.

حسابات ليبرمان وحسابات غزة

Foto

يمكن اعتبار استقالة ليبرمان بداية نهايته السياسية وأن الحسابات السياسية والانتخابية الضيقة غلبت لديه على الاعتبارات الأمنية


تؤشر استقالة وزير الأمن الإسرائيلى أفيغدور ليبرمان، أمس الأربعاء، على أن القيادة الإسرائيلية فى مأزق حقيقى بكل ما يتعلق بقطاع غزة، وأن حساباتها الأمنية لا تخلو بتاتًا من الحسابات الانتخابية الصغيرة. وما يدلل على ذلك أن ليبرمان فى مؤتمره الصحفى لم ينتقد قيادة الجيش، ولم يقل إنه غير راض عن أدائه، بل وجه هجومه صوب رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، لافتًا إلى اختلافه معه فى عدة مواقف أمنية، مثل رفض نتنياهو إخلاء الخان الأحمر والسماح بإدخال المنحة القطرية لغزة.

 

استنادًا إلى ما تقدم، يمكن الادعاء أن ليبرمان سارع للاستقالة بدافع حساباته السياسية الانتخابية، وليس بسبب خلافات جوهرية مع القيادة الأمنية ونتنياهو، وهو يدرك أن استقالته سيكون لها أثر معنوى كبير فى إسرائيل وفى غزة أيضًا، حيث اعتبرت الفصائل فيها أن الاستقالة هى انتصار سياسى للمقاومة التى زعزعت الحكومة الإسرائيلية فى مواجهة لم تدم أكثر من 48 ساعة.

 

إلى جانب محدودية الخيارات الإسرائيلية للتعامل مع «قنبلة» غزة وفشل ليبرمان بتوسيع الخيارات، فإن استقالته هى إطلاق للمعركة الانتخابية المقبلة التى يرغب ليبرمان أن يظهر خلالها على أنه «رامبو حقيقي» وليس «رامبو من بلاستيك»، كما وصفه عضو كنيست سابق من حزبه، أمس الثلاثاء. ومن المتوقع أن يخوض ليبرمان المعركة الانتخابية، وهى معركة حقيقية على مصيره السياسى لأن الاستطلاعات تبيّن أن شعبية حزبه فى تراجع كبير تهدد باختفائه، وذلك من خلال المزايدة على مواقف نتنياهو تجاه غزة.

 

ويبدو أن نتنياهو والقيادة الأمنية تجاهلوا مقترحات ليبرمان وتعاملوا معه طيلة الفترة السابقة بـ«استخفاف»، حسب تقارير إسرائيلية، إذ فرض نتنياهو وقف إطلاق النار أمس ولم يطرحه للتصويت فى المجلس الوزارى المصغر (كابينيت).

 

إذن، المؤكد أن ليبرمان استقال بدوافع انتخابية وحسابات ضيقة، لا علاقة لها بأمن إسرائيل بشكل جوهرى لكن ذلك لا يعنى أنه ليس فاشلًا فى إدارة دفة وزارة الأمن والجيش، فهو لم يقدم حتى آخر يوم فى منصبه أي حلول لمواجهة غزة، سوى القتل والمزيد من القتل والدمار.

 

قوة «حماس» بأنها ليست خطرًا وجوديًّا

خاضت الفصائل فى غزة المواجهة الأخيرة بنضج واضح فى قراءة المواقف الإسرائيلية، وبحرب نفسية خاضتها عبر وسائل التواصل الاجتماعى ونشر الفيديوهات لعملياتها النوعية. وكان لافتا أن كتائب القسام نشرت فيديوهات مثل استهداف حافلة الجنود قرب السياج الحدودى وتعمدها عدم استهداف الحافلة قبل نزول الجنود منها، وهى رسالة تحذير واضحة تفيد بأنها قادرة على قتل عشرات الجنود لكنها لم تشأ التصعيد، وأن فى جعبتها العديد من الخيارات النوعية الموجعة التى تحتفظ بها لمواجهة قادمة. وعكس هذا نضجًا فى إدارة فصائل غزة للمواجهة، وخوضها معركتين سياسية وإعلامية بدت أنها منضبطة ومدروسة ومحسوبة.

 

كذلك أظهرت الفصائل قدرات صاروخية متطورة رادعة، وتحديدا تطوير دقة الإصابة وتجاوز «القبة الحديدية»، التى تجلت فى استهداف مبان فى عسقلان ووصلت البحر الميت. وبحسب تقديرات إسرائيلية فإن فصائل المقاومة أطلقت كميات قياسية من الصواريخ، وصلت نحو 500 صاروخ وقذيفة خلال 24 ساعة، وهو أعلى معدل مقارنة بالمواجهات السابقة. وأكدت الفصائل أن صواريخها ليست «صواريخ عبثية» كما سماها فى السابق الرئيس الفلسطينى محمود عباس.

 

وأحد أسرار قوة الفصائل فى هذه المواجهة بأنها تصرفت بنضج وتنسسيق وانضباط لافت (غرفة عمليات مشتركة)، وأدارت المعركة السياسية بترو، إلى حد دفع وزير الأمن السابق، إيهود براك، إلى التصريح لموقع «يديعوت أحرونوت» فى أعقاب إعلان وقف إطلاق النار، أن من يتحكم بالمشهد هو قائد حماس فى غزة، يحيى السنوار.

 

وفى هذا السياق، كان لافتًا أن الجيش سرَّب لأكثر من وسيلة إعلام أنه تعمد عدم استهداف المدنيين فى غزة كما فى مواجهات سابقة، لكنه وجه ضربات قاسية، حسب تعبيره، لمواقع لحماس والجهاد الإسلامي. ويمكن تفسير ذلك بأن الجيش لا يرى حلا عسكريا للوضع الحالى فى غزة، وأن الحل سياسي. لكن الأمر الأهم هو أن حماس ليست خطرا وجوديا، بنظره، الذى يستدعى مزيدا من التصعيد والقصف واستهداف المدنيين، بل هى خطر استراتيجى يجب إدارة الصراع معه سياسيا، خلافا مثلا للنووى الإيرانى الذى ترى إسرائيل أنه خطر وجودى يستدعى العمل لإحباطه بكل الوسائل المتاحة، فى إيران وسوريا وكل مكان.

 

وفى هذا السياق يمكن فهم التصريحات الإسرائيلية لأكثر من مسؤول أمنى سابق بأن حماس ليست الأولوية، وإنما إيران والجبهة السورية لهما الأولوية أمنيًّا.

 

فى الخلاصة، يمكن اعتبار استقالة ليبرمان بداية نهايته السياسية، وأن الحسابات السياسية والانتخابية الضيقة غلبت لديه على الاعتبارات الأمنية مثل الأضرار التى ستتسبب بها استقالته على الصعيد المعنوى والدعائى لدى الفصائل، ولدى الرأى العام الإسرائيلى أيضًا. فى موازاة ذلك، غلبت الفصائل حساباتها الوطنية ومصير أهالى القطاع على حساباتها السياسية الفئوية، وهذا يحسب لها.

 

طالما اعتبر الجيش الإسرائيلى أن غزة ليست خطرًا وجوديًّا يستدعى التدخل العسكرى الواسع لاستئصاله وما يترتب على ذلك من خسائر فى صفوف الجنود، فإسرائيليًّا، الخطر الاستراتيجى يبقى خطرًا طالما لم تقدم إسرائيل الذرائع له لكى يصبح خطرًا نافذًا أو واقعيًّا، والسبيل إلى ذلك هو السياسة وتخفيف معاناة أهالى القطاع. ولكن، فلسطينيًّا، يجب عدم الإخلال بتوازن الردع الذى خلقته الفصائل فى المواجهة الأخيرة.

 

نقلًا عن «عرب 48»

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات