.

هل تكون نتائج جولة التصعيد الأخيرة كما سابقاتها؟

Foto

تبقى مسيرة العودة ومصيرها تحديا مهمًا أمام القوى الفلسطينية بعد اتفاق التهدئة


انتظر أهالى غزة بعد كل جولة مواجهة بين غزة وإسرائيل، منذ عام 2009، بأن تتمخض هذه المواجهات عن فك الحصار الوحشي؛ كما توقع وتمنى جميع أبناء الشعب الفلسطيني، فى كل مكان، أن تتحول وحدة الميدان بين كل الفصائل إلى إنهاء كارثة الانقسام، واستعادة الوحدة الوطنية.


والمدهش، ومن الصعب هضمه، أنه وقبل أن تجف الدماء، ومعاينة الدمار الذى ألحقه نظام الاستعمار بالبنية التحتية، وفِى الوقت الذى كانت فصائل المقاومة تخوض المعركة، والكتاب والصحافيون يشيدون بأسطورة الصمود، وهى أسطورة بالفعل، تعود سلطة رام الله وأبواقها إلى استئناف حملات التشهير والاتهامات، وتحميل حركة حماس وحدها المسؤولية عن استمرار الانقسام. وقد كان محزناً أن تتبدد بهذه السرعة مشاعر الاعتزاز والفخار وتختفى من الصحف والمنابر الإعلامية، الكتابات التمجيدية والإشادة بصمود المقاومين وبصبر الشعب. فهل تكون هذه الجولة كما سابقاتها؟


وقد ينسى كثيرون أن العدوان الصهيونى عام 2014 (الذى جاء بعد عدوانين، نهاية عام 2008 وعام 2012)، تصدت له كافة القوى الوطنية الفاعلة فى غزة، بما فيها فتح، وعمل الجميع ضمن غرفة مشتركة، وهى تجربة امتدت حتى اليوم، وتجسدت أثناء العدوان الغادر الأخير، أوائل هذا الأسبوع، واعتبر هذا تقدم هام فى موقف حماس تجاه الفصائل الأخرى.


ويمكن فهم عظمة هذه الوقفة الميدانية الموحدة المتكررة واستثنائيتها، فى مواجهة محتل توسعى ومتوحش، خصوصًا إذا ما تذكرنا أن غالبية الأنظمة العربية، ومنها من لا تزال أرضها محتلة ومستعمرة، إما منشغلة فى ذبح شعبها وتدمير مدنه بحجة مواجهة مؤامرة كونية، ولا تجرى على الرد على مسلسل الاعتداءات على سيادتها، أو أنظمة تتحالف علنا مع هذا المحتل، متجاوزة التطبيع بشكله الدبلوماسى أو التجارى إلى الأمنى والعسكري. كل هذا الانهيار العربى والانحطاط الأخلاقى للنظام الدولى الراهن، لم يشكل مبررا لقوى المقاومة فى قطاع غزة، وهى المحاصرة فى شريطٍ جغرافى صغير، للتهرب من الدفاع عن النفس، ولا مبررا للاستسلام وتسليم قواعد المقاومة لسلطة التنسيق الأمنى فى رام الله، كما تريد إسرائيل.


هذه نقطة لا يجوز الاستهانة بها، فى ظل الهوان الطاغي، وهو ما يؤكد على استحالة إطفاء جذوة الرفض، والتنازل عن التحرر والحرية.


لم تكن فصائل المقاومة فى قطاع غزة، ولا الشعب الفلسطينى كله، معنياً بأى جولة قتالية، فى هذه الظروف الحالكة، وخصوصًا فى ظل تشديد الحصار الصهيوني، وتفاقم المعاناة إلى حد الخيال، وكذلك فى ظل انضمام أمير مقاطعة رام الله إلى الحصار، محمود عباس. كل ما أراده أهالى القطاع، هو تخفيف الحصار، نحو إزالته كاملا.


ومن المهم الإشارة إلى التحولات الجارية داخل كافة الفصائل، بما فيها حركتى حماس والجهاد الإسلامي، فى مفاهيم وتكتيكات المواجهة مع المستعمر، فى إطار العمل من أجل تحقيق حق تقرير المصير والعودة. والمقصود، تبلور القناعة بأهمية المقاومة الشعبية المدنية، التى يشترك فيها الشعب كله، وهى تُذكر بأسلوب الانتفاضة الأولى التى انطلقت عام 1987، واستمرت حوالى خمس سنوات.  كان من الممكن أن تؤدى هذه الانتفاضة إلى أهدافها، لولا التسرع فى استثمارها، من قبل القيادة المتنفذة فى منظمة التحرير الفلسطينية، والتوقيع على اتفاق أوسلو الكارثي.


لقد جاءت مسيرة العودة الكبرى فى قطاع غزة، التى انطلقت فى الثلاثين من آذار/ مارس هذا العام، ومستمرة حتى اليوم فى كل يوم جمعة، تتويجا لهذا النضوج والمتغيرات الفكرية المذكورة. وكان لافتا أن فصائل المقاومة ضبطت نفسها، ولم تلجأ إلى الرد العسكرى رغم مواصلة قناصة المستعمر إعدام المتظاهرين بوحشية بالغة. كان هناك توافق على أن المعركة، فى هذه المرحلة، هى على الوعي.


لقد انتظرت قوى المقاومة الفلسطينية التى توحدت فى هيئة شعبية عليا ضمت الشباب أيضاً، انتشار المسيرات فى عموم الصفة الغربية وفِى الداخل والشتات. كل هذه الإبداعات النضالية، ذات التوجه السلمي، وكل هذه التضحيات والمعاناة والفقدان، والتى أسرت خيال أحرار العالم، لم تحرك شعرة فى جسم ذلك القابع فى المقاطعة أو حاشيته؛ وقد تركت هذه البلادة وتخشب المشاعر وانعدام المسؤولية الناس مدهوشين ويشعرون بانعدام القيادة.


رغم ذلك، ليست حركة حماس معفية من المسؤولية عن عدم تطور مسيرة العودة إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فالحراك الشبابى وغيرهم يتهمون الحركة بتهميشهم والتصرف على أن الحركة هى المحرك وهى القائدة لهذا الحراك، فى حين أن المطلوب هو الحفاظ على هذا الحراك كحراك شعبى حقيقي، يكون فى مقدمة قيادته طلائع الجيل الشاب الأكثر وعيا، بالإضافة لممثلين مستقلين من كافة شرائح المجتمع.


ليس واضحًا ما سيتمخض من نتائج قريبة أو متوسطة المدى عن جولة التصعيد الأخيرة، التى أدارتها فصائل المقاومة بحكمة وذكاء سياسى ومسؤول، دون أن تدفع إلى حربٍ جديدة. من الواضح أن هذه الجولة لم تغير جذريا ميزان القوى، سوى الحفاظ على قوة الردع المتبادل، وبالتالى ليست إزالة الحصار واردة حاليا، ولا يزال أمام شعبنا مشوار طويل.


ولذلك، تتركز المفاوضات حول تخفيف المعاناة الإنسانية، وهى مسألة فى غاية الأهمية لأهلنا فى القطاع، الذين يحتاجون إلى التقاط الأنفاس.


أما فلسطينيا، فالأنظار مشدودة مرة أخرى إلى ما إذا كان بعد هذه الجولة من أفقٍ لإنهاء الانقسام، وتصبح المسألة أكثر خطورة إذا استمر الانقسام.


تبقى مسيرة العودة ومصيرها تحديا مهمًا أمام القوى الفلسطينية بعد اتفاق التهدئة. لقد بات تقييم هذه التجربة الرائدة والحضارية، بصورة جماعية لتطويرها وللتقليل من الخسائر البشرية، واجبا وطنيا أعلى. كل التجمعات الفلسطينية مطالبة بالمشاركة فى هذا التقييم، والنظر فى دورها أو غياب دورها، فى هذا الجهد الوطنى.

 

نقلًا عن «عرب 48»

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات