.

كتب التراث تتحدى الملل

Foto

هذه القصص المُسكرة التى تدغدغ مشاعر الجهل كانت كذلك فقط فى أوائل العصور الإسلامية هل يحتاج الرسول عليه الصلاة والسلام إلى حكايات خرافية تأكيدًا على نبوءته؟ لماذا لم نتوقف حتى الآن عن عبادة أصنام التراث؟


تمتلئ كتب التراث عن آخرها بالقصص التى اتسع فيها خيال الإخباريين، فنسجوا قصصًا وحكايات حول شخص الرسول عليه الصلاة والسلام ظنًّا منهم بأنها تصب فى مصلحة الدين وتعضده، هذه الحالة من الشهوة المستعرة فى الحكى عن المعجزات وإلصاقها بشخص الرسول لازمت كتب التراث المختلفة، وهى نفسها التى أخذها المستشرقون لاحقًا مأخذًا على هذا الدين الحنيف، واعتبروا بعضها دليلاً على كذب رسالة محمد، فكان ضررها أكثر من نفعها،

هذه القصص المُسكرة التى تدغدغ مشاعر الجهل كانت كذلك فقط فى أوائل العصور الإسلامية، حيث كانت الخرافات والبركات والكرامات أمر يُذهب العقول التى تنتشى إثر كل حكاية يقبع فى قلبها القول بمعجزة ما أو بأمر خارق للعادة، سيناقش هذا المقال إحدى هذه القصص الواردة فى كتاب السيرة الأشهر على الإطلاق«لابن هشام»، تدعى قصة بحيرا ج1 صفحة 165 كما أنها موجودة فى كتب تراث عديدة مع اختلافات فى بعض التفاصيل، ملخص القصة يحكى أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما كان ابن تسع ذهب مع عمه أبى طالب فى رحلة تجارية إلى بلاد الشام وعند وصولهم إلى البصرة بالشام مرورًا بجوار صومعة للرهبان المسيحيين، أحد الرهبان كان يُدعى بحيرا، تقول القصة إن بحيرا كان جالسًا يتأمل فى شرفة تطل على المكان وقت إقبالهم فلفت نظره أن هناك سحابة صغيرة ظلها لا يزيد على مكان الصبى ذى السنوات التسع وتلحق به أينما حلّ، هذا مع العلم أن شمس الشام ليست حارقة مثل شمس مكة ولا تحتاج لمعجزة لتقى الرسول حرها، لكن على كل حال تكتمل القصة؛ لتخبرنا أن الراهب عرف من فوره أن محمدًا هو النبى المنتظر ثم توقفت القافلة تحت شجرة موجودة أسفل شرفة الراهب بحيرا ورأى بحيرا ما رأى حيث إن الشجرة مالت ليقع ظلها على الصبى فقط دون من معه، هكذا زعمت القصة فنزل بحيرا يدعوهم للنزول فى ضيافته، فوافقوا فسأل الراهب الصبى بضعة أسئلة مما أكد له أن هذا الصبى هو النبى المنتظر وطلب منه أن يستدير فرأى خاتم النبوة محفورًا بين كتفيه فتحدث لأبى طالب وطلب منه إعادة الطفل فورًا؛ لأن لو رآه أحد اليهود سيتأكد أنه هو الشخص المنتظر وسيقتله، كانت هذه هى إحدى المحاولات المشوهة من الإخباريين بإظهار محمد عليه الصلاة والسلام وقد أحاطته المعجزات منذ كان طفلاً كل هذه القصص والحكايات الشبيهة ما هى إلا محاولات بائسة صدرها لنا جهل القرون الأولى للإسلام ظنًّا منهم بأن مثل هذه الحكايات تزيد من صدق الدين وتضفى قداسة من نوع ما افتقده هؤلاء الإخباريون فى رسالة محمد، التى تمثلت فى إعادة صياغة فلسفة سلوك المجتمع البدوى، لكنها فى الوقت نفسه لا تمتلك ما امتلكته الرسالات الأخرى من معجزات حسية، ربما أراد هؤلاء معجزات شبيهة لأنفسهم فبدلاً من التسليم بما بين أيديهم من آيات ألصقوا بهذه الرسالة كل ما طالته أيديهم من خرافات؛ لأنها تُهدئ من روعهم فلم تكفهم رسالة السلام والإصلاح، هم بحاجة إلى مجموعة من المسكنات الخرافية التى تسكن آلام البداوة والعنصرية لديهم، ورغم أن السرد القصصى لهذه القصة يكاد يكون مضحكًا إلا لو أننا حاولنا قراءتها قراءة جادة لوجدنا أن مختلق القصة يريد أن يقنعنا أن الرسول عندما كان صبيًّا كانت السحب تتبعه لتقيه حر الشمس وأن الشجر يميل ليظله وأن كل هذا لم يلاحظه من عاشوا وأكلوا وشربوا معه بل لاحظه الراهب المذكور فى القصة وأن هناك خاتمًا للنبوة بين كتفيه، وهو الأمر الذى يخالف الواقع؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعرف لا هو ولا أى من قومه بنبوءته إلا فى عقده الرابع عندما نزل عليه «الوحى» وهو ما تقوله كتب الأخبار أيضًا، فجاءت متناقضة متخبطة فى كل ما يُسرد فيها من قصص تحتوى على تطرف مؤسف ولعل اللوم الحقيقى ينبغى أن يقع على من يصدقها اليوم ويُدرس ما جاء بها فى الجامعات المختلفة؛ لأن الرواة الأوائل وحتى اللاحقين كانوا أبناء بيئتهم التى تأثرت بالمعجزات والخرافات، لكن السؤال الأهم الذى يلوح فى أفق هذا المقال والموجه لمن لا يزال يرى بقدسية مثل هذه الأخبار الموجودة فى كتب التراث: ألا يكفيكم دينكم السمح وما به من تعاليم؟.. هل يحتاج دينكم لمثل هذه الخرافات؟.. هل يحتاج نبيكم لمثل هذه الحكايات المؤسفة لتكون دليلاً على نبوءته عليه أفضل الصلاة والسلام؟

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات