.

فى حضرة الألمان.. هل بقى للدولة التونسية «هيبة»؟

Foto


لا يخفى على تونسى عايش فترة حكم الرئيس السابق محمد المنصف المرزوقى، أن أكثر الانتقادات التى كانت توجهُ إلى الرجل قد اختصرها أصحابها فى عنوان واحد، ألا وهو (غياب هيبة الدولة).. فلقد حُررت فى هذا الخصوص مئات المقالات ودُونت آلاف النصوص على منصات التواصل الاجتماعى، انتقد من خلالها هؤلاء (الهيبة المفقودة) للرجل، وما تُلقيه من ظلال على (صورة الدولة) التى يمثلها فى الداخل والخارج..


ربما قد انخفضت حدة تلك الأصوات الناقدة، فى عهد الرئيس الحالى للجمهورية التونسية الباجى قائد السبسى، رغم تكرار أخطائه الاتصالية وتعدد أشكالها، ناهيك بـ(الرسائل المفخخة) التى يفجرها فى تصريحاته من حين لآخر، إلا أن حضوره فى قمة العشرين المصغرة للشراكة مع إفريقيا فى ألمانيا، قد حركت المياه الراكدة وصدّرت فى الواجهة من  جديد مسألة (هيبة الدولة).


هذه الهيبة (الهلامية) الضائعة بين خلافات رؤوس السلطة التنفيذية من جهة و الزعامة (المغشوشة) لرئاسة الجمهورية من جهة أخرى.

 

رئيس البلاد يبثّ الرعب فى نفوس العباد
كان تصريحُ رئيس الجمهورية من برلين، قُبيل انطلاق قمة العشرين بيوم، صادمًا ومخيفًا إلى حد الريبة.. كيف لا وهو الذى علَق على التفجير الانتحارى الذى جدَّ فى شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة التونسية، قائلًا: «ظنينا إلى أحنا قضينا على الإرهاب لكن فى الحقيقة إن شاء الله هُو ما يقضيش علينا»، وأضاف «ظننا أننا انتهينا من مكافحة الإرهاب فى المدن وما زال فقط فى الجبال لكن العملية أثبتت غير ذلك».


يبشّر الرئيس المُفدى إذن بأن الإرهاب قد يقضى "علينا" نحن التونسيين الذين ذُقنا ويلاته منذ أن قرَّرنا إنهاء زمن الاستبداد، والمُضى قدمًا فى طريق الانتقال الديمقراطي. تصريحات فاقدة لحسّ المسؤولية ونابعة عن جهل تام بما ستخلفه من آثار فى نفوس التونسيين.


فعلى الرغم من أن العملية الانتحارية المذكورة قد أودت فقط بحياة منفذتها ولم ينجر عنها خسائرُ مادية أو فى الأرواح، فإن السبسى أراد أن يقول للإرهابيين: نعم لقد نلتم منا ونجح مخططكم الرامى لتخويفنا وترهيبنا.


أليس من الغريب أن يخرج القائد الأعلى للقوات المسلحة من شرفة الاغتراب المؤقتة بألمانيا فى ثوب المهزوز والضعيف، فاقد السيف والقوة، يوحى لك ببساطة بأن الوضع الأمنى للبلاد التونسية قد بلغ درجة من الخطورة والتعقيد تتجاوز كل التوصيفات التى تمدنا بها وزارة الداخلية ووسائل الإعلام على حد سواء.


هل يحارب الرئيس الإرهابَ بـ(الظنّ)؟ (ظننا) كرّرها مرتين فى جُملتين مُتتاليتين، وهو تكرار توكيدى إذن، يفيد تأكيد المعانى وترسيخها. لقد أراد أن يخبرنا (المُحتكر الحصرى لهيبة الدولة) أن البلاد وشؤون العباد قد تُدار سوية بالظن.. وليس بمعلومات دقيقة وتقارير مؤكدة واستراتيجيات استباقية. وهنا نطرح تساؤلًا عن مدى اطلاعه على مستجدات وحاجيات المؤسسات التى يرأس، بحكم قيادته لها، ألا يندرج تصريحه فى إطار المساس بهيبة الدولة المرتعشة أصلًا؟

 

بين تونس وألمانيا تتعارض تصريحات الرئيس
فى حوار تليفزيوني سابق بُث على شاشة (الحوار التونسى)، طالب السبسى رئيسَ الحكومة، يوسف الشاهد، بالرحيل والاستقالة، أو عرض نفسه وحكومته على جلسة تصويت بالثقة فى مجلس نواب الشعب، وقال فى هذا السياق: (إن الشاهد يتحمل المسؤولية فى الأزمة السياسية الراهنة فى تونس). لكن تصريحاته اليوم على قناةDw) ) الألمانية جاءت مخالفة لذلك، مؤكدًا أنه هو مَن اختار الشاهد لقيادة الحكومة وأنه لا يزال  مقتنعًا بأدائه، ولم يكتفِ بذلك بل ذهب بنعته (ابنى) فى إشارة إلى أن كل التونسيين أبناؤه وليس حافظ السبسى فقط بل الشاهد أيضًا.


ناهيك بتصريحه للقناة الوطنية الأولى (للتليفزيون الرسمى التونسيّ) الذى حمّل فيه مسؤولية عودة الإرهاب لكل الأطراف السياسية الفاعلة فى المشهد التونسي.

إذن فخطاب الرئيس فى الخارج جاء وكأنه على قياس مَن يتابع من غير التونسيين، يوحى بأن وضع الانتقال الديمقراطى التونسى هادئ وليس هناك صراع حقيقى على السلطة بين شقى عائلة الرئيس وعائلته الحزبية وأنه ما من تجاذب خطير بين طرفى اليمين.

رسالة ربما أراد بها السبسى كسب نقاط إضافية فى إطار الوجود فى قمة إفريقية بغية تعزيز الاستثمار والتعاون، لكن هذه الرسالة هل ستجد طريقها والوضع فى تونس مكشوف إلى حد مرعب؟!

أحكام السن وتضخم الأنا.. كلتاهما أحرجتا الرئيس
خلال نفس اللقاء التليفزيونى على شاشةDw  الألمانية، لم توجه المذيعة  السؤال للسبسى بطريقة مباشرة، بل طلبت رأيه (متى تعتقدُ أنّ القائد العربى عليه أن يعتزل السياسة؟)، لكنه أبى إلا أن يُورط نفسه طامعًا فى الظهور كبطل، معلنًا زهده المزيف فى السياسة والسلطة مجيبًا عن السؤال بـ(أنا مستعد لفعل ذلك).
إلا أن المحاورة هزمته بسؤال: متى؟ عندها تهرب من الإجابة، قائلًا: (هذه قضية أخرى.. عند الله تلتقى الخصوم).


وهنا وضع السبسى نفسهُ فى مأزق ربما برهنَ من خلاله حجم  تضخم الأنا والرغبة الجامحة فى البروز فى شكل الزعيم الزاهد فى ما تبقى له من مسيرته السياسية. كما أن عجزه عن تحديد موعد الاعتزال دليل واضح على أنه لم يفكر به يومًا، وإلا قد تكون إجابته مغايرة لـ(عند الله تلتقى الخصوم).


أى أن اللا وعى عند الرئيس قد تحدّث بصراحة مطلقة دون قيد عقلى أو تلعثم خارجيّ، وأكّد أن صاحبه يستعبدُ تمامًا فكرة اعتزال العمل السياسي، رغم توفر بعض العوامل المساعدة، كتقدم السن مثلًا وحالته الصحية، التى لا يزال التونسيون يجهلونَ إلى حد اللحظة تفاصيلَ خباياها.

وبعيدًا عن تضخم الأنا انتشرت صورة أخرى عن (هيبة الدولة الضائعة) على صفحات الجرائد الألمانية والعالمية، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، برز فيها الرئيس خالعًا معطفه، مرتبكًا وهو يهمّ بالدخول لقاعة انعقاد القمة الإفريقية- الألمانية، علاوة على فيديو يظهر شدة التعب التى انتابته من طول الوقوف إلى جانب القادة الموجودين فى القمة.

ربما الإشكال لا يكمن فى الصورة أو الفيديو، بقدر ما تبرزه من رسائل رآها البعض أنها أدلة واضحة على العجز المعنوى للرئيس على مجابهة مهام الرئاسة وأن أحكام سنه قد تضعه فى مواقف محرجة، هو ودولته ومواطنوه فى غنى عنها، لا سيما مع المطاردة الشرسة لعدسات المصورين الباحثين عن صيد ثمين مشابه.


إن العديد من الدول الصغرى والفقيرة فى العالم قد صنعت هيبة لها ولشعوبها عبر صون أراضيها من الاستعمار والإرهاب وتوفير اكتفائها الذاتى من المواد الأساسية، وتحقيق فائض فى موازينها التجارية، بعيدًا عن صرف ملايين الدولارات على الحملات الدعائية الفاشلة أو (البروباجاندا) الغبية التى أسقطت حكومات ومنحت الحكم لعصابات.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات