.

الزندقة.. تصفية المعارضة السياسية باسم الإسلام

Foto


فى التاريخ الإسلامى، محطات فارقة يقف الباحث عندها بشىء من التدقيق، لاستكناه أحداثها، وتحقيق ما وراء معطياتها السياسية والاجتماعية على التحديد، وقد يعترى البحث –وقتئذ– صعوبات شتى، بفعل الصياغات الكلاسيكية للتاريخ الإسلامى، وتباين الروايات والأخبار التى ضمنها المؤرخون القدماء كتبهم، لكن فى النظرة الكلية الشاملة للحدث التاريخى ما قد يسهم إسهاما كبيرا فى تجلية المواقف المختلفة، والأحداث الكثيرة المتباينة التى صيغت قديما وفق رؤية المؤرخ السوسيو – سياسية لا غير، ومن فرط ثقتنا بكل ما هو قديم سالف، نقلنا ورددنا دون إخضاع ما نقلناه إلى الوعى الناقد، ودون إخضاع ما رددناه إلى منهجية البحث العلمى الموضوعى، القائم على الحقيقة والصدق، لا الوهم والكذب.


ويأتى مصطلح «الزندقة»، فى رأيى، على رأس تلك المحطات التاريخية الفارقة؛ إذ إن تاريخ الزندقة المرتبط والمشتبك بالدولة الإسلامية، خصوصا دولة العباسيين، لما يزل غامضا حتى الآن، وجل الكتب التاريخية والأدبية القديمة، بل الحديثة تناولته بشىء من التسطيح والنظرة القاصرة غير الموضوعية، التى لا تكتمل أركانها لتؤسس منهجا علميا صحيحا، يغنى عن الوهم والعبث والثرثرة التاريخية التى لا طائل تحتها، ولعل ارتباط مصطلح الزندقة بأديان وثقافات وأعراق دخيلة على البيئة الإسلامية هو ما أضفى عليه ذلك الغموض، فضلا عن ارتباطه بالسياسة العليا للدولة والخلافة الإسلامية آنئذ، بما جعل الخليفة العباسى «أبو عبد الله محمد المهدى» يأمر بإنشاء ديوان باسم «ديوان الزنادقة» ليتولى القائمون على أمره تتبع المتهمين بالزندقة، والتجسس على غيرهم باسم الغيرة على الإسلام والذب عن عقيدته، حيث «جد المهدى فى طلب الزنادقة والبحث عنهم فى الآفاق وقتلهم» [المنتظم فى تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزى: 8/287، طـ دار الكتب العلمية، بيروت، 1992]، كما أوصى ابنه الهادى بتعقبهم، ولم يكن ديوان الزنادقة فى حقيقة الأمر سوى أداة «بوليسية» تطارد أولى المعارضة، ومن لا ينضوون تحت راية العباسيين، خلف ستار محاربة الزندقة والدفاع عن الإسلام، وهى نزعة نفسية نجدها واضحة لدى الخليفة المهدى، ولعل تحليلا سيكولوجيا لشخصية ذلك المهدى قمينٌ بتبيان نزعته تلك؛ ففى تاريخ ابن كثير «المتوفى: 774هـ» سطر واحد يدل على نزوع المهدى إلى الكذب على الناس، والادعاء عليهم بأنه حريص على الإسلام والدفاع عن عقيدته من الملحدين الزنادقة، بينما هو غير ذلك حتى إنه لقب نفسه بالمهدى ليسبغ حوله هالة من القداسة فيعتبره الناس مهدى آخر الزمان الذى سيملأ الأرض عدلا بعد إذ ملئت جورا، يقول ابن كثير: «وتلقب بالمهدى طمعا أن يكون هو المذكور فى الأحاديث فلم يكن به، ولا تم له ما رجاه ولا تمناه» [البداية والنهاية: 10/90، طـ دار إحياء التراث العربى 1988]، وكان له ما أراد؛ فانطلت أعماله فى تتبع الزنادقة وقتلهم صلبا على كثير من المؤرخين على الرغم من اعترافهم بفساد أخلاقه ولهوه وميله إلى العبيد والغلمان، حتى إن شمس الدين أبا عبد الله الذهبى «المتوفى: 748هـ» يقول عنه: «والمهدى كغيره من عموم الخلائف والملوك، له ما لهم، وعليه ما عليهم، كان منهمكا فى اللذات واللهو والعبيد، ولكن مسلمٌ خائفٌ من الله، قد تتبع الزنادقة وأباد خلقا منهم» [تاريخ الإسلام: 10/246، طـ المكتبة التوفيقية].


وتكاد تجمع المصادر العربية والأجنبية على أن كلمة «زندقة» لفظة فارسية، فالمسعودى يحدد ظهور هذه الكلمة بعهد «مانى» وإليه أضيف الزنادقة، وذلك أن الفرس أتاهم «زرادشت» بكتاب يسمى «البستاه» وعمل له تفسيرا سماه «الزند» وعمل لهذا التفسير شرحا سماه «البازند» فكل من عدل عن «البستاه» إلى «الزند» وشرحه «البازند» قالوا عنه: «زندى»؛ لأنه مؤول ومنحرف عن الظاهر من المنزل، فلما أن جاءت العرب أخذت هذا المعنى عن الفرس وقالوا: زنديق [مروج الذهب: 1/ 250- 251]، وقد أطلقت تلك الكلمة فى المحيط العربى على أصناف متعددة كمعتنقى مذهب «مانى»، كما أطلقت على أهل المجون والخلاعة والمعازف والرقص، ووجد كثير من أهل الحديث والسلف النصيين من ينعت المعتزلة بالزنادقة لمجرد أنهم يستخدمون العقل فى إقرار العقائد ويقولون بخلق القرآن، لذلك يرى أحمد أمين أن الزندقة لم يكن معناها واحدا عند الناس على السواء؛ فمعناها فى أذهان الخاصة والعلماء غير معناها فى أذهان العامة، ويستخلص بعد بسط القول فى توضيح ذلك أن الزندقة على معانٍ أربعة:


1- التهتك والاستهتار والفجور من تبجح فى القول يصل أحيانا إلى ما يمس الدين، ولكن قائله لم يقله عن نظر، وإنما قاله عن خلاعة ومجون.


2- اتباع دين المجوس، وخصوصا دين «مانى» مع التظاهر بالإسلام كالذى اتهم به الأفشين والذى اتهم به بشار وحماد بن المقفع.


3 - اتباع دين المجوس، وخصوصا «مانى» من غير تظاهر بالإسلام كالذى يرويه الجاحظ عن كتب الزنادقة.


4 - ملحدون لا دين لهم، كالذى يحكيه المعرى. [ضحى الإسلام: 1/ 146، ط 2].


ومما هو ظاهر أن مدلول تلك اللفظة فى المحيط العربى كان على درجة كبيرة من الغموض والميوعة وعدم الثبات؛ فهى بمعناها الضيق تعنى الملحدين وأهل الهرطقة والإلحاد لكن تم التوسع فى استخدامها لفظيا فى العصرين الأموى والعباسى لأغراض سياسية قحة، إذ كان الخلفاء والطغام الحاكمة يلفقون تهمة الزندقة لكل من حاول استخدام عقله وإرادته بعيدا عن السلطة الحاكمة، ووجد المفسرون والمتكلمون النصيون الفرصة سانحة لهم، فرموا كل معارض لأفكارهم التقليدية، التى اجتروها ممن سبقهم، بأنه زنديق يظهر الإسلام ويبطن الكفر، فكان الالتباس سيد الموقف، وكان مدلول تلك الكلمة يفتقد تماما إلى التحرير اللغوى المناسب للبيئة العربية، فكان العرب يطلقون اللفظ على الدهريين، الذين يقولون بقدم الدهر وأبدية المادة، وكان منهم من يطلقها على أتباع «مانى»، بما جعل من استخدامها كسلاح باتر لقمع المعارضين استخداما ناجعا يرضى الإقطاعية العسكرية الحاكمة، ولعل الدكتور عبد الرحمن بدوى [من تاريخ الإلحاد فى الإسلام: 41] لم يأخذ فى اعتباره ذلك الالتباس، ولم يلق بالا لاستخدام العسكرتاريا لتلك اللفظة فى قمع المعارضين وتصفيتهم، فنظر إلى كلمة الزندقة فى المحيط العربى نظرة جزئية مقصورة على «التزندق الثقافى» الذى كان وسيلة لإعلان الفرس وبقية الأجناس الأجنبية تمردهم على العرب، حتى إنه انساق وراء الروايات التى تدعى أن كثيرا من أولئك الزنادقة قد ألفوا كتبا لدحض النبوة وتسفيه الشرائع ونقد القرآن، وقد تكون نظرته تلك صحيحة فى بعض جزئياتها؛ لكنها على المستوى السوسيو – اجتماعى لا تصمد أمام استكناه النصوص التى ألمعنا إليها سالفا والتى تصف الخليفة المهدى، الذى أنشأ ديوانا خاصا بالزنادقة، بأنه كان يطمح إلى أن يكون هو مهدى آخر الزمان، والتدليس على الناس بذلك لضمان عدم معارضته والخروج عليه، ففكر فى إنشاء ذلك الديوان البوليسى الخاص ليبين للناس أنه غيور على الإسلام وعقائده!!


وفى البداية والنهاية لابن كثير [10/153، ط دار الفكر 1986] نص آخر يجلى حقيقة استخدام الخليفة المهدى لتلك اللفظة لتصفية المعارضين والخصوم السياسيين، يروى ابن كثير: «وذكر له [أى للمهدى] عن شريك بن عبد الله القاضى أنه لا يرى الصلاة خلفه، فأحضره فتكلم معه ثم قال له المهدى فى جملة كلامه: يا ابن الزانية! فقال له شريك: مه مه يا أمير المؤمنين، فلقد كانت صوامة قوامة.

فقال له: يا زنديق لأقتلنك. فضحك شريك، فقال: يا أمير المؤمنين إن للزنادقة علامات يعرفون بها، شربهم القهوات، واتخاذهم القينات، فأطرق المهدى وخرج شريكٌ من بين يديه».


فشريك هذا كان القاضى الرسمى للخليفة المهدى، فلما غضب عليه المهدى أراد أن يرميه بالزندقة هو الآخر، لكن شريك القاضى كان ثابتا أمامه فقلب الطاولة على رأسه وذكره بأنه لو كان زنديقا كما يدعى لكان هو الآخر زنديقا لفجوره ونزواته التى يعرف بها الزنادقة، فسكت المهدى لذلك ولم ينبس بكلمة حتى خرج القاضى شريك من بين يديه بلا تهمة!!


كما أن علاقة الخليفة المهدى بالشاعر بشار بن برد، الذى اتهم بالزندقة بعد ذلك، كانت علاقة صافية من كل كدر، لكن الوشاية السياسية بابن برد عند المهدى كانت سببا فى انقلاب الأخير عليه، فتم تلفيق تهمة الزندقة له، والادعاء بأنه يفضل النار على التراب بما يحمل معنى تفضيل إبليس على آدم بما يجعله معذورا فى السجود له، فأمر به المهدى فضرب أو أغرق حتى مات!! [البداية والنهاية: 10/150].


فلم يكن ديوان الزنادقة الذى ابتدعه الخليفة العباسى المهدى سوى أداة لقمع المعارضين والخصوم السياسيين ومن على شاكلتهم، كما أنه لم يبتغ به وجه الله أبدا، بل كان مصيدة للمعارضين، ومما ساعد على ذلك التباس لفظة الزندقة فى المحيط العربى وارتباطها منذ البداية بالهرطقة والإلحاد، وكذا ارتباطها بالأجناس الأجنبية، خصوصا الفرس، الذين كان ينظر إليهم على أنهم أصحاب فكر عقلى منحرف، فارتبطت اللفظة المائعة بالفكر العقلى الحر، والتحرر الأخلاقى، فى الوقت الذى ارتبطت فيه بشكل موسع مستتر فى أحيان كثيرة بالسياسة، وقمع المعارضين لدولة الخلافة الإقطاعية وتصفيتهم باسم الإسلام.
 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات