.

بطيخ الشيخ والحبل السُّرى.. تذهب الصراعات وتبقى الإنسانيات

Foto

كيف كانت المواقف الإنسانية حاضرة بقوة فى «الحبل السُّرى» و«بطيخ الشيخ» رغم الصراعات السياسية والدينية؟


تحيط بنا الصراعات من كل جانب، حتى على أقل الأشياء أهميةً؛ صراعات على السلطة، المال، على فرض الرأى أو حتى انتزاع حب الآخرين وثقتهم، وبعدما ينتهى الصراع لصالح أحد الأطراف، لا يتبقى للطرف الآخر سوى المواقف الإنسانية التى تجمعه بالآخرين، ومساندتهم ودعم بعضهم بعضًا.

 

كان للمخرج السورى «الليث حجو» والمخرجة التونسية كوثر بن هنية رؤية مميزة فى تقديم «الصراع» من وجهة نظر كل منهما فى فيلمَيهما «الحبل السُّرى» و«بطيخ الشيخ» اللذين عُرضا ضمن برنامج الأفلام القصيرة فى وقائع الدورة الثانية من مهرجان الجونة السينمائى، ففى «الحبل السُّرى» تجد نفسك فى قلب الأوضاع السورية، ليس فى أجواء الرصاص والدمار والمطاردات فقط، لكن بالقلق والخوف والحياة اليائسة التى يمر بها الأهالى فى تفاصيل حياتهم الصغيرة من خلال معاناة إحدى النساء السوريات خلال الأشهر الأخيرة من حملها، والتى فاجأتها علامات الولادة فى ظل الحصار على الحى الذى تسكن به، حيث يفشل زوجها فى اصطحابها إلى المستشفى بسبب وجود قناص يقتل مَن يمر أمامه، فيضطر الزوج إلى توليدها بنفسه داخل صندوق سيارته!
 

«الصراع» الذى قدمه الليث حجو فى فيلمه ذى الـ20 دقيقة فقط، لخص ما تمر به الأسر فى سوريا، صراع من أجل الحصول على الطعام، صراع من أجل العيش فى أمان، صراع من أجل الحياة. لكن على الرغم من الصراعات الكثيرة التى يواجهها كل فرد مع آثار الدمار الموجودة فى الشوارع، فإنه فى النهاية ينسى كل من هؤلاء صراعه من أجل ذاته، ويركزون فى صراعهم لإخراج مولود صغير للعالم الكبير، ربما يعتبرونه بمنزلة فرحة وانفراجة قريبة لما يحدث لهم.
 

تتكاتف النساء وتظهر شهامة الرجال من الجيران الذين كانوا «السند الحقيقى» للزوجين فى أزمتهما، يرشدونهما إلى ما يجب فعله فى تلك اللحظة، ويدعون لهما ويقرؤون لهما الآيات القرآنية، حتى خرجت الروح الصغيرة إلى النور.
 

لم يركز مُخرج «الحبل السُّرى» على الأسباب السياسية للحرب فى سوريا، ولم يصور الفيلم بالشكل التقليدى الذى فعله صُناع بعض الأفلام التى قُدمت مؤخرًا عن الحرب فى سوريا، فلم ينحَز لطرف ضد آخر، لكنه قدم الأزمة التى يمر بها بعض السوريين بشكل إنسانى بحت دون الحكم على طرف بعينه أنه الطرف المخطئ أو المتسبب فى الحرب، فنحن لم نعرف -مثلًا- مَن يتبع القناص الذى هدد حياة الزوج وزوجته؟ كما ركّز المخرج على تفعيل دور المرأة وتوضيح معاناتها بسبب الحرب وتأثيرها فى حياتها وأسرتها، وكيف تصرفت الزوجة فى أصعب اللحظات التى تمر بها المرأة فى حياتها عندما اقتربت من لحظة الولادة، سواء لأجل التصرف فى ملابس لطفلها فى ظل الحصار، أو حتى طريقة تصرفها فى أزمة المياه التى باتت شحيحة، وكيف ضحت من أجل ذلك؟
 

ربما شعرنا بآلام الولادة مثل البطلة «نانسى الخورى» مع كل صرخة لها بسبب صدق المشاهد، وشعرنا بالخوف بسبب رصاص القناص رغم أننا لم نرَ سوى سلاحه الذى كان موجودًا طوال الوقت، لكننا شعرنا فى النهاية بالأمان مع وجود الجيران الذين رغم فارق العمر بينهم وبين بطلَى الفيلم الشابين، فإنهم ساندوهما لآخر لحظة، حتى تخطيا أصعب لحظاتهما.
 

كما شعرنا أيضًا بلحظات ضعف وقلة حيلة الزوج التى قدمها الفنان «يزن الخليل» بأداء جيد ومتمكن بعينيه المليئتين بالحزن والضغط النفسى الذى تعرض له بسبب اعتقاده أنه لن يستطيع إنقاذ زوجته، ومحاولته السيطرة على حالة شرود الذهن التى ترافقه بسبب تناوله المواد المخدرة، وخوفه من فشله فى توليد زوجته، بالإضافة إلى الحس الكوميدى الذى تمتع به فى طريقة انتقامه من القناص فى آخر مشاهد العمل.
 

الفيلم الذى تم تصويره فى منطقة «الزبدانى» بسوريا، والتى بقيت رغم الدمار الذى حل بها، قدم لنا صورة مقربة جدا عن الوضع هناك فى أثناء الحرب، كما قدم لنا صورة أوضح عن العلاقات الإنسانية بين أبناء الوطن، الذين ربما فرّقتهم السياسة لكن جمعتهم حياة المولود الجديد، والمواقف الإنسانية الرقيقة رغم الحياة الصعبة التى يعيشونها.
 

المخرجة كوثر بن هنية أيضًا جسدت الصراع بشكله التقليدى فى «بطيخ الشيخ»، الفائز بجائزة نجمة الجونة البرونزية، وهو الصراع على السلطة، لكن فى إطار كوميدى ساخر من خلال إمام مسجد صغير بتونس، يحظى بالاحترام بين جماعته، ويجسده الفنان التونسى أحمد الحفيان، إذ يقوم فى يوم بأداء صلاة الجنازة على سيدة مجهولة لا يعرفها، أتى بها أطفالها الصغار للمسجد بعد وفاتها، وطلبوا التبرع من الحضور، وهو الأمر الذى سيتسبب للشيخ فى مشكلات بعدما يكتشف أن الجثمان عبارة عن «بطيخ» وأنه وقع فى خدعة كبرى يستغلها حامد، أحد طلابه الطموحين من أجل القفز على وظيفته، وبالتالى يصبح صاحب الكلمة المسموعة بصفته إمام المسجد، إذ يتخذ الدين غاية لتحقيق أهدافه.
 

نجحت كوثر فى اختيار أبطال فيلمها القصير الطريف الذى كان يتوقع الجمهور أنه يحصل على نجمة الجونة الذهبية بالمهرجان، فكل منهم أدى دوره على الوجه الأكمل، فبلال سليم أو «حامد» ظهر بوجه الداعية الشاب الذى يتظاهر بالتدين والتشدد، لكن وجهه الآخر كان مثله مثل أى شاب منفلت أخلاقيًّا، يدخن السجائر، ويدبر المكائد لأقرب الأشخاص إليه، ويبحث عن السلطة فقط، فاستطاع التقلب بين الوجهين بكل مرونة بدرجة جعلت المشاهدين سعداء بمصيره الذى تلقاه فى النهاية.
 

أما أحمد الحفيان فكان توتره والمأزق الذى وقع فيه دون قصد وبحسن نية كافيَين لكسب تعاطف الجمهور معه، بالإضافة إلى انتزاع ضحكاتهم بكل خفة، خصوصًا فى المشاهد التى يكتشف فيها أن الجثة «بطيخ»، ويحاول التخلص منها دون علم أحد، حتى لا يعتقدوا أنه أسهم فى النصب عليهم!
ربما الصراع على السلطة الممثلة فى إمامة المسجد وما يعقبها من نفوذ كان أساس الفيلم، لكن طريقة الحصول على السلطة عن طريق خديعة الشيخ بـ«البطيخ» كانت اللقطة الأبرز، التى بُنيت عليها الأحداث التى لم نشعر فيها بأى ملل طوال الـ23 دقيقة التى قُدمت فيها، فكانت الابتسامة حاضرة طوال الوقت، رغم الأزمة التى وقع فيها البطل.

 

ومع طرق النصب التى وصلت إلى المساجد وأئمتها، واستبدال «البطيخ» بجثث الموتى من أجل التبرع بالمال على أرواح الموتى المزيفين، فإن المشاعر الإنسانية كانت حاضرة بقوة عندما بدأ أهل المنطقة البسطاء فى جَمع المال من بعضهم بعضًا للتبرع لمساعدة أبناء المتوفاة المزعومة قبل أن يعلموا فى ما بعد أن الجثة التى حاولوا مساعدة أبنائها ما هى إلا «بطيخ» تمت خديعتهم به وخديعة إمام المسجد أيضًا؛ بسبب طمع شاب فى أخذ مكان أستاذه وشيخه.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات