.

ثورة الزنج.. جدلية الدين والسياسة والمصالح!

Foto


لم تكن انتفاضة عادية، كلا.. ولم تكن ثورة وقتية أو عشوائية، بل كانت انفجارا كبيرا، وهزة عنيفة زلزلت أركان الدولة العباسية وكبار ملاك الأراضى بها؛ فقد دامت أحداثها وديناميكيتها لنحو خمسة عشر عاما، إذ بدأت فى عهد الخليفة المهتدى محمد بن الواثق سنة «255هـ / 869م»، ثم تتالى اشتعال أحداثها الجسام فى عهد الخليفة المعتمد «256 - 279 / 870 - 892» فى جنوب بلاد العراق.


وكُتب التاريخ الكلاسيكية لا تكاد تعطينا تفاصيل اجتماعية وسياسية قد أحاطت بتلك الثورة وظروف نشأتها وطبيعتها ومبادئها؛ فانصب جل اهتمامها برواية أخبار وتفاصيل المعارك الحربية بين الزنج والعباسيين، كما لم تنظر إليها إلا فى إطار أنها ثورة فارسية تروم هدم دولة الخلافة، وتفكيك عراها، كما نظرت إلى عناصرها نظرة دونية مغلفة بالعنصرية والطبقية والتشويه، على عادة هؤلاء المؤرخين ومن لف لفهم من المحدثين، الذين ما جعلوا للعاملين الاجتماعى والسياسى اعتبارا حال تأريخهم لتلك الثورات.


ولا ينبغى لمن يتصدى بالتحليل والتنظير لثورة الزنج أن يغفل جانبين على قدر كبير من الأهمية التى تجعل النتائج النهائية ذات صبغة موضوعية وتاريخية سليمة؛ أما الجانب الأول فهو الحالة الاجتماعية للزنوج أو العبيد فى العراق –موضع الثورة– فى ظل الدولة العباسية التى كانت تحكم باسم الإسلام، والجانب الآخر فهو الحالة الاقتصادية والتجارية -آنئذ- فى القرن الثالث، وتأثيراتها المختلفة على الأوضاع الاجتماعية المتباينة فى دولة الخلافة، وما كانت نظرات المؤرخين القدامى والمحدثين -فى تأصيل وتأريخ تلك الثورة، وغيرها من ثورات نشبت طوال التاريخ الإسلامى- نظرات قاصرات، غير موضوعية إلا لأنهم قد أغفلوا هذين الجانبين، اللذين أراهما جديرين بالاعتبار عند نظرتنا الحديثة إلى صياغة تاريخنا الإسلامى، والخروج به من دائرة النقل الآلى الجامد، والاجترار الحكائى الثيولوجى، والقوالب الجاهزة، والأحكام العنصرية المسبقة. ولسوف نتناول ثورة الزنج هاهنا بهدى من هذين الجانبين، لنتوصل إلى نتائج مغايرة تماما للنتائج المؤدلجة، التى زخرت بها جل كتب التاريخ، قديمها وحديثها، فباتت نظرتنا إلى أحداث ذلك التاريخ قاصرة شائهة!


كان الزنوج عبيدا مجلوبين من إفريقيا عبر اختطافهم واصطيادهم من مواطنهم وغاباتهم، ونشؤوا فى البلاد الإسلامية خصوصا العراق، التى كانت تزخر بمساحات شاسعة من أراضى الإقطاع التى تحتاج إلى العمالة الزراعية، والإقطاع هو أن يجعل الخليفة أرضا لشخص من الأشخاص فيملكها ويستغلها لصالحه، كما أن الأراضى السبخة ذات المستنقعات المحيطة بالبصرة كانت بلا مالك لها، مما دفع الموسرين إلى التفكير فى استصلاحها وتخصيبها لتكون خالصة لهم كما هى الحال فى الفقه الإسلامى، الذى ينص على أن «من أحيا أرضا مواتا فهى له»، لكنهم وجدوا أن تلك الأراضى ذات التربة الملحية الثقيلة المتشققة تحتاج إلى مجهود كبير، وأيد عاملة كبيرة، ذات بأس وقوة لتحمل الظروف المناخية والجغرافية لها، ففكروا بالتوسع فى جلب الآلاف من العبيد السود «الزنوج» للعمل باستصلاح تلك الأراضى السبخة، والإفادة من قوتهم وشدة تحملهم لإنجاز ذلك العمل الذى سيجعل إقطاع الأغنياء يزداد حينا بعد حين، وما ينتج عنه بعد ذلك من تباين اقتصادى واجتماعى خطير؛ ذلك أن الثروة قد تركزت فى يد ثلة من الإقطاعيين المقربين إلى دولة الخلافة، وبعض القادة العسكريين الذين حازوا تلك الثروات الطائلة، والأراضى الشاسعة بفعل الولاء المطلق للخليفة، وامتلاك عدد كبير من الزنوج الذين يعملون بأراضيهم قهرا وعسفا، وبدون أجر سوى ما كان يوزع عليهم من طعام شحيح غليظ، قوامه السويق والتمر، فإذا عرفنا أنهم كانوا يبيتون لياليهم فى أكواخ حقيرة، أو ينامون فى العراء صيفا وشتاء، بما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض والأوبئة، أدركنا ما كانوا يعانونه من الإقطاع والعسكرتاريا، كما أدركنا أية ظروف سيئة كانوا يعيشون فيها. [ثورة الزنج لفيصل السامرائى: ص 29 – 32، طـ 2، دار المدى].


أما «صاحب الزنج»، ومفجر الثورة وقائدها، فهو على بن محمد، وهو شخصية لا تجد اتفاقا بين المؤرخين، القدامى منهم والمحدثين، على صحة نسبه، خصوصا أنه كان قد غير نسبه غير مرة تبعا للظروف، ومسايرة لأهواء الناس وتفضيلاتهم؛ فانتقل من أحمد بن زيد إلى أحمد بن محمد بن زيد، ثم يحيى بن زيد بن على. ويشير ابن أبى الحديد إلى أن أكثر الناس يقدحون فى نسبه خصوصا الطالبيين، وجمهور النسابين اتفقوا على أنه من عبد القيس. [شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد: 8/311 – 312، مصر 1281هـ]، لكن أبا على بن مسكويه «ت 241 هـ» يؤكد نسبه، فيقول: «هذا الرجل مولده بقرية من قرى الرى يقال لها ورزنين وقد شك قوم فى نسبه، وسمعت من لا أرتاب بخبره أنه صحيح النسب، وهو على بن محمد بن أحمد بن على بن عيسى بن زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب عليهم السلام» [تجارب الأمم وتعاقب الهمم: 4/397، ط سروش بطهران]، وإننا لنجد طائفة كبيرة من المؤرخين كالطبرى، وابن كثير، وابن الطقطقى يقدحون فى نسبه العلوى، ويؤكدون أنه ادعاه لجذب العوام إلى دعوته، واستجداء نصرتهم باسم حب آل بيت النبى «ص»، وأنا أكاد أجزم معهم أنه بالفعل قد ادعى ذلك النسب، بدليل أنه قد غير بنفسه من ذلك النسب كلما تغيرت وتبدلت الأحوال، وكلما انتقل من مكان إلى مكان، لذا لم أجد –كباحث– حرجا فى نفى نسبه العلوى، وتكذيبه فى انتحاله إياه مع من كذبه، يقول ابن خلدون فى تاريخه [3/376 – 377]: «كان أكثر دعاة العلوية الخارجين بالعراق أيام المعتصم وما بعده أكثرهم من الزيدية، وكان من أئمتهم على بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد الشهير».


ويبدو من تتبع أخبار على بن محمد أنه كان يتطلع بتوثب وتحفز إلى أن يتسنم مركزًا قياديا فى الدولة العباسية، كما أنه كان على جانب كبير من الثقافة الواسعة، والاطلاع على الأحوال النفسية للمخاطبين الذين يروم استمالتهم إلى دعوته، فقد عرف عنه أنه كان شاعرا فى بداية حياته، فكان يتكسب من شعره، كما أنه بذل مجهودا جبارا فى سبيل نشر دعوته من خلال ارتحاله إلى أكثر من مكان، فتنقل بين البصرة وبغداد بالعراق، والأحساء وهجر بالبحرين وغيرها من البلدان، واكتسب بينهم شعبية ومكانة كبيرة «وقد كان أهل البحرين أحلوه من أنفسهم محل النبى، حتى جبى له الخراج هنالك ونفذ حكمه بينهم» [تاريخ الطبرى: 9/410، ط دار التراث – بيروت]، ولعل ذلك هو ما دفع بعض المؤرخين إلى القول بأنه قد ادعى معرفة الغيب، وإتيان المعجزات، بل تمادى بعضهم فادعى أنه ألف قرآنا [ابن أبى الحديد: 8/315]، وأنا لا أرى فى ذلك إلا تزيدا من هؤلاء المؤرخين الذين حاولوا إضفاء نزعة عنصرية وكفرية على دعوته لمجرد أنه خرج على دولة الخلافة، فلم يجدوا حرجا من اتهامه بتهم شتى، ونعته بنعوت خبيثة، فهذا ابن كثير –مثلا– يقول: «صاحب الزنج قبحه الله»، و«الخبيث صاحب الزنج» [البداية والنهاية: 11 / 24، 49]، وهى نعوت لا ينبغى أن تجرى على لسان المؤرخ الموضوعى، أما وإنها قد جرت على ألسنة القدماء، فهذا يقدح فى رؤيتهم لتلك الثورة وصاحبها، ويشكك فى نقولهم وتأريخهم.


ومما يدل على أن صاحب الثورة قد خبر الوضع الاجتماعى والاقتصادى، فضلا عن السياسى أنه نظر بعينه الثاقبة فوجد أن مصلحته وأحلامه الكبار ستتحقق على أيدى الزنوج الأشداء الذين يعملون فى أراضى العسكرتاريا ويتجرعون مرارة الظلم والقهر، فاتصل بهم، واستمالهم بلسانه الذلق، بعد إذ مناهم بتغير الأحوال وانصلاحها؛ فتجمعوا حوله وبدؤوا الثورة معه فى يوم الإثنين 26 رمضان 255 هـ (869م) [الآثار الباقية للبيرونى: ص332، ط ليبسك 1878م].


ويشيع جل المؤرخين أن هدف الثورة الحقيقى كان هو السلب والنهب واغتصاب النساء وغير ذلك من جرائم لا ننكر أن طائفة من الزنوج قد ارتكبوها بفعل ضغوط نفسية واجتماعية فرضت عليهم فى مستعمرات العمل بأراضى السباخ بالبصرة، تحت وطاة الحرمان من كل متع الدنيا، لكننا فى الوقت نفسه نرفض أن تكون تلك الجرائم هى المحرك الرئيسى للثورة؛ بدليل أن دولة الزنج استمرت لنحو خمس عشرة سنة، فأقامت عاصمة لها سميت المختارة، وأسست نظاما إداريا وماليا، تضيق تلك المقالة بشرحه، ويكفى أن نذكر أنه قد وجدت قطعتان نقديتان ذهبيتان للزنج، إحداهما ترجع إلى عام 261 وموجودة بالمتحف البريطانى، والأخرى ترجع إلى عام 264 وموجودة بباريس [فيصل السامرائى: 168].


لقد كانت ثورة الزنج هزة عنيفة لأرباب رأس المال، وكبار ملاك الأراضى الذين كانوا متحكمين فى أدوات الإنتاج، كما كانت هزة عنيفة للخلافة العباسية لأنها عطلت كثيرا من مواردها الزراعية والإنتاجية والتجارية بفعل الضربات التى تلقتها من الزنوج، ولعل سيطرة الزنج على البصرة كميناء حيوى للدولة العباسية ليعد دليلا على ما أحدثه أولئك الزنج من تدمير للتجارة الداخلية والخارجية آنذاك، بما جعل الدولة العباسية تصر إصرارا كبيرا على مجابهتهم دون هوادة ولو طال الزمن حتى سقطت عاصمتهم المختارة بعد حصار الموفق، أخى الخليفة المعتمد، لها من 267 إلى 270هـ، وساعد الجيش العباسى على ذلك حصاره الطويل لعاصمة الزنج وكذا تدفق أموال الإقطاع وأرباب المال على الجنود والقواد الذين استماتوا فى قتال الزنج وقائدهم حتى أسقطوا عاصمته وقتلوه ذبحا، وحملت رأسه إلى الموفق ففرح وسر سرورا جما حتى إنه خر ساجدا حين رأى رأس صاحب الزنج، يقول الطبرى [9/659]: «وانتهى الموفق إلى نهر أبى الخصيب، فوافاه البشير بقتل الفاجر، ولم يلبث أن وافاه بشير آخر ومعه كف زعم أنها كفه، فقوى الخبر عنده بعض القوة ثم أتاه غلام من أصحاب لؤلؤ يركض على فرس، ومعه رأس الخبيث، فأدناه منه، فعرضه على جماعة ممن كان بحضرته من قواد المستأمنة، فعرفوه. فخر لله ساجدا على ما أولاه وأبلاه، وأمر الموفق برفع رأس الفاجر على قناة ونصبه بين يديه، فتأمله الناس وعرفوا صحة الخبر بقتله، فارتفعت أصواتهم بالحمد لله».


ولا أبالغ إذا قلت: إن ثورة الزنج كانت من أكبر الثورات التى تلاقى فيها الدين بالسياسة والمصالح بالطبقية؛ لقد أراد على بن محمد إقامة دولة منظمة تجابه دولة العباسيين، وحاول أن يقيم نظاما اجتماعيا وسياسيا قائما على المساواة وعدالة توزيع الثروات، مستغلا الزنج وقوتهم فى سبيل تحقيق ذلك. وقبل إرادته تلك، كان يطمع فى بناء مجد شخصى له عبر زنوج فقراء، فكان له ما أراد حتى دفع رأسه ثمنا لذلك المجد بعد خمس عشرة سنة من المغامرات!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات