.

لا توجد مقاعد خالية للفقراء

Foto

وبعفوية فى اختيار الموضوعات يكتب القاص هذه التجارب بلغة أكثر عفوية، قريبة المأخذ، محققة التواصل والتعايش بين المتلقى والموضوع المقروء إلى درجة الألفة والحميمية.


فى هذه المجموعة التى تحمل عنوان «حرج الأعرج» لعلِى الفقى، والصادرة عن «دار هفن»، تقابلنا نماذج إنسانية غاية فى البساطة والحميمية والسذاجة أيضا، حيث نجد الجدة والعمة والخالة والفلاح وحارس الحمام، كلها نماذج مطحونة وفقيرة، لكنها فى الوقت ذاته لا تيأس أبدا وتملك رغبة عارمة فى الخلاص والانعتاق.


يبدو جليا لنا ذلك الانكسار بشقيه المادى والنفسى، حيث يتوغل هذا الحس فى أغلب النصوص، مؤسسا لرؤية الكاتب المستمدة من واقع يفرض طقوسه وظلاله على نفسيات شخوصه، مما يضعهم على محك التعامل الصعب المحمل بالتوتر والترقب واليأس والسوداوية فى أغلب الأحوال، وربما لاح أمل كبصيص نور ينفلت من بين ثنايا الحكاية، فى الوقت الذى تطل فيه الشخصية الساردة كمعول أساسى من معولات البناء الفنى للنصوص.


إن علِى الفقى يقدم فى هذه المجموعة القصصية من خلال أربع عشرة قصة تجربة سردية لها خصوصيتها وتلقائيتها، من حيث الموضوع المعالج، والتعبير الفنى الكاشف، كما يقدم للقارئ مذاقا له خصوصيته حينما يشف التعبير عن الموضوع فتجد نفسك تلمس موضوعات دون أن يفصلك عنها تعبير لغوى مغاير كأنك ترى الماء وتلمسه بيديك دونما أن ترى الزجاج الذى يحويه.


وبعفوية فى اختيار الموضوعات يكتب القاص هذه التجارب بلغة أكثر عفوية، قريبة المأخذ، محققة التواصل والتعايش بين المتلقى والموضوع المقروء إلى درجة الألفة والحميمية.


ففى قصة «مقاعد خالية» يوقفنا القاص على تلك المرأة البسيطة التى لا مقعد لها فى هذه الحياة أو فى قطار الحياة، حيث أخذت السلطة القمعية المقاعد لأنفسها سواء التى هى فى خدمة الشعب أو الأخرى الدينية الشكلية التى لا روح فيها أو مضمون، وتظل المرأة حاملة فى يدها ثمرة تتشهى قطفها منذ سنوات عجاف وفى الأخرى تحمل ضعفها وقلة حيلتها.


وفى قصة «الحارسة» نلمس تلك اللحظة التى تتوحد فيها الحارسة مع البناية التى تحرسها، رغم أنها لا تسلم هى الأخرى من قهر السلطة المالكة للعمارة، وهو نفسه ما نجده فى قصة «خالتى نبيلة» حيث يظل نموذج المرأة المقهورة واضحا، وهى التى تعودت أن تحمل أثقال الآخرين دون شكوى، فقط فضفضة تريح القلب المكلوم بعض الشىء، وذلك لمواصلة الحرب الضروس مع تلك الحياة الشاقة.


نفس التيمة تتكرر فى قصة «الطرد» فالبطل مثل الغريق الذى يتعلق فى قشة، والقشة تتمثل فى الطرد التى سترسله له ابنته من الخارج، تلك البنت التى اشتراها أحد الخليجيين بأمواله، وهى نفس القشة التى يتعلق بها عم عطوة فى قصة «حارس الحمام» حيث تم هدم الحمام وأقيم مكانه مستودع للغاز، ويظل الرجل متصورا أنه يستطيع رفع قضية على الحكومة ويكسبها فيعود إليه الحمام.


وتؤكد قصة «وقفة» على أنه لابد من وقفة إزاء الطفولة المعذبة، ويصورها القاص هنا من خلال ذلك الطفل الغنى الذى يعطف على الطفل البائس بصورة تلقائية، وهذه القصة تحمل بعض أجواء من قصة «نظرة» ليوسف إدريس.


غير أن قصة «الشقيقات الثلاث» تكشف عن لون آخر من المعاناة الأنثوية فى بيت خيمت عليه العنوسة والكآبة على الشقيقات بعد رحيل أخيهن عنهن مختارا غير عابئ، والقاسم المشترك الأعظم الذى يجمع بين تلكم النسوة هو بحثهن عن حقوقهن الضائعة سواء التى ضيعها المجتمع بتقاليده وقيمه الجافة، أو التى ضيعها الأهل والأقارب بتصرفاتهم الأنانية، وتعد هذه القصة فى رأيى أجمل قصص هذه المجموعة، لأنها نجحت بامتياز فى تصوير آثار الغربة على نفوس البشر.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات