.

«أمريكا أولًا» لا تفلح دون قيم أمريكية

Foto

كيف فشلت السياسة الأمريكية فى قضية خاشقجى؟


 

ترجمة: أميرة جبر عن «واشنطن بوست»

 

إن قتل السعودية الواضح للصحفى جمال خاشقجى -ورد فعل إدارة ترامب العشوائى- إشارة واضحة إلى أن السياسة الخارجية الأمريكية قد انحرفت بشدة عن جذور نشرها القيم الأمريكية فى الخارج. وهناك حاجة لإعادة تعديل أيديولوجية ترامب «أمريكا أولًا»، لتشمل نشر الديمقراطية، لمنع مثل هذه الانتهاكات الكبرى لحقوق الإنسان وللانتصار فى الصراع الأكبر ضد توسُّع التأثير الاستبدادى حول العالم.

 

إن اختفاء خاشقجى ليس مجرد أحدث إشارة إلى أن النظام السعودى فى ظل محمد بن سلمان، المعروف باسم «إم. بى. إس»، يصدر الوحشية خارج حدوده. بل يظهر أيضًا أن النموذج الاستبدادى الذى تنتهجه روسيا فلاديمير بوتين، وصين شى جين بينج، تسير فى طريقها وتؤذى المصالح الأمريكية بشكل مباشر. وتواجه إدارة ترامب الآن أزمة فى علاقتها مع حليف رئيسى، وتعقيدات فى كل سياساتها الأخرى المتعلقة بالشرق الأوسط.
 

ولفهم كيف فشلت السياسة الأمريكية فى قضية خاشقجى، يجب أن ندرك السياق الأوسع. يتبع «إم. بى. إس» سيناريو السياسة الخارجية الخاص ببوتين، وهو تركيز القوة والبلطجة على الجيران وقتل المنتقدين فى الخارج والدفع بالعدوانية إلى أقصى حد لاختبار ما إذا كان العالم سيدفع فى المقابل.
 

قال فانس سيرشك، الزميل المساعد بمركز الأمن الأمريكى الجديد: «ما نراه الآن هو نوع من (بوتنة) النظام العالمى»، مضيفًا: «إن الأساليب التى بادر بها الروس ولم يتحداها أحد أو بدت ناجحة، يقلدها آخرون الآن».
 

عندما يبدو نموذج التوسع الاستبدادى مفضلًا على النظام العالمى الليبرالى الذى يقوده الغرب، تخسر الولايات المتحدة. يقوض تدخل روسيا فى أوروبا التحالف عبر الأطلسى. ويتحدى استيلاء الصين العسكرى على بحر الصين الجنوبى القيادة الأمريكية فى آسيا. وتخاطر أفعال السعودية بخطط الولايات المتحدة لمواجهة إيران وللعمل نحو سلام إسرائيلى/ فلسطينى ولمحاربة التطرف.
 

إن سياسية «أمريكا أولًا» سياسة شعبية تستجيب إلى ضجر الشعب الأمريكى بعد ١٥ عامًا من سوء إدارة التدخلات فى الخارج. ولكن يتضح بشكل متزايد أن التركيز من ناحية واحدة على مبادئ الواقعية والبرجماتية وعدم التدخل ليس دائمًا الطريقة الصحيحة للدفع بالمصالح والأهداف الأمريكية.
 

يتعلم فريق ترامب الآن بأصعب الطرق ماذا يحدث عندما تشير إلى الأنظمة المستبدة -حتى الحلفاء منها- أن بإمكانهم القيام بأى ما يريدون. فهذا يجرّئ الفاعلين السيئين على القيام بأشياء ببساطة لا يستطيع الشعب الأمريكى أو ممثلوه فى الكونجرس تجاهلها مثل قتل الصحفيين على أرض أجنبية.
 

يتحجج كثيرون بأن الولايات المتحدة لا تستطيع تحمُّل قطع العلاقات مع السعودية. فقد استثمرت الولايات المتحدة الكثير فى التحالف مع السعودية لتتخلَّى عنه الآن، حسب الحجة. فإذا كنت مدينًا للبنك بألف دولار ستكون ملكًا له، ولكن إذا كنت مدينًا للبنك بمليون دولار سيكون هو ملكًا لك. ويعتقد السعوديون أنهم قد وضعونا حيث يريدون. وسيحب «إم. بى. إس» أن يرى الجدال فى واشنطن بين أولئك الذين يريدون إنهاء التحالف تمامًا وأولئك الذين يريدون تمرير الأمر، فهو على يقين أن الأمريكيين سيختارون دائمًا الخيار الثانى.
 

وهذا اختيار خاطئ. وفى الواقع، هناك حل وسط ينبغى أن تسعى وراءه واشنطن. يجب أن نتعامل مع هذه اللحظة كفرصة لإعادة ضبط العلاقة الأمريكية/ السعودية ببعض القواعد الجديدة. نحن بحاجة إلى المزيد من الانخراط المكثف مع السعوديين لا انفجار بالجملة فى العلاقات، وينبغى أن يكون هذا الانخراط مع المجتمع السعودى بأكمله ليس فقط مع ولى العهد. ويجب أن نتأكد من أن «إم. بى. إس» أو أى قادة آخرين يغازلهم نموذج بوتين يدركون أن الولايات المتحدة ستدعو بقوة لمصالحنا وقيمنا، لأنها على المدى البعيد مرتبطة ارتباطًا لا ينفصم.
 

وبشكل أوسع، يجب أن تبنى الولايات المتحدة حجة عالمية عن لماذا النظام العالمى الذى بنيناه مع حلفائنا على مدى الـ٨٠ عامًا الماضية، والمبنى على الدعوة لسيادة القانون والأسواق المفتوحة وحتى حقوق الإنسان أفضل من نموذج بوتين/ شى. وإذا كانت المعركة الاستراتيجية حول المصالح وحدها لخسرت الولايات المتحدة.
 

قال كريستوفر واكر، أحد نواب رئيس الصندوق الوطنى للديمقراطية «NED»: «نحن بحاجة إلى رد يتضمن بعض القيم المجدية ويلعب كذلك على ميزتنا التنافسية»، متابعًا: «لقد وضعنا هذه الأشياء على نار هادئة، ونشعر بذلك الآن، لأننا بحاجة إليهم لننافس».
 

وهناك إشارات إلى أن ترامب المشكك يقترب من إدراك أن نشر القيم مفيد. إن سياسة الصين الذى أعلنها نائب الرئيس مايك بنس، هذا الشهر، شديدة فى ما يتعلق بحقوق الإنسان وسيادة القانون، لأن الإدارة أدركت أن تلك هى الحجج التى تعمل لصالحنا.
 

إن الحكومات العادلة التى تحترم حقوق شعوبها وتحد من سلطاتها وتسمح بالمعارضة وتفتح مجتمعاتها حلفاء أفضل. هذه هى الرسالة التى بعث بها خاشقجى فى مقاله الأخير بـ«واشنطن بوست»، نداء لدعم دولى لأبسط الحريات داخل السعودية. وتظهر قصته كيف أن إدارة ترامب لا تستطيع النجاح فى الخارج إلا إذا وجدت طريقة تدمج بها القيم الأمريكية فى سياسة «أمريكا أولًا».

 


 

جوش روجين
كاتب صحفى أمريكى يتناول السياسة الخارجية والأمن القومى، يكتب عمودًا فى قسم «الآراء العالمية» بجريدة «واشنطن بوست» الأمريكية، ويشارك بالتحليل السياسى فى قناة «سى إن إن» الأمريكية.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات