.

ليس يقينيًّا أن العنكبوت عشّش على باب غار ثور!

Foto

لماذا كان النبى حريصًا على محو آثار قدمَيه فى الطريق إلى غار ثور ولم يفعل أبو بكر؟ كيف تحدَّثت الجبال مع النبى وانشقّ بحر فى الصحراء مشدودة إليه سفينة؟ وهل قطع أشداء الكفار المسافات خلف الرسول وصاحبه ثم كسلوا عن النظر فى الغار؟!


روى الحلبى فى سيرته قصة هجرة الرسول وأبى بكر إلى المدينة فى الجزء الثانى، ص45 وما بعدها، وفصول الحدث معروفة ومتداولة فى كتب القدماء والمحدثين، من اجتماع دار الندوة التى تم فيها الاتفاق على تصفية محمد، وحتى وصوله إلى المدينة واستقبال أهلها له بالدفوف والغناء، وتجاذبهم دعوته إلى أن حملته ناقته إلى قباء، الموقع الذى بُنى فيه أول المساجد فى الإسلام.

هذا هو الثابت الوحيد، لكن التفاصيل كثيرة ومتعارضة بشكل ينفى بعضها بعضًا، ومتضخمة ومبالغ فى بعضها، حتى إن العقل لا يصدقها مع التسليم والإيمان، فما بالنا مع الشك؟ الاختلاف يبدأ من وقت خروج النبى، ومكان الخروج، والطريق الذى سلكه برفقة أبى بكر، والدابة التى ركبها، أو لم يركبها، والمدة التى قضياها فى غار «ثور»، والطعام الذى أكلاه.. إلخ، وسوف أتوقَّف هنا عند الأيام الثلاثة فى الغار وما أُثير حولها.


فقد ورد فى السيرة الحلبية عن عائشة عن النبى قال: خرجت من الخوخة متنكرًا -يقصد خوخة خلف بيت أبى بكر- فكان أول مَن لقينى أبو جهل، لعنه الله، فأعمى الله بصره عنّى وعن أبى بكر حتى مضينا.

«هذا يعنى أنه خرج من بيت أبى بكر وليس من بيته، وأن أبا بكر رافقه ولم يلحق به على قول بعض الرواة»، وفى كلام سبط بن الجوزى وعن وهب بن منبه أن أبا بكر جعل مرة يمشى أمام النبى ومرة خلفه ومرة عن يمينه ومرة عن شماله، فسأله عن ذلك، فقال: أذكر الرصد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون خلفك، ومرة عن يمينك ومرة عن يسارك لا آمن عليك. وفى الدر المنثور مشى النبى ليلته على أطراف أصابعه لئلا يظهر أثر رجليه على الأرض حتى حفيت رجلاه، فلما رآهما أبو بكر حمله على كاهله وجعل يشتد به حتى أتى على فم الغار فأنزله.

وأن النبى ذهب إلى جبل حنين فناداه: اهبط عنّى فإنى أخاف أن تقتل على ظهرى فأُعذّب، فناداه جبل ثور: إلىَّ يا رسول الله.


هذه الرواية تفترض أن القرشيين الذين يسعون وراءهما يقتفون أثر رجلَيه ولا يقتفون أثر رجلَى أبى بكر، وهم يعلمون أنه يصاحبه، بل إنه ينفق على الرحلة، بداية من شراء الراحلتَين وتأجير الدليل، إلى توفير المعلومات عن طريق عبد الله بن أبى بكر، والأكل عن طريق أسماء -ذات النطاقين- واللبن عن طريق مولاه عامر بن فهيرة، وبالتالى ليس منطقيًّا القول إن الرسول مشى على أطراف أصابعه ولم يفعل أبو بكر بالمثل، كما أن القول إن أبا بكر حمله على كاهله وأنزله أمام الغار ليس معقولاً بالمرة، ناهيك بنداء الجبال!


والأشد غرابة منها القصة التى ذكرها المناوى فى فيض القدير، وأوردها علاء الدين فى كنز العمال، والسيوطى فى الدر المنثور، وابن كثير فى البداية والنهاية، والبيهقى فى الدلائل عن عمر، كما روى برهان الدين الحلبى أن أبا بكر قال للنبى لما انتهيا إلى فم الغار: والذى بعثك بالحق لا تدخل حتى أدخله قبلك، فدخل عنه فجعل يلتمس بيده كلما رأى جحرًا قال بثوبه فشقّه ثم ألقمه الجحر، حتى فعل ذلك بجميع ثوبه فبقى جحر كان فيه حيّة فوضع عقبه عليه، ثم دخل الرسول، ثم إن الحيّة أحسّت بعقب أبى بكر وجعلت تلسعه، وصارت دموعه تنحدر، وكان النبى وضع رأسه فى حجره ونام، فسقطت دموع أبى بكر عليه، قال مالك، قال: لُدِغتُ، فتفل الرسول على محل اللدغة فذهب ما يجده.

وتلك الرواية أغرب من أن يقبلها العقل أيضًا، فكيف صار أبو بكر بعد أن مزق ملابسه جميعها؟ وهل يستقيم ذلك مع وقاره وعمره ومكانته؟ وألم يكن حريًّا بالجبال التى نطقت أن ترقق الحيات التى تسكنها؟ والأهم: مَن هو الرجل الذى يحتمل لدغات الحية دون أن يُصدر صوتًا؟ وكيف بالرجل يحمل رسول الله وينظف له المكان وينيّمه على حجره مع أنه أكبر منه سنًّا، وأن الوارد أن النبى كان قوىَّ البنية؟!
ومن معجزات غار ثور كذلك، كما يرويها صاحب السيرة الحلبية، أنه: لما دخل الرسول وأبو بكر الغار أمر الله شجرة، وهى التى يُقال لها العشار وقيل أم غيلان، فنبتت فى وجه الغار فسترته بفروعها، ويقال إن رسول الله دعا تلك الشجرة وكانت أمام الغار فأقبلت حتى وقفت على باب الغار، وأنها كانت مثل قامة الإنسان، وبعث الله العنكبوت فنسجت ما بين فروعها نسجًا متراكمًا بعضه على بعض كنسيج أربع سنين.. وأمر الله تعالى حمامتَين وحشيتَين فوقفتا بفم الغار، ويروى أنهما باضتا وفرختا.

ويقول: وأقبل فتيان قريش من كل بطن بعصيّهم وسيوفهم، فلما كانوا على أربعين ذراعًا من الغار تعجل بعضهم ينظر فى الغار فلم يرَ إلا حمامتَين وحشيتَين مع العنكبوت، فقال ليس فيه أحد، فسمع النبى ما قال، فعرف أن الله قد درأ عنه.


وفى رواية: فلما انتهوا إلى فم الغار -أى شباب قريش- قال قائل منهم: ادخلوا الغار، فقال أمية بن خلف: ما حاجتكم إلى الغار، إن عليه لعنكبوتًا كان قبل ميلاد محمد، ولو دخل الغار لانفتح ذلك العنكبوت وتكسّر البيض، وهذا يدل على أن البيض لم يكن فرَّخ، ويحتمل أن بعض البيض فرَّخ وبعضه لم يفرخ، ثم جاء قبالة الغار فقال أبو بكر إنه يرانا، فقال الرسول: لو كان يرانا ما فعل هذا، وفى رواية: لو رآنا ما تكشف عن فرجه أى ما استقبلنا بفرجه وبوله، وقال أبو جهل: أما والله إنى لأحسبه قريبًا يرانا، ولكن بعض سحره قد أخذ على أبصارنا، فانصرفوا. ويذكر ابن كثير أن أبا بكر قال: لو نظروا تحت أقدامهم لرأونا، فقال النبى: لو جاؤوا من هنا لذهبنا من هنا، فنظر الصديق إلى الغار قد انفرج من الجانب الآخر، وإذا البحر قد اتصل به وسفينة مشدودة إلى جانبه، ولم ينكر ذلك ابن كثير.


والعجيب فى هذه الروايات -كذلك- أن قدرة الله التى تجلَّت فى إنبات الشجرة ونسج العنكبوت وتعشيش الحمامتَين، بالإضافة إلى البحر الذى تفجّر فى الصحراء والسفينة المشدودة إليه، وقدرة الرسول على تحريك الشجرة والبصق على لدغة الحية فيذهب ما بها.. إلخ، كانت كفيلة بتسهيل السفر هذه المسافة وكف يد الكفار عنهم، ثم إن وصول أشداء قريش حتى الغار لا يستقيم مع أمرَين -إذا تجاوزنا عن اختلاف مسافة القرب- الأول أنه لم يُذكر فى أى رواية محو أثر أقدام أبى بكر، وبالتالى لا يتحدَّث أحد عن دليل مهم لإيجادهما، والثانى أن أحدًا لم يكلف نفسه عناء النظر بعد هذا الجهد، وكان من السهل رؤيتهما كما قال أبو بكر لو نظر أحدهم تحت قدميه.


هذه الحادثة بالذات ليس لها سوى مصدر واحد هو أبو بكر الصديق، لأنه الوحيد الذى رافق النبى فى رحلته، إضافة إلى النبى ذاته الذى لا ينطق عن الهوى، ومع هذا تختلف الروايات فى ما بينها بشكل كبير، يجعل تصديق أيها على حساب الأخرى أمرًا شديد الصعوبة، خصوصًا أن الروايات تتناقض فى المرجع الواحد، وبين المراجع التى نعدها ثقاة، وبالتالى ليس ثمة رواية موثوق بها بشكل كامل، حتى إن صاحب السيرة الحلبية يذكر أن إحدى الروايات تقول إن الرسول وأبا بكر لم يذهبا إلى غار ثور أصلاً، وبالتالى فلا شجرة أنبتت ولا عنكبوت نسج ولا حمام عشّش وباض، ولا بحر ولا سفينة ولا تقطيع ثياب ولا لدغ حيات.. ولا شىء.


لقد اختلطت الخرافات بالحقائق فى سرد وقائع هجرة النبى من مكة إلى المدينة، ربما لإضفاء هالة من التقديس على وقائع حياتية عادية، وربما لبعد المسافة بين حدوث الحدث وتسجيله، مما جعل الروايات تكثر وتتداخل وتنحرف عن الأصل، وتلك الانحرافات تفتح باب الشك فى المصادر جميعها.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات