.

«الثامنة مساء».. عن الحب والغواية ودائرة الانتقام التى لا تكتمل

Foto


مؤامرات لا تُكتمل وخطط تتعطَّل فى اللحظات الأخيرة.. عيون تترقَّب لحظة الانتقام ودقات قلوب تكاد تنخلع فرحًا بلذة النصر الذى يأتى بعد صراع مرير مع الكراهية فى صورها المتعددة.. هكذا باختصار نتلقى تفاصيل العرض المسرحى «الثامنة مساءً» للكاتبة ياسمين فرج والمخرج هشام علِى، والذى يعرض حاليًّا على مسرح الغد.

يندرج العرض ضمن فئة تراجيديا الانتقام، وهو نوع أدبى مسرحى تسعى فيه الشخوص للانتقام بسبب أذى تخيُّلى أو حقيقى وقع عليها، وقد عرف المسرحيون هذا النوع للمرة الأولى عام 1900 على يد «أشلى هوراس ثورنديك» الذى أطلق اللقب على فئة من المسرحيات التى كُتبت فى أواخر العصر الإليزابيثى.
من اسم العرض يتضح أن الزمن هو البطل الرئيس فى هذا العمل، فمع دقات الثامنة مساءً يبدأ العرض لنتعرف على «قاسم التهامى» الذى يستشعر أن نهايته ستكون مع دقات الثامنة مساءً، فيفتح الباب على مصراعيه أمام تفاصيل تتداعى أمامه وأمامنا، لنعرف السبب الرئيسى الذى جعله قعيدًا يعانى الشلل، بعدما أصبح أسيرًا للكرسى المتحرك الذى بات ملاذه عقب سقوطه من فوق الحصان.
يعانى قاسم المرض، ويعانى أيضًا الكراهية والقسوة، فقد سلبه الزمن كل معانى الحب، ولم يترك له سوى لعنة البغض والانتقام، وربما من هذا المنطلق وجدنا الشخوص المحيطين به يبادلونه نفس اللعنة، فزوجته الأولى تريد الانتقام منه لترثه، وهى تعانى صراعًا مريرًا بين حبها له ورغبتها القاتلة فى الاستيلاء على أمواله، أما الزوجة الثانية التى تدَّعى أنها عرجاء وأن أهل قريتها ينبذونها، لتصل إلى قلبه وتجعله يتزوجها، فهى تبحث عن الانتقام لوالدها الذى قتله قاسم التهامى عن طريق الخطأ، هناك أيضًا شقيق تلك الفتاة والذى يدير حسابات قاسم دون أن يدرى الأخير، هكذا يظن المتلقى، أنه ابن الرجل الذى قتله، والذى يبحث هو الآخر عن الثأر لوالده.
بمرور الوقت تتكشف الحقائق بعد صراعات ومخططات يصيغها الجميع للتخلص منه، وأمام لحظة الموت الحاسمة يفجر قاسم المفاجأة، ويكشف للكل تفاصيل مؤامراتهم التى حيكت ضده، بل وحقيقتهم أيضًا، فيعلن للفتاة التى ادَّعت العَرج أنه كان يساعد أسرتها دون أن تدرى كنوع من التكفير عن ذنبه، وأمام تلك الاعترافات يهجر الجميع قاسم التهامى تاركين الطاغية الذى كشف عن تطهره للتو يلقى نهايته على كرسيه المتحرك.
إننا أمام عرض مثير يحمل الكثير من التفاصيل النفسية المرهقة، التى تعكس مدى القلق والاضطراب الذى يسيطر على الشخصيات المتناحرة، لتحقيق الغاية المنشودة بالتخلص من القاتل، متناسين أنهم يمضون فوق طريق مخضب بالدماء لاستنساخ نفس الفعل بطرق مختلفة.
أبطال العرض قدموا مباراة تمثيلية رائعة، بداية من وفاء الحكيم الحاضرة بخبرتها وقدرتها على التنقل من حالة إلى أخرى وإبراز حالة الصراع الذى تعيشه بحثًا عن الانتقام فى الوقت الذى تجاهد فيه لتقتل فى نفسها أى ملمح حب لزوجها، وقد نجحت فى تصوير حالات الصراع تلك فى بساطة ورُقِى دون الحاجة إلى انفعالات مجانية أو صراخ وعويل بلا طائل كما نرى فى بعض التجارب.
كذلك برع محمد عبد العظيم فى دور الزوج القعيد الذى يعرف كل شىء ويصدر للآخرين جهله بما يحدث لكشف نيَّاتهم، أما لمياء كرم «الزوجة الثانية» أو «العرجاء» فقد جسَّدت شخصيتها بمنتهى الذكاء، وبدا أنها بذلت مجهودًا كبيرًا لتكون ملمة بكل التفاصيل.
أما مخرج المسرحية فقد نجح فى توظيف قاعة العرض بمسرح الغد وكان ذكيًّا فى تضييق المساحة حتى يشعر المتلقى أنه شريك ومتورط فى ما يحدث على الخشبة، وحتى يؤكد هذا الأمر استعان بالشاعر الشاب عبد الله حسن، ليلعب دور الراوى، فيخرج علينا بين المشهد والآخر ليلقى بعض القصائد والجمل الشعرية التى تشتبك مع أحداث التجربة.
هناك ديكورات العرض والتى حملت تفاصيل البيئة التى يدور بها العرض وتتجسد فى جدران خاوية ومحطمة كتعبير عن حالة الخواء التى تعيها الشخوص، وكيف أن رغباتها قد حطمت كل شىء وأصابت نفوسهم بالشروخ والجروح التى لا تندمل.
مشكلة العرض الرئيسية تكمن فى تخبُّط وتشوُّش بعض التفاصيل التى جاءت مجانية وبلا داعٍ، وأبرزها تحولات الشخصيات المحطية بالبطل والتى لم يسعف البناء الدرامى فى فهم أسباب تحولها، كذلك فكرة الاعتماد على لهجة الصعيد فى حوار الشخصيات والعامية المصرية فى لغة الراوى، الأمر الذى جعل المتلقى يشعر أنه يشاهد عملَين فى نفس اللحظة، وجعلنا نسأل عن السبب وراء عدم توحيد لهجة العرض، الأمر الثالث استخدام شاشة عرض ليقدم عليها رسمًا بالرمال دون أى داعٍ ودون أن يضيف جديدًا إلى العرض.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات