.

سد النهضة.. الأزمة مستمرة والقلق كذلك!

Foto

لماذا أزمة سد النهضة الكهرومائى مستمرة؟ هل ستكون القمة المصرية السودانية المقبلة حاسمة على طريق مفاوضات سد النهضة؟ ولماذا؟


فى آخر تصريحات له، أكد الدكتور محمد عبد العاطى، وزير الرى والموارد المائية، استمرار مفاوضات سد النهضة دون سقف زمنى حتى تحصل مصر على اتفاق يراعى مطالبها، مؤكدا فى الوقت نفسه أنه لم تتحقق بعد انفراجة جوهرية فى المفاوضات بشأن سد النهضة بين مصر وإثيوبيا والسودان!

 

تصريحات الدكتور عبد العاطى الأخيرة سبقتها، منذ بضعة أشهر، تصريحات أخرى على لسان الدكتور سامح شكرى، وزير الخارجية، أكد هو الآخر من خلالها أن جولة المفاوضات الفنية فى أديس أبابا «لم تصل إلى نتيجة محددة.. رغم أننا كنا نأمل أن يكون هناك حل يؤدى إلى قبول التقرير المبدئى فى ضوء تكليف رؤساء الدول الثلاث بالانتهاء من ذلك خلال حيز زمنى محدد والذى تم تجاوزه بالفعل»، ما يعنى وجود أزمة مستحكمة، مهما كان تصريح الرئيس السيسى فى 29 يناير الماضى، بأنه «ليس هناك أزمة من الأساس حول سد النهضة»، ومهما وُجِدت أخبارٌ أو تصريحات أخرى تقلل من شأن الخطر المتوقع بعد اكتمال بناء هذا السد الكهرومائى، وهو ما يلزم معه الاعتراف بأن ثمة مشكلة حقيقية، بل كارثة تواجه مصر، خصوصا فى ظل التفاهم الإثيوبى السودانى الذى تمخضت نتائجه بعد زيارة شهر مايو الماضى فى العاصمة السودانية الخرطوم، وهى الزيارة التى تمت بين رئيس الوزراء الإثيوبى، آبى أحمد، والرئيس السودانى عمر البشير، لذلك فإن مصر تتخوف من التنسيق الثنائى بين إثيوبيا والسودان حول قضية سد النهضة بمعزل عنها، وكذلك من تطوير الاتفاق القائم بين الخرطوم وأديس أبابا لاستغلال السد تنمويا لصالح البلدين، فى ظل ثبوت عدم تضرر السودان من إنشاء السد بالمواصفات الفنية الحالية، ولعل هذا هو ما حدا بالرئيس عبد الفتاح السيسى إلى زيارة الخرطوم، الخميس المقبل، للمشاركة فى اجتماع اللجنة العليا المصرية السودانية.
 

ومن المؤكد أن القمة المصرية السودانية ستعمل على تطوير خطط لتنفيذ المشاريع المشتركة المتفق عليها بين البلدين، بالإضافة إلى تنسيق الجهود لتعزيز أمن البحر الأحمر وتعزيز التعاون الاقتصادى والتجارى الثنائى، لكن مشكلة سد النهضة ستكون ذات أولوية خاصة خلال تلك القمة، لأن الوقت قد أزِف ولم يعد ثمة مجالٌ للتسويف، فالجانب الإثيوبى يستمر فى ممارسة لعبة إضاعة الوقت وهدره، دون النظر إلى المفاوضات المتتالية التى تفشل باستمرار، لذلك استطاع إنجاز نحو 70% من هذا السد، بواسطة عمالة محلية من إثيوبيا وشراكة فنية وهندسية إيطالية وألمانية.
 

وبالتعريج على الموقف السودانى الرسمى من هذا السد، منذ بداية الأزمة، سنلاحظ جليا أن السودان تقف إلى جانب إثيوبيا، ولا سيما بعد إذ وعدها الجانب الإثيوبى بتدفق إمدادات الكهرباء لأراضيها بعد استكمال بناء السد الكهرومائى وتشغيل التوربينات العملاقة، وكذا اتفاقهما معا على اشتراك قواتهما المسلحة لتأمين السد، وإذا نحن تذكرنا حالات المكايدة السياسية بين كل من مصر والسودان، طوال الأشهر الماضية، يتضح لنا، دون كبير مجهود، أن الجانب السودانى يراوغ ولا يلتزم، ولعل هذا هو ما حدا بالرئيس السيسى إلى تبادل الاتصالات الهاتفية مع نظيره الجنوب سودانى سلفا كير ميارديت، والإعلان عنها فى الإعلام الرسمى، والتأكيد على دعم القاهرة لـ«جوبا» سياسيا واقتصاديا، فضلا عن دعمها الواضح لطلب الدولة الوليدة الانضمام إلى جامعة الدول العربية، وكأنه بذلك يرسل رسائل تحذير مستبطنة إلى السودان، على الرغم من وجود اتفاق معلن بين القاهرة والخرطوم لتطوير العلاقات بينهما وتلافى المشكلات البينية، والذى تم التأكيد عليه خلال اللقاءات المتكررة بين السيسى ونظيره السودانى عمر البشير فى الأشهر الأخيرة، وصولا لاستقباله الرسمى الحافل فى القاهرة فى 19 مارس الماضى، ما يجعلنى -شخصيا- غير مقتنع بتصريحات الجانب السودانى، تحديدا، التى تؤكد أن قمة الخميس المقبل ستكون ناجحة ومثالية وذات نقلة نوعية للعلاقات المصرية السودانية!
 

ومن المؤكد كذلك أن مصر تحاول إقناع السودان بالإصرار معها على مقترح سبق وأيدته خلال جلسة المباحثات الأولى، لوضع معايير يتم على أساسها اختيار جهة محايدة للتحكيم بين الدول والمكتبين الاستشاريين اللذين أعدا الدراسات الفنية، وذلك بعدما كانت إثيوبيا والسودان، كلاهما، ترفضان إشراك البنك الدولى، بصفة خاصة، كجهة محايدة للتحكيم، وكانت مصر قد أعطت مساحة للدولتين لترشيح جهات أخرى، فضلا عن تقديمها مقترحا آخر، يعتبر تطويرا مشتركا للمقترح المصرى الأساسى، يقوم على إشراك مصر والسودان فى التخطيط والإشراف على فترة الملء الأول للخزان، على أن تشارك مصر فى تحديد الكميات التى سيتم تخزينها بشكل ربع أو نصف سنوى قبل فترة الملء الكلى، وأن يكون لها الحق فى مراقبة دقة تنفيذ ذلك الجدول، ولا يكون لمصر أو السودان حق تغيير تلك الكميات خلال العام، ولا يكون لهما أيضا الحق فى طلب وقف ملء الخزان فى أى مرحلة، وكل ما نرجوه فعلا أن يوافق الرئيس السودانى عمر البشير على تلك المقترحات حتى نضمن وقوف السودان مع مصر فى تلك الأزمة، بدلا من أن تكون إحدى أدوات الجانب الإثيوبى للإضرار بمستقبل مصر وأمنها المائى والغذائى والبيئى.
 

إن تأكيد الدكتور محمد عبد العاطى، وزير الرى، مؤخرا، بعدم وجود سقف زمنى محدد يحكم ملف مفاوضات سد النهضة، إنما هو اعتراف بوجود مشكلة، مشكلة ينبغى التعاطى معها بواقعية، ومن خلال سيناريوهات عديدة، يجب أن تكون فى حسبان الجانب المصرى؛ فالتعويل على السودان بات أمرا غير جدير بالثقة، ونظام المكايدات السياسية معها لا جدوى منه إطلاقا، لذا ينبغى التعاطى بشكل واقعى مع تلك الأزمة/ الكارثة، حتى لا نفيق على واقع مرير، ترزح تحت نِيره الأجيال القادمة، فى ظل تدنى نصيب المواطن المصرى من حصة المياه، والبداية يجب أن تكون دبلوماسية/ سياسية، فليس من المعقول، حسب الدكتور نادر نور الدين، خبير الرى والزراعة، أن يطالب وزير الخارجية سامح شكرى، إثيوبيا فقط بالاعتراف بحصة مصر من مياه النيل فهو بذلك قد أخطأ خطأ جسيما، لأن حصة مصر لا تأتى من إثيوبيا وحدها، ولكن الصحيح أن يطلب أن لا يؤثر سد النهضة الإثيوبى على تدفقات النيل الأزرق المبنى عليه السد ولا يتحدث مطلقا عن حصص مائية حالية حتى لا تستميل إثيوبيا سائر دول المنابع فى صفها!
 

وليس من المعقول الاعتماد على أن تحلية مياه البحر ستكون أحد حلول تلك الأزمة، خصوصا أن تكاليفها باهظة، وها قد أصبح السد واقعا قائما رغم ما تعانيه الشركة المنفذة من عجز مالى هنالك، لذلك لعله لا يوجد حل سوى لجوء مصر إلى مسار القانون الدولى، وذلك عن طريق التحكيم الدولى، وتحضير ملف متكامل يؤكد مدى الأضرار الجسيمة التى ستلحق بالبلاد جراء ملء خزانات السد وتركيب التوربينات الكهربائية، التى اتُفق عليها بين إثيوبيا وألمانيا، إذ وقعت أديس أبابا مع المجموعة الهندسة الميكانيكية الألمانية «فويث» اتفاقا لتوريد 3 توربينات إلى السد بقيمة 4 مليارات دولار، حسبما ذكرت وكالة الأنباء الإثيوبية «إينا»!
 

الأمر يدعو إلى القلق، ولم تعُد التصريحات ذات جدوى أو وسيلة اطمئنان!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات