.

الحملة الفرنسية أنعشت التجديد الدينى.. وهزيمة 1967 أدخلته غرفة الإنعاش

Foto


اقترن وعى النهضة والتجديد الدينى والتحديث الفكرى والثقافى العربى عموما بهزيمتين ثقيلتين، أدخلتا إلى التحليل الفكرى باعتبارهما صدمتين.

الهزيمة الأولى هى الهزيمة أمام نابليون والحملة الفرنسية (1798 - 1801)، واحتلال مصر ثلاث سنوات، قبل أن يلعب الظرف الدولى وتوازناته، والمنافسة بين القوى الاستعمارية الأوروبية، لعبته المضادة فتخرج الحملة بعد ثلاث سنوات لا أكثر، يبدأ فى أعقابها بسنوات قليلة مشروع بناء الدولة المصرية التحديثى النهضوى على يد محمد على.

وقد سميت هذه الصدمة باسم صدمة اللقاء مع الغرب، صدمة الحضارة، صدمة الحداثة.. إلخ.

والمراد من توجهات التعبير النفسية أن هذه الصدمة الكبرى قد سببت يقظة وتنبيها للوعى من حالة رضاه عن ذاته واعتزازه بركوده العقلى وانحطاطه الحضارى، لتفرز ما يسمى بمشروع النهضة والتجديد والتحديث الذى كانت عبارة الشيخ «حسن العطار» تصلح شعارا ثابتا له، حين قال: «إن بلادنا لابد أن تتغير ويتجدد لها من العلوم ما ليس فيها».


الهزيمة الثانية التى أفرزت صدمتها الكبرى بدورها، لم تكن على وقع هدير المدافع النابليونية ولكن على هزيم قصف الطائرات الإسرائيلية فى عام 1967، الذى سمى بعام النكسة. وكان للصدمة التى سببتها هزيمة العام السابع والستين نفس الأثر المزلزل الذى كان لهزيمة العام 1798، ولكن فى الاتجاه العكسى. ففى حين أدت الصدمة الأولى إلى إيقاظ الوعى العربى الإسلامى على أفكار التقدم الذى يتطلب تحقيقه بدء من الحاضر باتجاه المستقبل، أدت الثانية إلى تخديره بأفكار الأصالة والهوية والتراث والدفاع عن الثوابت والعودة إلى الماضى للاختباء فى كهوفه ومغاويره فى حالة سكون زمانى لا تنقضى.

وبينما أدت الصدمة الأولى إلى إنعاش يقظة العقل العربى والإسلامى أدخلته الثانية إلى غرفة الإنعاش والسبات، وبينما زودته الأولى باستنفار الإحساس بمضى الزمن واستشعار معانى وضرورات النهضة والتحضر والتقدم، أعطته الصدمة الثانية وعيا نكوصيا يميل إلى العزلة والانغلاق والعودة إلى صدفة الماضى وحضن التراث الآمن للاختباء فيه، فى عزلة عن حركة الواقع واختباء من صراعات جبهات الزمن الحاضر وتطلعات ومخاوف منافسات الزمن المستقبل.

باختصار، أعادت صدمة الاحتلال الفرنسى فى نهاية القرن الثامن عشر وعى النهضة العربى ووضعته فى مسارات الواقع، وغيبته صدمة الاحتلال الإسرائيلى فى النصف الثانى من القرن العشرين وردته إلى مسار السلفية والماضوية والهروب إليها، فتحولت الذهنية العربية الإسلامية من ذهنية نهضوية إلى ذهنية سلفية، ومن حال اليقظة إلى حالة الغيبوبة، ومن أوان التنوير والتجديد إلى زمان السلفية والأصولية.


وما يهمنا فى هذا المقال، هو السمة أو السمتين الهامتين والمتناقضتين اللتين أنتجهما هذا الظرف التاريخى العاصف، وتأثير الهزيمتين الكبيرتين عليهما. لقد أدى استيقاظ الوعى التجديدى العربى فى ظرف احتلال أجنبى إلى تولد إحساسين متناقضين، كان الأول هو ضرورة التخلى عن الحذر والتخفف من أثقال الماضى وعوائد الأسلاف ومعارفهم المتقادمة، واكتساب الجرأة العقلية التى تعطى القدرة على نقد كل هذا التراث المتراكم، من أجل اللحاق بحضارة الغرب المتقدم، وامتلاك أدوات تحضره وتقدمه ونهضته، إن كان على مستوى فلسفة نظريات العلوم المادية والطبيعية أو أدوات ومنهجيات العلوم العقلية والإنسانية.

وتمثلت هذه الحاجة الحضارية فى مدارس ومشروعات التجديد الثقافى والدينى بدءا من حسن العطار وتلامذته، ثم رفاعة الطهطاوى وتلامذته، ثم محمد عبده وتلامذته، ثم أحمد لطفى السيد وتلامذته، ثم طه حسين وتلامذته، وامتد هذا السلسال التنويرى النهضوى الحى متناسلا إلى اليوم.


أما الإحساس الثانى، فكان إحساس الحذر الناجم عن تضخم هواجس الخطر على الوجود إزاء المستعمر الذى يمتلك كل مقومات القوة المادية والمعنوية الحضارية، وتهديد الذات الثقافية والمجتمعية بالمحو والتلاشى والخروج من التاريخ، مثلما حدث بالفعل مع قبائل الهنود الحمر فى أمريكا اللاتينية.

وتجسد هذا الإحساس بالحذر تجسدا كاملا فى الموقف الدفاعى الذى اتخذه العقل العربى دفاعا عن الإسلام تجاه كل محاولة غربية أو شرقية ناقدة، بأن تناول كل محاولة للنقد بحساسية زائدة ومستحكمة، وقابلها جميعا بالرد العاصف المفحم، العصبى والمتهور واللا موضوعى غالبا.

هكذا رأينا كيف كان الإمام محمد عبده مثلا حريصا على خوض معاركه فى الاتجاهين، اتجاه الهجوم على جمود الأزهر ونقد العقل الدينى المتزمت ورجعيته، واتجاه الدفاع عن الإسلام فى ردوده الشهيرة على «هانوتو» و«فرح أنطون» وغيرهما.


واستمر توالد الحساسيتين بطبيعة الحال فى حقل الثقافة العربية إلى اليوم، مع اتخاذهما بعد الضربة الثانية، صدمة 1967، هيئة تلائم عملية النكوص الحضارى والانقلاب الشامل على مفاهيم التجديد، والهروب إلى أحضان الماضى والتراث الآمنة، وظهور دعاوى الأصولية والأصل والأصالة.. إلخ.

إذ تميزت بدءا من هنا بأنها ليست حالة من الدفاع الموضوعى، أو الذى يحاول أن يكون موضوعيا وعلميا، وإن كان ممتلئا بالحذر والتوجس كما كان الحال قبل 1967، بل صارت دفوعا عمياء ومليئة بالتدليس والخرافة، وغير قابلة للنقد، دفوعا شائكة متصلبة متقنفذة مختبئة وراء أشواك تقديس كل ما يمت للتراث وللماضى بصلة، وتكفير كل من يلامس الموروث بالنقد العقلى، ولو كان نقده قمة فى الأمانة العلمية والموضوعية الفكرية والأصالة المنهجية.


وازدهرت فى سياق هذه الحالة القاسية من التقنفذ والارتداد والنكوص موضوعات خرافية مثل الإعجاز العلمى فى القرآن والسنة، والطب النبوى، والبحث عن مستند لأحدث النظريات العلمية التى يكتشفها الغرب من آيات القرآن الكريم، والهجوم العارم على الاستشراق والمستشرقين، ووصمهم على اختلاف اتجاهاتهم بالاستعمارية والتآمر والحقد على الإسلام وأهله، رغم كل ما قدموه من خدمات جليلة لا يمكن إنكارها للتراث والثقافة الإسلامية.

كما طفت على سطح المجتمعات الإسلامية كل أشكال ومظاهر الماضوية بدءا من تربية اللحية ولبس الجلباب القصير والحجاب المحبوك والنقاب الأسود إلى رفض معاملات البنوك وعمل المرأة والتشبه بالكفار، أى بالغرب الذى شكل أمل اللحاق به عماد يقظة العقل وهدف أهداف التجديد، إلى الانتشار السرطانى لظواهر وعلاقات ومؤسسات ونظم وجماعات الإسلام السياسى كظاهرة من ظواهر التخلف الحضارى، ومرض من أمراض العقل والمجتمع العربى.


من ثم، يقودنا هذا التحليل التاريخى السريع إلى التسليم بحقيقة تؤيدها كل الشواهد التاريخية، وتؤيدها كل الدلائل العلمية، من أن كل مظاهر الجمود الفكرى والتزمت الأخلاقى والأصولية والتقليد والسلفية والفقر الذهنى والمعرفى والانغلاق.. إلخ، والتى وجدت تعبيرها التام فى ظاهرة الإسلام السياسى، تعتبر كلها أجزاء من كل واحد أشمل، تنبع كلها منه وتتفرع عنه وتكوّنه.

وهذا الكل الواحد الشامل هو حالة النكوص الحضارى ورهاب التجديد التى أفرزت جزئيا بعد صدمة اللقاء الأول مع الغرب ومعايشة ما نتج بعد ذلك من مشاعر الضعف وواجبات مجابهة الاحتلال، ثم أحكمت هذه الحالة حلقات حصارها على العقل العربى وفتكت بفعاليته التجديدية والنهضوية بعد الهزيمة المدوية أمام إسرائيل فى الستينيات.


وبإزاء هذه الحقيقة وبناء على هذه المقدمات، يصل المقال إلى ما يعتبره الواجب الأول، والحق الأول، من واجبات وحقوق العقل التجديدى اليوم، وهو واجب التخلص من حالة النكوص الحضارى وأوهام الخوف من التجديد، عبر التعامل مع سمتيها العقليتين المتناقضتين والمتلازمتين، اللتين برزتا منذ عصر النهضة الأول: بتعظيم السمة الإيجابية المتمثلة فى نقد الذات والتراث من جهة، وتحجيم السمة السلبية المتمثلة فى الدفاع والمنافحة عن جمودهما وتخلفهما من جهة أخرى.

ولن يتفق ذلك إلا عبر خلق وتجذير الوعى التاريخى، الذى يصل مشروعه النقدى للماضى، بمشروعه البنائى النهضوى فى المستقبل وهادفا إليه، مع تفعيل سبل وأدوات النقد الذاتى الحضارى، لكل ظواهر التخلف والانحطاط فى الواقع الحاضر، سواء فى وحداته المنفردة وحالاته الجزئية، كما فى كليته ووحدته الزمنية كمأزق تاريخى وحضارى يطبق أنيابه على الذهنية العربية والعقل الإسلامى.

على أن تضع هذه الحالة من النقد الكلى فى اعتبارها هدف إنعاش الوعى بآليات الدفاع اللاواعية عن الذات، والتى تقوم بدور المكابح للعملية النقدية الشاملة، تلك الحالة من تقديس التراث ورهاب التجديد التى نتجت عن المخاوف والمخاطر المهددة للذات وتراثها والتى أفرزتها الهزائم العربية الكبرى.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات