.

صراع الأحاديث النبوية فى الفتنة الكبرى

Foto


يعد أبو هريرة أكثر رواة الحديث بين صحابة النبى رغم أنه أمىّ، فقد قال هو نفسه فى حديث رواه: «ليس أحد من أصحاب الرسول أكثر حديثا عن الرسول منى إلا عبد الله بن عمرو بن العاص فإنه كان يكتب وكنت لا أكتب»، وفى رواية: «ما كان أحد أحفظ لحديث رسول الله منى إلا عبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه كان يعى بقلبه وأعى بقلبى، وكان يكتب وأنا لا أكتب، استأذن رسول الله فى ذلك فأذن له»، وهذا يعنى أنه كان يحفظ الأحاديث ثم يرويها شفاهة، مما يجعلها عرضة للتحريف حسب المنطق.

 

والأكثر غرابة أنه روى حديثا يحرم رواية الأحاديث! فتحت رقم 10882 فى مسند أحمد جاء نصا: «عن أبى هريرة، قال: كنا قعودا نكتب ما نسمع من النبى، فخرج علينا، فقال: «ما هذا تكتبون؟»، فقلنا: ما نسمع منك، فقال: «أكتاب مع كتاب الله؟»، فقلنا: ما نسمع، فقال: «أكتاب غير كتاب الله؟ أمحضوا كتاب الله وأخلصوه»، قال: فجمعنا ما كتبنا فى صعيد واحد، ثم أحرقناه بالنار».


وقد عاش أبو هريرة ثمانية وسبعين عاما، رافق النبى خلالها ثلاث سنوات روى عنه ما روى من أحاديث، ثم إنه تقلد بعض المناصب، ففى زمن عمر بن الخطاب حين ولى قدامة بن مظعون إمارة البحرين، أرسل معه أبا هريرة على القضاء والصلاة، وهى شهادة من الفاروق بما يملك من العلم، ثم ولاه معاوية بن أبى سفيان على المدينة المنورة، فكان يحمل الحطب ويسير فى الأسواق قائلا: «أفسحوا للأمير» للاستهزاء من الأمراء الذين يتكبرون على الرعية. هذه الولاية سبب فى ما يقال من أنه استخدم الأحاديث النبوية فى الفتنة الكبرى لمصلحة الأمويين، وضد على بن أبى طالب ليصور للناس أن الرسول فى صف معاوية.


ففى «شرح نهج البلاغة» لابن أبى الحديد، عن الأعمش قال: «لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة، جاء إلى مسجد الكوفة، فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه، ثم ضرب صلعته مرارا، وقال: يا أهل العراق: أتزعمون أنى أكذب على الله وعلى رسوله، وأحرق نفسى بالنار! والله لقد سمعت رسول الله يقول: إن لكل نبى حرما، وإن حرمى بالمدينة، ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وأشهد بالله أن عليا أحدث فيها»، وقيل إن معاوية ولاه على المدينة بعد هذا الحديث.


وورد فى الكثير من كتب السيرة أن أبا هريرة كان يمدح الأمويين كثيرا، منذ عثمان بن عفان، وينسب الأحاديث لرسول الله فى تكريمهم، وقيل إنهم كانوا يغدقون عليه لقاء ذلك، ففى «البداية والنهاية» لابن كثير ج7 ص243 يقول: قال الواقدى: حدثنا ابن أبى سبرة عن سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة قال: لما نسخ عثمان المصاحف دخل عليه أبو هريرة فقال: أصبت ووفقت، أشهد لسمعت رسول الله يقول: إن أشد أمتى حبا لى قوم يأتون من بعدى يؤمنون بى ولم يرونى، يعملون بما فى الورق المعلق، فقلت: أى ورق؟ حتى رأيت المصاحف، قال: فأعجب ذلك عثمان وأمر لأبى هريرة بعشرة آلاف، وقال: والله ما علمت أنك لتحبس علينا حديث نبينا صلى الله عليه وسلم. والإشارة إلى «حبس» أحاديث النبى وإظهارها فى المناسبات واضحة لاستخدام الأحاديث لأغراض وقتيّة، كما أنها توافق هوى من تقال أمامه، أو تقال له فيعلم، ثم يتبعها إغداق على الرجل بالمال والمناصب.


وفى كتاب «أمالى ابن بشران» الحديث رقم 12 ورد أن أبا هريرة استأذن عثمان فى الكلام فأذن له، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: سمعت رسول الله يقول: إنكم ستلقون بعدى فتنة واختلافا -أو قال: اختلافا وفتنة- فقال له قائل من الناس: فمن لنا يا رسول الله؟ فقال: عليكم بالأمين وأصحابه، وهو يشير بذلك إلى عثمان رضى الله عنه. وفى كتاب «المستدرك على الصحيحين» عن أبى هريرة قال: دخلت على رقية بنت رسول الله وفى يدها مشط، فقالت: خرج رسول الله من عندى آنفا، رجلت رأسه، فقال لى: كيف تجدين أبا عبد الله؟ -يقصد عثمان- قلت: بخير، قال: أكرميه، فإنه من أشبه أصحابى بى خلقا.

ويقول «الحاكم» معقبا: هذا حديث صحيح الإسناد واهى المتن، فإن رقية ماتت سنة ثلاث من الهجرة عند فتح بدر، وأبو هريرة إنما أسلم بعد فتح خيبر! وهو ما يوضح استخدام الأحاديث فى الصراع للأغراض والهوى.


وفى «البداية والنهاية» أيضا، ج8 ص126: «وقال الشافعى: قال أبو هريرة: رأيت هندا بمكة كأن وجهها فلقة قمر، وخلفها من عجيزتها مثل الرجال الجالس، ومعها صبى يلعب، فمر رجل فنظر إليه فقال: إنى لأرى غلاما إن عاش ليسودن قومه، فقالت هند: إن لم يسد إلا قومه فأماته الله، وهو معاوية بن أبى سفيان»، فى حين أن أبا هريرة لم يأت المدينة إلا سنة سبع للهجرة، وكان معاوية عند فتح مكة رجلا، وهناك أحاديث أخرى يضيق المجال عن ذكرها.


والحقيقة أن جانب على بن أبى طالب استخدم الأحاديث النبوية كذلك للتدليل على صحة موقف علىّ وصحبه، وخطأ موقف معارضيه من الأمويين ومناصريهم، ومنها الحديث الذى ورد فى صحيح البخارى ومسند أحمد وسنن الترمزى وشروحهم، عن عكرمة قال: قال لى ابن عباس ولابنه على انطلقا إلى أبى سعيد فاسمعا من حديثه، فانطلقنا فإذا هو فى حائط يصلحه، فأخذ رداءه فاحتبى، ثم أنشأ يحدثنا حتى أتى ذكر بناء المسجد، فقال: كنا نحمل لبنة وعمار -ابن ياسر- لبنتين، فرآه النبى، فينفض التراب عنه ويقول: ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، قال: يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن.


أهمية الحديث أن عمار بن ياسر قتله جيش معاوية بالفعل فى معركة صفين، ويقول الحافظ ابن كثير فى شرح الحديث إنه من دلائل النبوة، حيث أخبر الرسول عن عمار أنه ستقتله الفئة الباغية، وقد قتله أهل الشام فى صفين، وعمار مع على وأهل العراق، وقد كان علىّ أحق بالأمر من معاوية.

وفى مسند أحمد رقم 6502 عن حنظلة بن خويلد العنزى قال: بينما أنا عند معاوية إذ جاءه رجلان يختصمان فى رأس عمار، يقول كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال عبد الله بن عمرو: ليطب به أحدكما نفسا لصاحبه، فإنى سمعت رسول الله يقول: تقتله الفئة الباغية. قال معاوية: فما بالك معنا؟ قال: إن أبى شكانى إلى الرسول فقال: أطع أباك ما دام حيا ولا تعصه، فأنا معكم ولست أقاتل.


«أرجو أن تلاحظ فى هذا الحديث أن قتلة عمار فصلوا رأسه عن جسمه، وتسابقا فى نسب الفضل إليهما، وعمار هو من هو فى الإسلام، وكأن قطع الرؤوس والتمثيل بالجثث كانا مما يتباهى به وقتها!»
كما ورد فى «شرح الأخبار» ج1 ص410 أن رسول الله قال: إن الله قد ملأ قلب عمار وسمعه وبصره إيمانا، لا يعرض عليه أمر حق إلا قبله، ولا أمر باطل إلا رده، تقتله الفئة الباغية وآخر زاده من الدنيا ضياح من لبن، وقاتلاه وسالباه فى النار.

وقد روى أن أصحاب عمار أتوا له بشربة لبن وهو فى صفين فأخذ يضحك، فسألوه عما يضحكه، فقال: إن رسول الله قال إن آخر ما سأشربه اللبن، وقتل بعدها.


كل تلك الأحاديث المتضاربة والتى شكك الأقدمون أنفسهم فى صحتها واردة فى البخارى ومسلم والترمزى ومسند أحمد وغيرها من الكتب التى نأخذ عنها ديننا الآن، حتى الحديث الذى يحرم الأحاديث مروى فيها بسند صحيح وهو ما يدعونا للحيرة بالفعل، وللتأمل والتدبر والحذر، فليس كل ما ورد فى تلك الكتب صحيحا وإلا كنا أمام تناقض لا يمكن فهمه ولا تبريره.
 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات