.

ألغاز فى رواية الحديث عن رسول الله

Foto

كيف روى عبد الله بن العباس الحديث عن رسول الله وهو لم يتجاوز ثلاث عشرة سنة عند وفاة النبى؟ أين كان على بن أبى طالب وعمر بن الخطاب أثناء ملازمة أبى هريرة للرسول؟


مناقشة منطقية الكثير من الأحاديث المنسوبة إلى سيدنا محمد ومدى موافقتها أو تعارضها مع كتاب الله، أمر بالغ الأهمية، وعظيم الفائدة والأثر إذا ما أردنا وضع السُنة النبوية فى إطارها الصحيح، بعيدًا عن الإفراط أو التفريط..

لكن بالتوازى مع نقد متن الأحاديث، إن لم يكن قبله، يجب نقد المنهج العام ودرجة معقولية ما يحتوى علم الحديث من قواعد وأساسيات، وكشف هذا العدد الكبير من الألغاز الموجودة فى الكُتب التى اهتمت بتدوين ما صح سنده من أقوال رسول الله.


أول الألغاز الواجب التوقف أمامها والتعجب من كيفية بقائها مئات السنوات محشوة فى كُتب الأحاديث هو عدد الأحاديث التى رواها مجموعة من الصحابة، حيث تجد مجموع روايات صحابى مثل عبد الله بن العباس 1660 مروية رغم أن عمره وقت مات النبى لم يتعد ثلاث عشرة سنة فى كل المصادر التاريخية..

وكل هذه المرويات نُقلت بصيغة «عن ابن عباس أنه سمع رسول الله يقول…» أى أنه سمعها مباشرة من سيدنا محمد مع أن أحد الشروط التى وضعها من يطلقون على أنفسهم علماء حديث حتى يقبلوا رواية شخص هو بلوغ سن التكليف الذى حدده المفتى السعودى السابق عبد العزيز بن باز بخمس عشرة سنة على الأقل.. وبالطبع فمسألة كهذه تم طرحها على مشايخ السلفية ومقدسى النقل، فكانت إجابتهم أن ابن العباس طاف على الصحابة الكبار كلهم بعد وفاة الرسول، وكتب ما حفظوه من أحاديث المصطفى، ورغم عدم وجود أى أثر لهذه الأحاديث المكتوبة وعدم ذكرها فى أى مصدر تاريخى فإنه فى حال صدق الواقعة أليس يحق لنا أن نعرف من الصحابى الذى نقل عنه ابن عباس لنعلم مدى صدقه؟ بخلاف أن هذا فى الأصل ما تفرضه أمانة النقل على ابن العباس.


وفى لُغز عدد المرويات يتفوق الصحابى أبو هريرة فى كم التساؤلات المثارة حول إمكانية روايته 5374 حديثًا عن رسول الله الذى أسلم أبو هريرة قبل وفاته بثلاث سنوات وبضعة أشهر فقط لا غير.. وإذا ما صدقنا أن أبا هريرة لازم الرسول الكريم طوال هذه المدة باستمرار كما تُجمع المصادر السلفية وحفظ خلالها من الأحاديث ما جعله يتصدر الصحابة جميعهم فى قائمة أكثر من روى عن النبى، فلابد لنا أن نسأل: أين كان على بن أبى طالب باب مدينة العلم وعمر بن الخطاب مُحدث أُمة محمد فى نفس هذه السنوات الثلاث؟! وسر السؤال عدم تجاوز إجمالى ما رواه الاثنان 1200 حديث رغم سابقتهم فى الإسلام وطول صحبتهم للرسول.


وحالة أخرى من ألغاز الأرقام فى كتب الحديث تجدها عند الصحابى عبد الله بن عمرو بن العاص، الوحيد الذى ثبت أنه كتب الأحاديث والرسول حى ولم يعتمد على الحفظ والذاكرة، وهذا ما تجده فى الأثر الصحيح أن أبا هريرة قال: ما كان أحد أكثر منى حديثًا عن رسول الله إلا عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب.

وفى مبلغ علمى لم يدون أى من كتب الصحاح أو المسانيد أو السُّنن عن عبد الله بن عمرو حديثًا واحدًا مرجعه الصحائف التى كتب فيها.

والأمر المستغرب الآخر حول مرويات ابن عمرو بن العاص هو عددها، فإجمالى ما بين أيدينا حاليا ٧٠٠ حديث، أى قرابة واحد على ثمانية مما رواه أبو هريرة الذى لم يكتب حديثًا واحدًا قط. 
وتستمر معك حالة الدهشة كلما دققت فى أعداد الأحاديث المنسوبة للرسول موزعة روايتها على أصحابه، ليس فقط لكثرتها بالنسبة للبعض لكن لقلتها التى تصل إلى الندرة لدى البعض الآخر.

تخيل أن حوارى رسول الله وأحد العشرة المبشرين بالجنة وواحدًا من السابقين الأولين دخولا فى الإسلام؛ مثل الزبير بن العوام، كل ما تحتويه كتب الحديث من روايته خمسة أحاديث لا غير! صحح منهم البخارى أربعة وصحح مسلم واحدًا، والحجة الجاهزة التى يسوقها كل من يقولون إن السُّنة وحى عندما تستفسر منهم كيف لصاحبى كبير أن يروى عددًا قليلا جدا من أحاديث النبى، هى أنه قد يكون توفى مبكرًا قبل أن يحتاج إليه الناس ويسألونه عما سمع من الرسول، لكن فى حالة الزبير فالحجة باطلة لأنه عاش حتى زمن الخليفة على بن أبى طالب، ورواية الأحاديث بدأت بعد وفاة الفاروق عمر بن الخطاب.


وبالعودة إلى حالة أبى هريرة ومقارنتها بصحابى آخر أسلم قبله بسنوات وقال الرسول عنه إنه من آل البيت، تزداد دهشتك أضعافًا، فهذا الصحابى هو سلمان الفارسى الذى لا ينكر مكانته السنة ولا الشيعة على السواء، لا تجد له فى كل كتب الحديث إلا ستين حديثًا أخرج له البخارى أربعة ومسلم ثلاثة، ومحل المقارنة بين سلمان وأبى هريرة هو المبرر المعتمد عليه المحدثون فى تبرير الروايات الكثيرة لأبى هريرة، وهو ملازمته الرسول لمدة ثلاث سنوات، فقد كان سلمان يجلس مع الرسول لساعات طويلة بمفردهما بشكل شبه منتظم ليلا حتى وفاته -صلى الله عليه وسلم- أى أنه وبحسبة بسيطة لو روى سلمان خمسة أحاديث من كل ليلة وهو مَن صاحب النبى ثمانى سنوات تقريبًا، لكان لدينا من المرويات عنه نحو ثلاثة آلاف حديث.

 
وفى مقارنة ثانية بين حالتين تدعوان إلى العجب لتشابه ظروفهما وهما عبد الله بن عباس، صاحب الألف وستمئة وستين حديثًا، وحجر بن عدى، صاحب الصفر من الأحاديث، فكلاهما من أصحاب رسول الله الذين توفى عليه صلاة ربى وتسليمه وهما صغار السن، وكلاهما عاش طويلا بعد انتقال النبى إلى الرفيق الأعلى، وكلاهما من ذوى المكانة العالية بين الصحابة، فابن عباس، حبر الأمة، وابن عدى، راهب صحابة الرسول، ورغم التشابه الواضح فى العوامل التى تحدد إمكانية روايتهما للأحاديث من عدمها لم أجد حديثًا يوحد الله لحجر بن عدى فى أى من كتب الحديث كلها.


طيب، هل لغز أعداد المرويات عن الصحابة هو اللغز الوحيد فى مسألة الرواية عن رسولنا الكريم؟ الإجابة، لا؛ فالألغاز متعددة وكل واحد منها يستحق وقفة بذاته، وجدير بأن يدفعنا لإعادة فرز وتقييم ما لدينا الآن من أحاديث منسوبة للنبى المختار.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات