.

عملية اغتيال أبى رافع عبد الله بن أبى الحقيق

Foto

كيف استخدم النبى نعيم بن مسعود الأشجعى لخداع قريش وغطفان ويهود بنى قريظة؟ وهل أذن النبى للخزرج بقتل سلام بن أبى الحقيق ليتساووا مع الأوس؟ وهل نصدق البخارى أن قاتله ابن عتيك أم ابن هشام أنه عبد الله بن أنيس؟


التصفية الجسدية كانت إحدى الوسائل التى لجأ إليها النبى، صلوات الله وسلامه عليه، للتخلص من خصومه، ومنها قتل كعب بن الأشرف وخالد بن سفيان الهذلى وعبد الله بن خطل ومقيس بن حبابة والحويرث بن نقيد وعبد الله بن أبى الحقيق، ومن النساء أم قرفة وقينة بن خطل، وأخريات.

وكان لديه بعض رجال يعتمد عليهم فى ذلك لما يملكون من البأس، وكتائب يتم الدفع بها للإغارة على بطن من البطون لتأديب أهله وقتل من يرون قتله، وكانت تلك الحوادث مصحوبة -أحيانًا- بقطع الرؤوس وتقديمها للنبى برهانًا على الفعل، والتمثيل بالجثث، وتعليق الرؤوس فى أماكن عامة ليراها الناس جميعًا. وتختلف أسباب القتل وشدته باختلاف الوقائع والرجال، فمنهم شعراء هجوا الرسول، ومنهم مرتدون عن الإسلام بعد أن دخلوا فيه، ومنهم من جمعوا الفرسان للإغارة عليه وقتله، ومنهم من تعاون مع المشركين، ومن همز ولمز على زوجاته وبناته. وقد كتبتُ من قبل عن السرية التى قتلت أم قرفة، وعن واقعة جز رأس خالد بن سفيان الهذلى، والآن سأتوقف أمام حادثة قتل عبد الله بن أبى الحقيق، كما وردت فى كتب الحديث وكتب السيرة النبوية.


يقول ابن هشام فى «السيرة النبوية»: قال ابن إسحاق: ولما انقضى شأن الخندق، وأمر بنى قريظة، وكان سلام بن أبى الحقيق، وهو أبو رافع، فيمن حزَّب الأحزاب على رسول الله، وكانت الأوس قبل موقعة «أُحد» قد قتلت كعب بن الأشرف فى عداوته لرسول الله وتحريضه عليه، استأذنت الخزرج رسول الله فى قتل سلام بن أبى الحقيق وهو بخيبر، فأذن لهم. قال ابن إسحاق: وكان مما صنع الله به لرسوله أن هذين الحيين من الأنصار -الأوس والخزرج- كانا يتصاولان مع رسول الله تصاول الفحلين، لا تصنع الأوس شيئًا عن رسول الله غناء إلا قالت الخزرج: والله لا تذهبون بهذه فضلاً علينا عند رسول الله وفى الإسلام. قال: ولما أصابت الأوس كعب بن الأشرف فى عداوته لرسول الله، قالت الخزرج: والله لا تذهبون بها فضلاً علينا أبدًا، قال: فتذاكروا، مَن رجل لرسول الله فى العداوة كابن الأشرف؟ فذكروا ابن أبى الحقيق، وهو بخيبر، فاستأذنوا رسول الله فى قتله، فأذن لهم.


وقد كوَّن الرسول سرية من الخزرج تضم عبد الله بن عتيك وأبا قتادة وعبد الله بن أنيس -الذى جز رأس خالد بن سفيان الهذلى- والأسود الخزاعى ومسعود بن سنان، وأرسلها لتصفية أبى رافع عبد الله بن أبى الحقيق، ويقال له سلام بن أبى الحقيق، وأمَّر عليهم عبد الله بن عتيك؛ لأن ابن الحقيق كان فرَّ إلى يهود خيبر بعد أن حرَّض قريشًا والأحزاب -مع حيى بن أخطب- على المسلمين فى غزوة الخندق، وأمد غطفان بمال كثير، وكان الرسول قد وقف فيها موقفًا صعبًا، حتى جاءه نعيم بن مسعود الأشجعى الذى كان يهوديًّا فأسلم ولم يعرف قومه أمر إسلامه، فاتفق مع الرسول على خداع اليهود والمشركين وضربهم ببعض، فأتى بنى قريظة وقال: إنما جئتكم تخوفًا عليكم، وقال: لقد رأيتم ما وقع فى بنى قينقاع وبنى النصير من إجلائهم وأخذ أموالهم، وإن قريشًا وغطفان ليسوا كأنتم، والبلد بلدكم وبها أموالكم ونساؤكم وأبناؤكم ولا تقدرون أن ترحلوا منه إلى غيره، فإن انهزمتْ قريش وغطفان سيرحلون إلى ديارهم ويتركونكم فى مواجهة محمد وأنصاره.

ونصحهم أن لا يحاربوا معهم إلا إذا أخذوا منهم رهنًا سبعين رجلاً من أشرافهم، ثم أتى قريشًا فقال لأبى سفيان ومن معه إن يهود بنى قريظة قد ندموا على ما صنعوا فى ما بينهم وبين محمد من نقض عهده، وقد أرسلوا إليه: «إنا قد ندمنا، فهل يرضيك أن نأخذ من قريش وغطفان رجالاً من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم وترد جناحنا التى كسرت إلى ديارهم -يقصدون بنى النضير- ثم نكون معك على من بقى منهم حتى نستأصلهم؟» فأرسل إليهم: نعم.

وذهب إلى غطفان، وقال لها ما قاله لقريش، فتفرقت الأحزاب وانهزمت بفعل تفرقها، وبفعل هبوب ريح شديدة فى ليالٍ شديدة البرد هدمت بيوتهم.


ويذكر البخارى فى صحيحه تفاصيل تصفية أبى رافع عبد الله بن أبى الحقيق فى كتاب «المغازى» برقم 3813، عن إسحاق بن البراء بن عازب، قال: «بعث رسول الله إلى أبى رافع اليهودى رجالاً من الأنصار فأمَّر عليهم عبد الله بن عتيك، وكان أبو رافع يؤذى رسول الله ويعين عليه، وكان فى حصن له بأرض الحجاز، ولما دنوا منه وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم، فقال عبد الله لأصحابه: اجلسوا مكانكم فإنى منطلق ومتلطف للبواب لعلِّى أن أدخل.

فأقبل حتى دنا من الباب، ثم تقنَّع بثوبه كأنه يقضى حاجة، وقد دخل الناس، فهتف به البواب: «يا عبد الله، إن كنت تريد أن تدخل فادخل فإنى أريد أن أغلق الباب»، فدخلت، فكمنت، فلما دخل الناس أغلق الباب ثم علق المغاليق على وتد. قال: فقمت إلى الأقاليد فأخذتها ففتحت الباب، وكان أبو رافع يسمر عنده، وكان فى علالى له، فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت إليه، فجعلت كلما فتحت بابًا أغلقت علىَّ من داخل، قلت: إن القوم نذروا بى لم يخلصوا إلىَّ حتى أقتله، فانتهيت إليه، فإذا هو فى بيت مظلم وسط عياله لا أدرى أين هو من البيت، فقلت: يا أبا رافع، قال: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف وأنا دهش فما أغنيت شيئًا، وصاح، فخرجت من البيت فأمكث غير بعيد، ثم دخلت عليه فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ فقال: لأمك الويل إن رجلاً بالبيت ضربنى قبل بالسيف، فقال: فأضربه ضربة أثخنته ولم أقتله، ثم وضعت ظبة السيف فى بطنه حتى أخذ فى ظهره، فعرفت أنى قتلته، فجعلت أفتح الأبواب بابًا بابًا حتى انتهيت إلى درجة له فوضعت رجلى وأنا أرى أنى قد انتهيت إلى الأرض فوقعت فى ليلة مقمرة فانكسرت ساقى فعصبتها بعمامة، ثم انطلقت حتى جلست على الباب، فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته؟ فلما صاح الديك قام الناعى على السور، فقال: أنعى أبا رافع، تاجر أهل الحجاز، فانطلقت إلى أصحابى، فقلت: النجاء، فقد قتل الله أبا رافع، فانتهيت إلى النبى فحدثته، قال: ابسط رجلك، فبسطت رجلى فمسحها فكأنها لم أشتكِها قط.


ويذكر ابن هشام فى «السيرة النبوية» أن أفراد السرية حين أتوا دار ابن حقيق ليلاً، خرجت إليهم امرأته، فقالت: من أنتم؟ قالوا: ناس من العرب نلتمس الميرة، قالت: ذاكم صاحبكم فادخلوا عليه، قال: فلما دخلنا عليه أغلقنا علينا وعليها الحجرة تخوفًا أن تكون دونه مجادلة تحول بيننا وبينه، قال: فصاحت امرأته فنوهت بنا، وابتدرناه وهو على فراشه بأسيافنا، فوالله ما يدلنا عليه فى سواد الليل إلا بياضه كأنه قبطية ملقاة، قال: ولما صاحت بنا امرأته جعل الرجل منا يرفع عليها سيفه ثم يذكر نهى رسول الله فيكف يده -وكان نهاهم عن قتل النساء والأطفال- ولولا ذلك لفرغنا منها بليل.

قال: فلما ضربناه بأسيافنا تحامل عليه عبد الله بن أنيس بسيفه فى بطنه حتى أنفذه، وهو يقول: قطنى قطنى، أى حسبى حسبى.


قال: ثم جاءنا الخبر فاحتملنا صاحبنا فقدمنا على رسول الله، واختلفنا عنده فى قتله، كلنا يدعيه، قال: فقال رسول الله: هاتوا أسيافكم، فجئنا بها، فنظر إليها فقال لسيف عبد الله بن أنيس: هذا قتله، أرى فيه أثر الطعام.


ويضيف ابن كثير فى «البداية والنهاية» ج4: قال الزهرى: قال أُبىّ بن كعب: فقدموا على رسول الله وهو على المنبر، فقال: أفلحت الوجوه؟ قال: أفلح وجهك يا رسول الله -نفس ما روى فى حادثة جز رأس خالد بن سفيان- قال: أفتكتموه؟ قالوا: نعم، قال: ناولنى السيف، فسلَّه، فقال: أجل هذا طعامه فى ذباب السيف.

وثمَّ روايات أخرى تقول إنهم جاؤوا برأس الرجل إلى النبى.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات