التفاسير التى تزيد معانى القرآن غموضًا!

Foto

لماذا أغرقت التفاسير القديمة فى السرد الدرامى المفصّل لقصص أسطورية وإسرائيليات أدت إلى معانٍ لا يقرها اللفظ ولا السياق فى الآيات القرآنية؟


«ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون»- البقرة: 243.

الآية الكريمة من سورة البقرة هى واحدة من أقوى الشواهد على الطريقة التى زادت بها التفاسير القرآنية معانى القرآن غموضا وحيّرت بها عقول المسلمين، وأدخلت على الآيات الحكيمة من التضارب والاستعصاء على الاستقامة اللغوية والاتساق المنطقى ما زاد من حيرة الأجيال المتوالية لأربعة عشر قرنا وإلى اليوم. ولا يتوقف الأمر عند ذلك حتى يمتد بنا الموقف من الآية إلى تساؤل ضرورى عن المغزى والهدف الذى توخاه رواة ونقلة الحديث المنسوب للنبى، إذا كان من بين ما أغفلوه ولم يعتنوا بنقله أحاديث ومأثورات يمكن من خلالها الإفادة -ولو بعض الشىء- فى تبديد الغموض الذى تخبط فيه المفسرون!
وقبل الدخول إلى المضامين المحيّرة التى قدمها المفسرون للآية لابد من تناول موقفها من قضية المحكم والمتشابه فى اللفظ القرآنى. والمراد بالمحكم -طبقا لبعض التعريفات- ما علم المراد منه، وبالمتشابه: ما استأثر الله تعالى بعلمه، وقيل إن المحكم ما لا يحتمل إلا وجها واحدا والمتشابه ما احتمل وجوها عديدة من التأويل، وقيل أيضا إن المحكم ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان أما المتشابه فهو ما لا يستقل بنفسه ويحتاج إلى بيان. وجملة هذه التعريفات تجعل من الآية الكريمة محكمة لو وضعت فى سياقها الذى نزلت فيه، وهو قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون «243» وقاتلوا فى سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم «244»)- البقرة. فالسياق الظاهر للآيتين يدل بحسم على أن الخروج فى الآية الأولى يقترن بالقتال فى سبيل الله الذى ذُكر فى الآية الثانية، مما يعنى أن من خرجوا حذر الموت لم يخرجوا إلا فرارا من لقاء عدو أو هربا من قتاله خوفا على حياتهم، لذلك عاقبهم الله بجبنهم بهذه العظة البليغة فى الموت الجماعى، ثم أحياهم منه بعد ذلك ليروا كيف أن الموت قدر بشرى مكتوب لا يمكن للإنسان أن يفر منه، فالأفضل له والحال كذلك أن يعيش بكرامة وأن يواجه الموت بشجاعة، حتى إذا اقتضى منه الحفاظ على كرامة حياته التضحية بها فعل ذلك مطمئنا لقضاء الله. وبهذا الفهم الذى يستقى مباشرة من لفظ الآية الظاهر المحكم يكتسب معنى الجهاد فى الإسلام أو القتال فى سبيل الله وضعه الدفاعى العادل الصحيح، الذى يعبر عنه قوله تعالى: «وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين»- البقرة: 190، والذى يتناسب مع وضع المسلمين الأوائل المحاصرين فى «يثرب»، أى داخل بقعة صغيرة من بقاع الجزيرة التى تموج بقبائل لا يزال كلها على الشرك، ويوالى معظمها قريش فى الحرب بينها وبين المسلمين.
ورغم التشكك لا يمكننى الجزم بأن هذا المعنى الدفاعى للقتال فى سبيل الله زودا عن النفس والأرض والمال هو ما أراد المفسرون القدماء الذين دُونت معظم تفاسيرهم فى عصور ما سُمى بالفتوح أن يجتنبوه، ذلك أن سائر التفاسير الكبرى الموروثة كان لها رأى آخر مختلف فى تفسير الآية، وهو رأى أقل ما يوصف به أنه إشكالى لا يستقيم مع ظاهر اللفظ فى الآية الكريمة وظاهر السياق فى غيرها. فيقول «القرطبى» فى تحديد غريب لتفاصيل مدهشة فى القصة بلا مصدر يمكن الاطمئنان إليه: «وقصة هؤلاء أنهم قوم من بنى إسرائيل وقع فيهم الوباء وكانوا بقرية يقال لها (داوردان) فخرجوا منها هاربين فنزلوا واديا فأماتهم الله تعالى»! وينقل عن «ابن عباس» قوله: «كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارا من الطاعون وقالوا: نأتى أرضا ليس بها موت، فأماتهم الله تعالى، فمر بهم نبى فدعا الله تعالى فأحياهم». وكما ترى يحدد «القرطبى» اسم القرية وعدد الآلاف الذين خرجوا فى إيحاء قصصى بتأكيد سبب خروجهم وهو الطاعون! وكأن العاقل بوسعه أن يستسيغ عقاب الله لقوم لأنهم فروا من وباء قاتل وفتّاك، أو أن الله يفرض على الناس البقاء طواعية ودون مقاومة تحت رحمة طاعون يحصد أرواحهم كيف شاء!
على كل حال لم يقف الأمر بالقرطبى ولا بالمأثورات والأخبار الموروثة عند تحديد اسم قرية فقط، لكن توغلوا فى مجاهل التفاصيل حتى عد الرواة عدد الأيام التى مات أهل القرية فيها: «وقيل: إنهم ماتوا ثمانية أيام. وقيل: سبعة. قال الحسن: أماتهم الله قبل آجالهم عقوبة لهم ثم بعثهم إلى بقية آجالهم. وقيل: إنما فعل ذلك بهم معجزة لنبى من أنبيائهم، قيل: كان اسمه شمعون». والنبى «شمعون» يتحول إلى النبى «حزقيل» فى عدد من روايات تفسير الطبرى بتفاصيل أكثر وأشد إغرابا، أشهرها رواية «السدى» التى يأتى فيها: (كانت قرية يقال لها داوردان قبل واسط وقع بها الطاعون، فهرب عامة أهلها فنزلوا ناحية منها، فهلك من بقى فى القرية وسلم الآخرون فلم يمت منهم كبير. فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين فقال الذين بقوا: أصحابنا هؤلاء كانوا أحزم منا لو صنعنا كما صنعوا بقينا! ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن معهم! فوقع فى قابل فهربوا وهم بضعة وثلاثون ألفا، حتى نزلوا ذلك المكان وهو واد أفيح، فناداهم ملك من أسفل الوادى وآخر من أعلاه: أن موتوا! فماتوا حتى إذا هلكوا وبليت أجسادهم مر بهم نبى يقال له حزقيل، فلما رآهم وقف عليهم فجعل يتفكر فيهم ويلوى شدقه وأصابعه فأوحى الله إليه: يا حزقيل أتريد أن أريك فيهم كيف أحييهم؟ قال: وإنما كان تفكره أنه تعجب من قدرة الله عليهم فقال: نعم! فقيل له: ناد! فنادى: «يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعى!» فجعلت تطير العظام بعضها إلى بعض حتى كانت أجسادا من عظام، ثم أوحى الله إليه أن ناد: «يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسى لحما» فاكتست لحما ودما وثيابها التى ماتت فيها وهى عليها. ثم قيل له: ناد! فنادى: «يا أيتها الأجساد إن الله يأمرك أن تقومى» فقاموا!).
قطعا لا يمكن النظر إلى مثل هذا الإغراق فى السرد الدرامى المفصّل والمدهش بغير الاستنكار، إذ تبدى التفاصيل رواة الأخبار كما لو كانوا شهودا على الأحداث العجيبة. وهى أحداث يؤدى امتزاج ما هو تاريخى -أى ينتمى إلى الماضى- وما هو غيبى -أى ينتمى إلى المعجزات والوحى والملائكة- لتحولها إلى روايات أسطورية خالصة. روايات من الواضح أنها تنتمى للتراث الضخم من الإسرائيليات الذى أقحم على مأثورات الحديث وتفاسير القرآن. غير أن المريب هو أن تُقدم بمثل هذه الحبكة البارعة وبصورة تؤدى إلى اختلاط وتمويه المعنى المباشر والقوى ذهنيا ومنطقيا فى عقل كل قارئ، براعة تصل إلى حد إيراد المعنى الظاهر المنطقى ضمن مأثورات التفسير الخرافية ذاتها، لكن باعتباره المعنى غير المرجح! وهو ما نراه فى تفسير «القرطبى» عندما يقول: «وقيل: إنهم فروا من الجهاد ولما أمرهم الله به على لسان حزقيل النبى فخافوا الموت بالقتل فى الجهاد فخرجوا من ديارهم فرارا من ذلك فأماتهم الله ليعرفهم أنه لا ينجيهم من الموت شىء ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد بقوله تعالى: وقاتلوا فى سبيل الله، قاله الضحاك، قال ابن عطية: وهذا القصص كله لين الأسانيد»! ويظل -بهذا الشكل- التفسير السياقى المستقيم والذى يتصل بفرار القوم تنصلا من القيام بواجب الدفاع عن أنفسهم وأرضهم هو التفسير الأضعف المرجوح، وهو نفس ما نجده لدى «الطبرى» إذ يقول: «حث الله عباده بهذه الآية على المواظبة على الجهاد فى سبيله والصبر على قتال أعداء دينه وشجعهم بإعلامه إياهم وتذكيره لهم أن الإماتة والإحياء بيديه وإليه دون خلقه وأن الفرار من القتال والهرب من الجهاد ولقاء الأعداء إلى التحصن فى الحصون والاختباء فى المنازل والدور غير منج أحدا من قضائه إذا حل بساحته ولا دافع عنه أسباب منيته إذا نزل بعقوبته كما لم ينفع الهاربين من الطاعون الذين وصف الله صفتهم فرارهم من أوطانهم»!
هذا الإصرار فى التفاسير القديمة على تقديم هرب القوم فى آية سورة البقرة كما لو كان هربا من الطاعون، لا يوازيه عجب إلا ما أدت إليه أسطوريات التفاسير القديمة من رد فعل عقلى محدث عند المفسرين المتأخرين، ورغم أنه رد فعل عقلى يستنكر الإغراق فى الإسرائيليات وفى تصوير الخوارق والمعجزات، فإنه قد يشارك الموروث نفسه فى إضافة معان إلى الآية لم ترد فيها، ومن هذه التفاسير ما نسب للإمام «محمد عبده» فى تفسير «المنار» من قوله: «فمعنى موت أولئك القوم هو أن العدو نكل بهم فأفنى قوتهم وأزال استقلال أمتهم حتى صارت لا تعد أمة بأن تفرق شملها وذهبت جامعتها فكل من بقى من أفرادها خاضعين للغالبين ضائعين فيهم مدغمين فى غمارهم لا وجود لهم فى أنفسهم وإنما وجودهم تابع لوجود غيرهم ومعنى حياتهم هو عود الاستقلال إليهم»! والحاصل أنه بقدر ما ترتد التفاسير الموروثة بمعنى الآية إلى أزمنة الخرافات والأساطير السابقة على الإسلام بقرون، بقدر ما تمضى التفاسير المحدثة بالمعنى إلى أزمنة العلم وقوانين الطبيعة التى تستبعد الخوارق والمعجزات والتالية على الإسلام بقرون أيضا.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات