.

ملاحظات على منهج الرد على الإسراء والمعراج بين النقل والعقل

Foto

هل ألفاظ القرآن الكريم قطعية الدلالة لتصبح دليلًا واحدًا على إثبات المعجزات؟ هل استخدم العرب لفظة المسجد على البيت الحرام أو على بيت أورشليم؟ لماذا يكره الأصوليين الرسميين أن يقترب أحد من مجال دراستهم؟


قامت الزميلة الأستاذة «مى سعيد» بنشر سلسلة من المقالات التى تناولت فيها حادثتى الإسراء والمعراج، اللتين يؤمن بهما كثير جدا من المسلمين ويعتبرونهما من الأسس العقائدية للمسلمين، فقد تناولت أ/ مى مرويات الأحاديث وتفسيرات العلماء حول ما جاء بخصوص الحادثتين، وخرجت بمجموعة من التساؤلات تؤدى إلى مزيد من التشكك فى الحادثة، أو على الأقل بكثير من الأسئلة التى تحتاج إلى جهد كبير للرد عليها، وقد قام الأستاذ «أحمد رمضان الديباوى» بالرد عليها فى ثلاث مقالات متتالية يفند الإنكار «أى إنكار وقوع الإسراء» وإن لم يجب على الأسئلة فى ذاتها، وقد انتهج منهج الأصوليين فى إثبات الواقعتين أولا ثم البحث عن الدليل الذى يثبت صدق ما وصل إليه، غير أنه ألزم نفسه منهجا للوصول إلى إثبات الواقعة وهو المنهج اللغوى، بمعنى أنه يستدل بألفاظ الآية الكريمة ومدلولاتها ليصل فى النهاية إلى وقوع المعجزة والحادثة كما هى معروفة ومتناولة فى ضمير الأمة الإسلامية الجمعى.


غير أن لى بعض الملاحظات على هذا المنهج وذاك التناول، لكن قبل الدخول إلى الملاحظات أود أن أؤكد على ثلاث نقاط هامة لى على الأقل.


أولا: لست فى حالة دفاع عن الرأى الذى يؤيد الحادثة ووقوع المعجزة، كما أنى لست فى حالة دفاع عن الرأى المقابل الذى ينكر وقوع الحادثة وثبوت المعجزة، أى أنا لا أتبع هذا ولا ذاك، لماذا؟ لأنى أرى أن أسوأ ما فى تناول القضايا الفكرية وخصوصا تلك التى تهتم بنقد التراث أو إثارة بعض التساؤلات حول بعض القضايا هو الانحياز إلى رأى مقدّمٍ والدفاع عنه «بالباطل أو بالحق» ومعارضة الرأى الآخر، ابتداءً هكذا قبل الدخول فى الموضوع هذه الطريقة «دفاع / هجوم» هى التى تجعلنا محلك سر ولا تقدمنا خطوة واحدة إلى الأمام فى طريق التنوير وعدم القدرة على الطرح الجدى والحقيقى لرؤيتنا التراث ودوره فى صناعة وصياغة العقلية العربية والإسلامية.


ثانيا: أرى أن التناقش الحر هو الأصوب عند تناول مثل هذه الموضوعات، مع كثير من الهدوء ليكون الفرد فيه على أتم الاستعداد على أن يستمع إلى الرأى المخالف له باعتباره رأيا علميا يقدر ويحترم وإن لم يوافق عليه، بدلا من الدخول بروح الألتراس التى تعمق التعصب للفكرة التى يتبعها الفرد وتجعله يريد أن يدافع عنها بكل قطرة دم ممكنة من الطرف الآخر!! هذه الروح «روح الألتراس» إذا ما تسربت إلى نفوس من يتابع الآراء المختلفة فهى كارثة فى المقام الأول.


ثالثا: أؤكد كامل احترامى للطرفين ولأفكارهما وإن كنت لا أؤمن بها
ندخل فى الموضوع
الأستاذ أحمد رمضان الديباوى استخدم منهجا لغويًّا للاستدلال على وقوع حادثة الإسراء من القرآن الكريم فقط لاعترافه بأن المرويات التى صاحبت هذه الحادثة جعلتها عرضة للنقد الدائم لما فيها من أخطاء ولما فيها من مخالفات للعقل واضحة وجلية تجعل الإيمان بها عبر هذه المرويات صعبا ومشكوكا فيه دائما، وأن أفضل طريق للتعرف على المعجزة هى التعرف على ألفاظ القرآن الكريم ومدلولاتها لتكتشف المعجزة واضحة وبينة، وهذا المنهج لى عليه بعض الملاحظات


الملاحظة الأولى: إن ألفاظ القرآن الكريم فى الآية ليست قطعية الدلالة «أى لا يستطيع أى عالم لغوى كان من كان أن يجزم أن هذه الكلمة فى القرآن كان مراد الله منها «كذا دون كذا، ولأن كلمات اللغة العربية تحمل أكثر من مدلول، ويمكن استخدامها فى أكثر من موضع بأكثر من معنى فيكون الاستدلال بها على إثبات الحادثة أمر فيه من التعسف المنهجى، واستحالة الاستدلال على إثبات الحادثة.


الملاحظة الثانية: القفز على ألفاظ بذاتها فى الآية الكريمة والتى كانت تحتاج إلى توضيح أكثر من قبل الأستاذ أحمد الديباوى، جعل الرد مليئا بالثغرات التى لا يمكن التغاضى عنها مثل دلالة لفظة المسجد فى مصطلح «المسجد الحرام» وهى لفظة قرآنية بحتة، شرح الأستاذ كيف أنها تدل على مكان مرتبط بفعل السجود، غير أنه لم يشر بأى شكل من الأشكال هل كان العرب يستخدمون هذه اللفظة للتعبير عن البيت «الكعبة» قبل الرسول الكريم أو فى عهده حتى؟! أو هل القرآن الكريم كان لا يذكر البيت الحرام إلا بلفظ المسجد فقط أم كان يذكره مرات متعددة بألفاظ مثل «البيت».. مع التذكير أن كلمة مسجد مرتبطة بفعل السجود وليس دلالة على مكان للعبادة فحسب أو للصلاة فقط، لا بل هو مكان مرتبط بفعل السجود وهو كما هو معروف جزء من حركات الصلاة عند المسلمين، أيضا ينسحب هذا السؤال على المسجد الأقصى وقد أكثر الأستاذ فى التأكيد على أن المسجد الأقصى فى الآيه الكريمة هو المقصود به ذلك المسجد المقام فى مدينة القدس والتى يعتبره المسلمون قبلتهم الأولى فهل القرآن الكريم أطلق لقبًا على مكان لم يصبح بعد مكانًا للسجود أو العبادة للمسلمين؟ هنا يطرح سؤالٌ آخر نفسَه، هل القرآن كان يخاطب العرب بلغة لا يعرفون مدلولاتها أم بلغة قريش المعروفة والتى بها الكثير من المصطلحات التى يعرفها العرب؟ فهى لغة يشترك فيها الجميع، فهل إذا ما خاطب القرآن الكريم القرشيين فى هذا التوقيت ليدلهم على البيت المقدس أو إيلياء أو هذا المكان المقدر فى أورشليم بفلسطين، فيقول لهم المسجد الأقصى هل كان يتوقع منهم أن يعرفوا فورا ما هو المسجد أصلا أو ما هو الأقصى؟ أم ترى أن العرب كانوا يستخدمون هذه المصطلحات للدلالة على البيتين المقدسين؟ غير أن الأستاذ لم يشر إلى أن هذا المصطلح استخدمه العرب للدلالة على ذات المكان، وربما إغفال الإجابة على هذا السؤال يفتح بابًا للتساؤل هل حدثت زيادات ونمو على النص المقدس عبر عصور التدوين وقبل الجمع فى مصحف واحد فاستخدموا ألفاظًا حديثة نوعًا ما على أماكن لم يطلق عليها نفس اللقب إلا بعد مئة عام من وفاة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.


الملاحظة الثالثة: أكثر الأستاذ الديباوى من التأكيد على أن ألفاظ القرآن الكريم لا يعرفها إلا العالمون بها، وكأنما هى إشارة إلى أن الأصوليين الذين أفنوا عمرهم فى دراسة القرآن هم فقط من يحق لهم تقديم ما عرفوه وما فهموه على أنه فهم صحى لا يشوبه شائبة وعلينا أن نتقبله فورا، وهو هنا يستخدم طريقة الأصوليين القديمة والتقليدية التى ترفض أن يتناول أحد أفكارَ القرآن أو تفسيرات الألفاظ أو أيا من قصص الإسلام إلا عبرهم وهم فقط، فى حركة من الوصاية. .....


 يتبع

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات