.

تونس: تحرش أجلس الصحفيات فى البيت

Foto


يعيشُ القطاع الصحفى فى تونس اليوم أزمة خانقة عصفت بالمؤسسات الإعلامية فى شتى اختصاصاتها وبالوضع الاجتماعى والاقتصادى للصحفيين على حد سواء. فعلى الرغم من المكسب الكبير الذى يتمتعُ به الصحفيون ككل المواطنين التونسيين والمتمثل فى حرية الرأى والتعبير، فإن بعضهم لا يجد المساحة الممكنة حتى يتسنى له ممارسة هذا الحق. أسباب عديدة يمكن لها أن تؤدى إلى وجود نسبة مهمة من الصحفيين العاطلين عن العمل، لكننا عبر هذا المقال أردنا معرفة سبب بطالة الصحفيات حصرًا دون زملائهم الذكور، واخترنا زاوية ربما تكون أبعد من الأسباب الاقتصادية والسياسية، وطرحنا سؤال: هل التحرش بالصحفيات فى أثناء القيام بعملهن يمكن أن يؤدى بهن إلى البطالة؟

 

تعرضن للتحرش أكثر من مرة
قُمنا بسؤال 120 صحفية تونسية حول التحرش بهن فى أثناء القيام بالعمل، وذلك عبر استمارة استبيان موحدة، تتضمن 25 سؤالًا. وشمل الاستبيان صحفيات يعملن بالإذاعة وفى الصحافة المكتوبة بشقها الإلكترونى، وصحفيات مستقلات يعملن لحسابهن الخاص، أو لصالح جهات مختلفة يتواصلن معها عن بُعد.
هذه الفئة الأخيرة من الصحفيات لا تخضع بنسبة 90 فى المئة لسلطة رئيس مباشر، والمقصد هنا غياب احتكاك جسدى ويومى مع رؤسائهن فى العمل مثلًا، لكن هذا لم يمنع عنهن خطر التعرض للتحرش من زملاء أو مصادر معلومات، مثل زميلاتهن اللائى يعملن فى الصحافة المكتوبة والإذاعة.
ومن خلال الأجوبة التى تحصَّلنا عليها، تبيَّن لنا أن كل الصحفيات قد تعرضن للتحرش ولأكثر من مرة، بتكرار الفعل من نفس الأشخاص أو من آخرين.


27 من أصل 40 صحفية تعمل فى إذاعات مختلفة (خاصة وعمومية) مثلًا، تعرضن للتحرش أكثر من مرة، فى مكان العمل.

 

الرئيس المباشر ومصدر المعلومة يتصدران قائمة المتحرشين

وتبعًا لخصوصية العمل الصحفى، فإن هوية المتحرش ستكونُ قطعًا مختلفة، نظرًا لوجود الصحفية فى دوائر محددة تعرضها لهذا الفعل. لذلك اخترنا تصنيف هوية المتحرشين وما يتوافق مع البيئة التى تشتغل فيها الصحفية ونسب القرب التى تربطها وإياهم. لنخلص فى الأخير أن الرؤساء المباشرين للصحفيات فى مجالات الإعلام التى وقع عليها البحث، إن كان فى الصحافة المكتوبة بشقها الإلكترونى أو الإذاعة، هم الأكثر ممارسة لفعل التحرش ضد الصحفيات. كما رصدنا أساليب مختلفة فى طريقة التحرش، حيث لا يكتفى الجانى بالقيام بفعل التحرش اللفظى والجسدى فحسب، بل يواصل فى محاصرة الضحية للضغط عليها وتهديدها حتى تذعن له بطرق مختلفة.
 

أما بالنسبة إلى الصحفيات المستقلات فهن يتقاسمن نفس الهم مع زميلاتهن فى الصحافة المكتوبة والمسموعة، حيث يتعرضن جميعهن إلى التحرش من مصدر المعلومة، والمتمثل أساسًا فى شخصيات سياسية ونواب فى البرلمان وأصحاب نفوذ اقتصادى، وكبار موظفى الدولة، وغيرهم.
 

وهنا نطرح تساؤلًا حول الضغوطات التى تمارسُ على الصحفية حتى تقومَ بعملها على أكمل وجه، فالمعلومة الدقيقة والآنية هى رأسمال الصحفى، وإن تم استغلالها ضده، كيف له أن يضمن استقلاليته وكرامته؟!

 

حتى تستجيب.. تتعرضُ لأنواع عديدة من الضغوطات
إن تعمُّد المتحرشين استخدام نفوذهم فى الأوساط التى توجد فيها الصحفية، لا يقف عند المؤسسة الإعلامية التى تعمل بها وما تحتويه من دوائر مختلفة، (زملاء من الأقسام التحريرية والإدارية، صاحب المؤسسة.. إلخ) فحسب، بل تمتدُ أياديهم نحو التأثير على المصادر حتى تُحجب عنها المعلومة، وتوجيههم نحو فقدان الثقة المهنية فيها، وانعدام أهليتها الاحترافية، بغية غلق كل الأبواب أمامها علّها تستجيب لضغوطات المتحرش وتذعن لرغباته.

 

فـ25 فى المئة من الصحفيات أكدن لنا تعرضهن لنوع خاص من الضغوطات اليومية بعد رفضهن الاستجابة للمتحرش، ألا وهو حجب المعلومة والتلاعب بعلاقتهن مع مصدرها.
 

ناهيك بالضغوطات التى يُمارسها المصدر نفسه فى حال كان هو المتحرش، فهناك بعض الصحفيات قد اضطرت لمسايرة مصدرها (شفويًّا) حتى تحصل منه على معلومة، بتكليف إجبارى من رئيسها المباشر. والحالة أن هناك العديد من الوضعيات الاقتصادية الهشَّة داخل المؤسسات الإعلامية، الخاصة منها، بدرجة كبرى، تجعل الصحفية تقبل بالعديد من التنازلات التى لا تتناسب ومبادئها، ولا تحفظ لها كرامتها، لكن إلى متى؟!
 

كما يتم الانتقام منها بطريقة غير مباشرة عبر تشويه سمعتها وبثّ الشائعات المغرضة ضدها، علاوةً على سوء استغلال سلطات المتحرش ضدها فى أثناء القيام بعملها، خصوصًا إذا كان رئيسها المباشر، فهو لا يتوارى من مضاعفة مقصودة لساعات العمل دون حوافز أو مكافآت تُذكر، أو التعمد لتعطيلها مهنيًّا، عبر تكليفها بمهامَ تعجيزية، لتجد نفسها فى نهاية المطاف لا تستطيعُ القيام بعملها على أكمل وجه، ومحاصرةً داخل دوامة اضطرابات نفسية وعصبية، مستقرة فى حالة اكتئاب متواصلة.

 

تنقصها الشجاعة كى تصرخ (أنا ضحية ولست المذنبة)
إن أغلب الصحفيات اللواتى تعرضن للتحرش يصعب عليهن الإفصاح عن الأمر رغم اقتناعهن بأن فعل التحرش لا يتعدى كونه أمرًا مخزيًا ولا يستوجب الخجل من الحديث عنه. فبعدما جمعنا نتائج الاستمارات وجدنا أن الضحية تخشى رواية ما حدث لها، وأن التزامها الصمت هو الخيار الأعلى نسبةً. وإن لاحظنا تفاوتًا فى نسب الثقة التى تمنحها الصحفية لمَن تراهم هى يستحقون مشاركتها قصتها الحزينة.

 

فلقد تقاربت نسب الإفصاح لأحد الزملاء أو الأقرباء أو الزوج. واختارت العديد من الصحفيات التكتم عن الأمر، وسلكنَ طريق الصمت، لأنه (الأسلم) والأقل (خطورة) على (مستقبلهن المهنى) وعلى علاقاتهن العاطفية والزوجية.
 

كيف لا وهذا الصمت يأخذهن بعيدا عن (الفضيحة)، وَفق تعبير إحداهن فى استمارة الاستبيان؟!

 

التحرش سبب للبطالة
يمكن للتحرش أن يمثل أحد مسببات البطالة عند الصحفيات بالتحديد، فأغلب الصحفيات اللواتى تعرضن للتحرش ولم يستجبن للمعتدى عليهن، قد فقدن عملهن، هربًا من الضغوطات والتهديدات التى مارسها المتحرشون عليهن بشكل مستمر وبطرق مختلفة.

 

لتجد الصحفية نفسها مضطرة لتقديم الاستقالة وترك مكنها فارغًا هربًا من هذا الجحيم، ونستحضر فى هذا السياق قول إحدى الزميلات التى أكدت أن «البطالة أهون ألف مرة من التعدّى على الكرامة».
 

لكن ترك مكان العمل الذى تعرضت فيه الصحفية للتحرش ليس وحده سبب تعطيلها عن العمل، فأغلبهن عشن فترات نفسية صعبة، جعلت منهن يفقدن الثقة فى أنفسهن بدرجة أولى وفى مَن حولن بدرجة ثانية، وأصبحت الصحفية تتلكأ على تقديم مطلب عمل فى مكان آخر، لأن شبح تكرار فعل التحرش بها يحاصرها من كل جانب. العديد منهن أخبرنا أنهن قد اخترن الجلوس فى البيت ومراقبة المشهد الإعلامى من بعيد، خشية تكرار نفس الحادث، عند تقدمهن بأى مطلب عمل لأى كان.

 

صحفيات يدعين زميلاتهن لكسر حاجز الصمت
 

أسرار السويسى

اليوم أنتِ وغدًا أخرى، التحرش جريمة لا تصمت عنها..

 

جيهان اللواتى

دعوة لكل مَن يتم التحرش بهن من الزميلات الصحفيات أن لا يصمتن، لأن بصمتهن تُقتل أخرى فى الأثناء، ومتحرش آخر يعيد الكرة دون حساب أو عقاب..

 

إلى اليوم كثيرات منهن تعانى البطالة وضيق الحال.. هن خريجات معهد الصحافة وعلوم الأخبار وحتى من اختصاصات أخرى، مميزات فى مجالاتهن، مارسن الصحافة فى وقت سابق وحالت قصصهن مع التحرش دون حصولهن على مكان يليق بهن، فى المؤسسات الإعلامية التونسية.. فلو افترضنا أن الصحفية التونسية ستكسر يومًا ما حاجزَ الصمت بقوة، كما فعلت زميلاتها فى العالم.. وتصرخُ أنا الضحية.. فهل سنراها يومًا تستخدمُ السيفَ القانونى ليحميها؟!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات