.

صورة الجنة المشوهة فى الفقه الإسلامى

Foto


يرتكز وصف الجنة فى المنظومة الكونية للقرآن على سمتىّ الوصف السريع –الخاطف– والتكرار الإيحائى.

يقول تعالى: «جنات عدن التى وعد عباده بالغيب» مريم 61.

«ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى» النجم 14 و15.

«سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين» آل عمران 133. «وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة» القيامة 22 و23.

«إن المتقين فى جنات ونهر فى مقعد صدق عند مليك مقتدر» القمر 54 و55. «يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجرى من تحتها الأنهار ومساكن طيبة فى جنات عدن» الصف 12.

«يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفى ذلك فليتنافس المتنافسون» المطففين 25 و26.

«ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون» البقرة 25. «إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم فى الغرفات آمنون» سبأ 37.

«لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية» الزمر 20.


ويستفاد من سمة الوصف السريع والتكرار الإيحائى لأوصاف الجنة فى القرآن الكريم السمة الأسرارية المحيطة بغيبها الأخروى، فلا ندرى ماهية «سدرة المنتهى» ولا كينونة «جنة المأوى»، ولا كيفية النظرة إلى الخالق، ولا طبيعة طيبوبة المساكن الفردوسية، ولا صورة التطهير الزوجى أو التزاوجى، ولا جريان أمن الغرفات، وبالتأكيد لن تدرك قوانين العقل المادية حجم ولا كيفية أن يكون عرض الجنة فقط هو كل السماوات والأرض، ولا أى أرض تُقصد طالما أنها تشتمل على وسع السماوات وليس سماء واحدة، هل هى الأرض الكوكبية التى يقيم عليها البشر أم كل أرض كونية أخرى، إنها جنات لا يمكن للعقل البشرى استيعاب أوصافها لأنها بالتعبير القرآنى: ما وعد بها عباده بالغيب.
لذلك نجد فى هاتين السمتين البلاغيتين للوصف القرآنى للجنة تحقيقا تاما للانسجام الجمالى والمعنوى مع إيقاع المنظومة القرآنية الشاملة، وهو إيقاع يعكس التزاوج والتناغم المثالى بين الأرضى والسماوى، الحسى والروحانى، المادى والمعنوى، الدنيوى والأخروى، البشرى والإلهى. كما أن فيه تأكيدا على أبعاد الصورة المثالية للجنة والتى يمكن أن تستقر فى العقل البشرى بمقاييس هذا العقل. وباعتبار الذهن الإنسانى ذهنا ماديا حسيا دنيويا، وباعتبار الجنة معنى غيبيا أخرويا، فيه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، أى ينطوى بالضرورة على اختلاف تكوينى لا يمكن للعقل، ولا للخيال الإنسانى، اختراق حجبه المادية، والإحاطة بمعانيه الغيبية الأخروية اللطيفة وتصورها وتجسيدها. فقوانين المادة الفاعلة فى المنظومة الطبيعية فى العالم، وانعكاسها الحسى على قوانين الذهن والمنطق العقلى، لا يمكنها بطبيعتها المادية هذه إدراك المطلق والإلهى والغيبى والأخروى.


لا ينفى ذلك استعانة البلاغة القرآنية بالوصف الحسى لتقريب الصورة المثالية للجنة، والتى لا يمكن إدراكها بالكامل وبتفاصيلها عقلا، بل تؤكد الاستعانة بالوصف الحسى للجنة، داخل هذا السياق التجريدى المثالى الجمالى، استحالة الوصف المادى لها. فكل الأوصاف الحسية الواردة للجنة فى سياقات القرآن الكريم، تأتى على قاعدة الوصف السريع والمشهدية الخاطفة، يستفاد منها فقط معانى الإيحاء والإشارة والتجريد، لا معانى الوصف المفصل والتجسيم الدقيق. ففى سورة محمد – آية 15 يقول تعالى: «مثل الجنة التى وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى».

ويلاحظ فى بداية الآية لفظة «مَثَل» التى تفيد بوضوح منحى التمثيل والترميز لا التشبيه والتجسيم فى الوصف، كما أن الوصف السلبى فيها يفيد المغايرة المطلقة دون أن يحدد النقيض الغيبى مستحيل التصور على الذهن: «ماء غير آسن ولبن لم يتغير طعمه». وفى سورة الزمر – آية 73 يقول: «وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين»، مشهد دخول جماعى وفتح أبواب ومرور بخَزَنَة مختصون يحمل إشارات الروعة والتعظيم.

وفى سورة الحج – آية 23 يقول تعالى: «جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير» ومركز الثقل الإيحائى والإشارى الظاهر فيها لفظة «يُحلون»، فلم تُقل يلبسون أو حتى يتزينون، فالجنة هى مكان تحلية النفس المؤمنة وتجليتها بكل بارق ونفيس.

وفى سورة الطور – آية 22 و23 يقول: «وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم» والفاكهة واللحم يفيدان انتفاء الحرمان فى الجنة بشكل مطلق، كما تنتفى معه كل أشكال اللغو والتحريم، وهو وضع لا يستطيع العقل تصوره مندرجا فى إطار قوانين العالم الدنيوى إطلاقا، خصوصا مع حضور التنازع بلا لغو ولا تأثيم.


على هذا المنوال إذن تكتمل صورة الجنة الرمزية والمثالية فى الوصف القرآنى، وعلى هذا المنوال تأتى بعض الأحاديث الصحيحة المنسوبة للرسول صلى الله عليه وسلم، غازلة على نفس المنحى الرمزى الإيحائى ومكملة للسياق التمثيلى الإشارى، فيقول الحديث النبوى فى وصف الجنة: «إن فى الجنة غرفا يرى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها، فقام أعرابى فقال: يا رسول الله لمن هى؟ قال: لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام».

ويبدو من سؤال الأعرابى الموجه للنبى إدراك مستمعيه من الصحابة والحاضرين للمغزى الرمزى فى كل أوصاف الجنة، فالسؤال لم يتناول كيفية ولا تفصيل الهيئة الغيبية المعجزة وعصية التصور فى صفة غرف الجنة، ولكنه اهتم بالطريق الخلقى الدنيوى إليها.


لكن -وعلى النقيض- يجد الناظر فى صورة الجنة كما تظهر لدى الفقهاء ومفسرى القرآن الكريم روح أخرى مختلفة ومنهج عكسى فى التناول، لا يكاد يكتفى بأن يخوض فى صور الجنة التى وعد بها المؤمنون غيبا على نحو تفصيلى عينى مدهش، كأن هؤلاء الفقهاء والمفسرين يتلقون وحيا من الوحى، ويتنزل عليهم غيبا من الغيب، بل ويعمدون إلى مخالفة صريحة صارخة للسمات العامة للخبر القرآنى عن الجنة، معارضة تصل إلى حد خرق انسجام الإيقاع التصويرى الكونى فى المنظومة القرآنية، وتشكيل جوقة من النشاز تعمل عبر الإفراط فى تجسيم تفاصيل وظلال صورة الجنة، والإغراق فى سرد قوائم بالمتع الحسية المتوفرة للمؤمنين فيها، مما يؤدى إلى نسف كل أثر للانسجام الراقى بين الجسدى والروحانى، والسفلى والعلوى، والمادى والروحانى فى الصورة القرآنية الأصلية. فيروى «الطبرى»، على سبيل المثال، فى تفسيره لسدرة المنتهى من قول «كعب»: «إنها سدرة -شجرة النبق- على رؤوس حملة العرش، وإليها ينتهى علم الخلائق، ثم ليس لأحد وراءها علم، ولذلك سميت سدرة المنتهى، لانتهاء العلم إليها».

دون أن يهتم «الطبرى» أو أحد السامعين والناقلين عن «كعب» بسؤاله عن مصدر «العلم» الذى لديه بهذا الأمر الغيبى المحفوف بالحجب الدنيوية، والغيب يستحيل العلم به لبشر إلا ما يخبر عنه الله بطريق الوحى، كما أن الحجب الدنيوية يستحيل على العقل البشرى اختراقها واستيعاب ما وراءها من معانى ورموز أخروية وروحانية خالصة.

اللهم إلا لو أدرجنا كلمات «كعب» نفسها فى نطاق العلم الغيبى الرمزى الإشارى الذى لا يمكن استيعابه بطريق الحس والعقل، وهو ما يعنى –أستغفر الله– الارتفاع بكلامه إلى مقام كلمات الوحى الإلهى.


أما الإمام جلال الدين السيوطى الذى صنف كتابا كاملا فى وصف الجنة بعنوان: «الدرر الحسان فى البعث ونعيم الجنان»، فيبلغ من القول فى أوصاف الجنة حدا يدفع القارئ لتخيل أنه سبق لبشر أن عاش فيها، ثم عاد ليحكى عما عاشه فيها، وإلا فما من طريقة أخرى لمعرفة كل هذه الأوصاف الدقيقة المستفيضة لكل شىء فيها حسب ما يحفل به كتابه من فقرات وسطور مدهشة.

إذ يأتى فيه مثلا: «ثم إن الله تعالى يسقى أهل الجنة يوم السبت من ماء الجنة ويوم الأحد يشربون من عسلها ويوم الإثنين يشربون من لبنها ويوم الثلاثاء يشربون من خمرها وإذا شربوا سكروا طاروا ألف عام حتى ينتهوا إلى جبل عظيم من مسك أصفر خالص يخرج السلسبيل من تحته فيشربون منه وذلك يوم الأربعاء، ثم يطيرون ألف عام حتى ينتهوا إلى قصر منيف وفيه سرر مرفوعة وأكواب موضوعة ويجلس كل واحد منهم على سرير فينزل عليهم شراب الزنجبيل فيشربون منه وذلك يوم الخميس، ثم يمطر عليهم غيم أبيض ألف عام جواهر يتعلق بكل جوهرة حوراء «حورية» ثم يطيرون ألف عام حتى ينتهوا إلى مقعد صدق وذلك يوم الجمعة، فيقعدون على مائدة الخلد فينزل عليهم رحيق مختوم بختام المسك فيكسرون ختامه ويشربون..!».

والواضح أن الإمام «السيوطى» فى الفقرة العجيبة السابقة بصدد برنامج إعاشة أسبوعى لأهل الجنة، وإن كان لم يخبرنا إن كان «بروجرام» متكررا، ولم يخبرنا أيضا بشىء عن إمكانية تصور تكراره للأبد! وبدون استغراق طويل فى هذا العالم الفقهى المثير من أوصاف الجنة، وهو عالم من طراز أدبى شرقى مثير للمخيلة، نصل إلى نتائجه التى كان أهمها تغييب ملامح الصورة القرآنية الغيبية السامية للجنة، بكل ما تحويه من تناغم بين الحسى والغيبى والبشرى والإلهى، لتسيطر الملامح المادية الحسية والشهوانية الدنيوية على كامل المشهد الغيبى الأخروى.


أما النتيجة الأخرى والظالمة للإسلام التى التمسها بعض من المستشرقين وغيرهم من هذا الاستغراق الحسى الفاحش فى أوصاف متع الجنة المادية وملذاتها، فهى أن السعادة الأبدية فى المفهوم الإسلامى غير متصلة بالذات الإلهية، كما عبر عن ذلك «لويس جاردت» و«ماسينيه» وغيرهما.

ورغم ما فى هذه النتيجة من ظلم لصورة الجنة بسماتها الرمزية المتناغمة فى المنظومة القرآنية، والتى تقدم شرحها، فإنها تعكس منهجا لا يفرق بين صورة النص الإلهى وانعكاسها فى الذهن المسلم والفقه الإسلامى، أو لا يفرق بين الإسلام والمسلمين.

وهى نتيجة لا يمكنها فى نفس الوقت تلمس الدافع الحقيقى وراء «تبيئة» الفقه الإسلامى لصورة الجنة، وإمدادها بتصورات دنيوية بشرية تزيل عنها كل صفة علوية أخروية وغيبية روحانية. فلم يكن هذا الدافع هو ميل حسى أو اندفاع شهوانى لصيق بالذهن الإسلامى أو بالطبع العربى كما قد تتصور النظرة العنصرية للأجناس والشعوب، لكنه كان الأثر اللازم عن إعادة إنتاج الصور القرآنية عبر العقل الفقهى الأصولى الذى حوّل مُثُل وأحكام الشريعة الإسلامية إلى لون من الميكانيكا الاجتماعية المادية، واستغرق فى تفاصيل وشروط ومتعلقاتها الجسدية، بلا علاقة تربطها بسمو ورقى وتعالى الجانب الإلهى فى التشريع الدينى. يصدق ذلك على صورة الجنة فى الفقه الإسلامى، تماما كما يصدق على أبواب أحكام الطهارة والنكاح فى هذا الفقه المولع بالفرعى والحكمى والتجزيئى والمادى، على حساب الكليات والمبادئ والروحانيات.

قد كان هذا الولع الحسى المادى التجسيمى وراء تشويه صورة الجنة كما أتى بها القرآن الكريم والوحى الإلهى، كما كان وراء كل ما نال وينال الدين حتى اليوم من جراء العملية الفقهية الطويلة المستمرة منذ القرن الثالث الهجرى إلى اليوم، عملية تحويل الدين الإلهى إلى ميكانيكا اجتماعية وأيديولوجية سياسية ونظريات اقتصادية.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات