينيا الجديدة، بحضور كل الدول الآسيوية الكبرى، لهما أهمية خاصة، لأن دول المنطقة تحاول اجتياز انتقال القوة الذى يأتى مرة واحدة فى العمر ويحدث حاليًّا، وهو صعود الصين. ولذلك، من الضرورى بالنسبة إليهم فهم دور القوة العالمية العظمى الحالية ألا وهى والولايات المتحدة.

 

إلا أن رئيس الولايات المتحدة فى تعداد المفقودين. لقد اختار دونالد ترامب التغيب عن القمم وأرسل نائب الرئيس مايك بنس، بديلًا له. بينما يزور الصينى شى جين بينج، والروسى فلاديمير بوتين، والهندى ناريندا مودي، إما سنغافورة أو بابوا غينيا الجديدة، فى حين يسافر اليابانى شينزو آبى، والكورى الجنوبى مون جاى إن، إلى كل منهما. فى الواقع، الجميع ذاهبون باستثناء الرئيس ترامب.

 

ومن الشكاوى المتكررة للدول الآسيوية أنه فى الوقت الذى تقلق فيه الولايات المتحدة من صعود الصين -كما عبر بنس فى خطابة بقمة «آسيان»– تترك الساحة لصالح بكين. فلا تستغرق وقتًا لحضور الاجتماعات أو صياغة الأجندة أو تدعيم تحالفاتها أو تعميق روابطها فى المنطقة. وعدم اهتمام ترامب المستمر سيغذى هذا الخوف.

 

ونرى تأثير ترامب فى تراجع التجارة فى آسيا. فقد كانت الشراكة العابرة للمحيط الهادئ «TPP» والشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة «RCEP» آليتين لازدهار وتعاون أكبر تتحركان نحو التكامل فى المنطقة. وقد انسحب ترامب من الشراكة العابرة للمحيط الهادى، مقوضًا بذلك هدف الاتفاق بإعطاء الدول الآسيوية بديلًا لنظام تسيطر عليه الصين. والقصد أيضًا من الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة، والتى تشمل الصين، هو فتح الاقتصادات الآسيوية وزيادة التجارة والتواصل فى المنطقة. ولكن بعد ٢٤ جولة من المفاوضات، يبدو أن الزخم قد تباطأ أو ربما حتى تعطل.

 

وتحاول الهند حماية سوقها من الواردات الصينية، وتحاول الدول الأخرى إبعاد قطاعات الهند الخدمية، ويستطيع الجميع أن يجد سلواه فى أن كل هذا ما هو إلى تكرار لما تفعله القوة العالمية العظمى، الولايات المتحدة، فى مفاوضاتها التجارية.
ولقد كتبت فى ما سبق، ولا زلت أعتقد أن إدارة ترامب لها وجهة نظر سديدة فى شأن استغلال الصين للنظام التجارى وأنها محقة تعاملها بقوة مع بكين. لكنها مخطئة تمامًا فى معارضتها الغريزية للتجارة، كما عبر عنها الرئيس مرارًا وتكرارًا. قال ترامب فى خطاب فى يوليو: «لو لم نتاجر، لوفرنا الكثير من المال بحق الجحيم»، وتصريح خاطئ تمامًا. فوفقًا لـ«جارى هوفبير» و«لوسى لو» فى معهد بيترسون للاقتصاد الدولى، لقد زاد التوسع التجارى منذ ١٩٥٠ من الناتج المحلى الإجمالى فى الولايات المتحدة حتى وصل إلى ٢،١ تريليون دولار فى عام ٢٠١٦. وهذا يعادل مكسب ٧،٠١٤ دولار للفرد أو ١٨،١٣١ دولار للأسرة.

 

وأن نشاهد حكومة الهند الآن تحاول حماية أسواقها ورفع جماركها فتلك حالة حزينة لبلد يبدو أنه قد نسى تاريخه. فللهند تجربة دامت لعقود مع الجمارك المرتفعة التى صممت لإعطاء دفعة لصناعاتها المحلية. وكانت النتيجة شركات غير تنافسية ومنتجات رديئة وفساد واسع الانتشار وركود اقتصادى. ثم، فى مطلع التسعينيات، خفضت الجمارك والبيروقراطية المعطلة الأمر الذى جعل منها ثانى أسرع اقتصادات العالم نموًّا لمدة ٣ عقود وانتشل ١٥٠ مليون فرد من الفقر المدقع. فهل حقًّا تريد أن تجعل الاشتراكية الهندية عظيمة مرة أخرى؟

 

هناك القليل من الأفكار عبر التاريخ اختبرت بعناية كما اختبرت فكرة أن التجارة تزيد من الدخول وترفع مستوى المعيشة فى البلاد. كما تستطيع كذلك خلق أنماط من التعاون، بل والسلام، كما فعلت فى أوروبا وربما تفعل فى آسيا. وقد أدرك القادة الأمريكيون ذلك لعقود، حتى الآن. فى عام ١٩٨٨، حذر الرئيس رونالد ريجان: «ينبغى أن نحترس من الديماجوجيين المستعدين لإعلان حرب تجارية ضد أصدقائنا -الأمر الذى يضعف اقتصادنا وأمننا القومى والعالم الحر بأكمله- بينما يلوحون بعلم أمريكية بسخرية. إن توسع الاقتصاد العالمى ليس غزوًا أجنبيًّا، بل انتصار أمريكى، عملنا بجدية لتحقيقه، وأمر مركزى فى رؤيتنا لعالم سالم ومزدهر من الحرية».

...

فريد زكريا

يكتب عمودًا متخصصًا فى الشؤون الخارجية بجريدة «واشنطن بوست»، كما يستضيف برنامج «جي. بي. إس.» على قناة «سي. إن. إن»، ويشارك فى تحرير مجلة «أتلانتيك». ومن مؤلفاته: «دفاعًا عن التعليم الليبرالى» و«العالم ما بعد الأمريكى» عام ٢٠٠٩ و«مستقبل الحرية» عام ٢٠٠٧.
 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات