.

سمير عطا الله يكتب: فوضى فى لندن

Foto

أخطر ما فى أزمة لبنان وسقمها وضحالتها، هو الخوف على الاقتصاد وأحوال الناس وتأثير الدلع السياسى على الرغيف المهدد


كآبتان: فى المنشأ وفى الملجأ

 

فى مثل هذه السن، يصبح من الصعب جدًّا تحمل كآبتين فى وقت واحد، كآبة مزمنة فى بلد المنشأ وكآبة طارئة فى بلد الملجأ. وقد اعتدنا فى لبنان على مخاوف الأزمات وتبلد الضمير السياسى وضحالة النظرة إلى الوطن والدولة والمؤسسات. لكننى شعرت بخوف عميق عندما تكدست استقالات «بريكست» يوم الخميس، وعمّ الوجوم مجلس العموم، وبدت رئيسة الوزراء سيدة ضعيفة لا تُذكر بالزعماء الذين كانوا يتفوقون على الكوارث الوطنية.


أخطر ما فى أزمة لبنان وسقمها وضحالتها، هو الخوف على الاقتصاد وأحوال الناس وتأثير الدلع السياسى على الرغيف المهدد. وهذا هو أيضًا الخطر الأكبر فى الأزمة البريطانية التى تذكّرنا بتلك الأزمات الوجودية، ولكن من دون أن يكون هناك بالمرستون أو تشرشل أو ثاتشر. خلقت السيدة تيريزا ماى لعصر لا تكون فيه صاعقة مثل «بريكست»، ولا يكون وزير خارجيتها قليل الأفق مثل بوريس جونسون، الذى معه بدأ هذا الطيش القومى فى مرحلة عالمية عصيبة.


أجل، اعتدنا فى بلد المنشأ، على الحياة على حافة المجهول. لم يعد يفاجئنا شيء، المفاجأة الوحيدة هى تلك التى لا تقع. كأن تُشكل الحكومات دون عذاب، أو ينتخب نوابنا بموجب قانون بسيط وواضح ومباشر وتصح فيه تسمية القانون.


أما فى الدولة التى لجأنا إليها من عنف لبنان، فلم نألف هذه الفوضى. لقد كان الخروج من الوحدة الأوروبية خطأ اختارته أكثرية ضعيفة من الناس. تلك هى الديمقراطية التى وصفها تشرشل بأنها الأفضل فى أنظمة الحكم السيئة. وما لبث كثيرون أن شعروا بالندم على خربطة نصف قرن من الازدهار والاستقرار والنمو.


والآن ماذا؟ الآن أزمة حكم وأزمة حزبية وبلبلة لا نعرف كم تدوم. لكن كل شىء هنا تحت سقف القانون. هناك مؤسسة عمرها ثلاثة قرون مرّت وعبرت جميع أنواع المحن والتجارب. وكم كان من الأفضل ألاّ تمر فى هذه المحنة. فاليوم تقف بريطانيا وحيدة، ينقصها فى واشنطن حليف من طراز بيل كلينتون، وفى أوروبا صديق مثل فرنسوا ميتران. ناهيك بالخصم الروسى الذى لا يكف عن المضايقات.


كأنما الجميع يريدون أن يقولوا للمملكة المتحدة: أردتم العودة إلى جزركم، هاكم جزركم. لقد نسيتم أننا فى القرن الحادى والعشرين.

 

نقلًا عن «الشرق الأوسط»

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات