.

علاج السرطان بين الشيوخ والعلماء والمذيعين

Foto

لماذا لم يحسم المسلمون أمرهم فى قضية التداوى وجعلوه مباحًا أو على أكثر تقدير مُستحبًّا؟ ما الفارق بين اليابانى تاسكو هونجو وأى عالم مصرى مسلم فى نفس تخصصه؟ إلى متى سنظل فى ذيل الأمم؟


 

ساقتنى الصدفة إلى الاستماع إلى مقطع فيديو على يوتيوب للشيخ خالد الجندى مع إحدى المذيعات المحجبات، والحوار لم يكن مقطوعًا بل يدل من سياق كلام الشيخ على أنها فقرة كاملة مستجدة بعد الفاصل.
 
بدأ الشيخ بتقديم الفقرة ممازحًا الجمهور إنه يعمل مذيعًا لنصف دقيقة ويقدم المذيعة لتحكى قصة بليغة عن المرض، بدأت الأخت الفاضلة المذيعة حكايتها بأن لها قريبة شابة تعرضت لمرض السرطان، ولكنها نطقته باللغة الإنجليزية «كانسر»، وأنها كانت فى مراحلها الأخيرة وقد يئست من حياتها ففقدت نضارتها وتساقط شعرها وطلقها زوجها، وتكالبت عليها المصائب، وبعد أن كانت تنتظر لحظة وفاتها، وبعد أن كان يشفق الجميع عليها وينتظرون خبر موتها، قررت المريضة أن تتخلى عن العلاج والأدوية والطب وخاطبت الله، عز وجل، بأنها تريد الشفاء إن قدّر لها الشفاء، وأنها ترحب بالموت إن قدّر لها الموت. تقول المذيعة إن قريبتها بعد هذا الدعاء وبعد قيامها بإجراء التحاليل الطبية اللازمة ليعرف الأطباء إلى أى مدى وصل الكانسر، فإذا بهم يُفاجؤون بأن السرطان رحل، أخذ عصاه وانتقل وغادر جسد المريضة، واغرورقت عيناها بالدموع وقالت إن هذا حدث فعلًا، واستلم منها مولانا خالد الجندى الحديث وبدأ يقَعِّد ويؤصّل لنظريته وهى أن المرض جند من جنود الله، ويجب عليك أن لا تنشغل به، بل تنشغل بالله، وضرب لنا هذا الجندى مثلًا، قائلًا: لو أن قاضيًا حكم على متهم بالحبس أو الموت، والجندى أمسك بتلابيب المتهم، هل على المتهم أن ينشغل بمحايلة الجندى؟ أبدًا، لأن الجندى مأمور وسينفذ ما أُمر به لا محالة، لكن عليك أن تنشغل بمَن أمر الجندى وتطالبه بالعفو والغفران ورفع العقوبة.. إلخ.

 

 
الحقيقة أن تناول الشيخ يعد جريمة فى حق الله، فالرجل استخدم منهجًا منقوصًا ركز فيه على الشق الروحى، وهو مهم ولا أشكك فيه لحظة ولا أملك أن أقول إن الله غير قادر على أن يشفى المرضى دون دواء، لكنى أقول، بكل قوة وحزم، إن الله أمرنا بالأخذ بالأسباب، صحيح أن مُسبب الأسباب يملك أن يخرقها لكنه لم يضع الأسباب والقوانين ليخرقها لكل الناس، وما صح لحالة قد لا يصح لأخرى، وما استجاب الله لعبد فى كل حال وما استجاب للعباد معًا، هذه قضية شائكة، تلاعَبَ فيها مولانا بعاطفة المسلمين الميالين إلى اتخاذ معجزات الله منهجًا للحياة، فى حين أن الله أمرنا أن نتخذ العلم منهجًا للحياة وأن نبحث عن العلم والمعرفة وأن نتداوى وأن نتطبب بأحدث الوسائل.
 
استشهد مولانا بالآية الكريمة «وإذا مرضت فهو يشفين» فكأنما أراد أن يقول إن الشافى هو الله، وهذا حق، ولكن الله الشافى هو من أمر بالتداوى وهو مَن أمر باللجوء للطبيب حتى تتنزل رحمات ربى على المريض بالشفاء، وهذا هو التوكل على الله، أما ترك الأخذ بالأسباب فهو التواكل وهو منهى عنه. جرَّنى هذا إلى أن أنتبه إلى أننا فى مخيلنا الفكرى توجد منطقة غير مضيئة بسبب تخبطات مناهج الشيوخ، ففى هذه المنطقة المعتمة نجد أن الوعاظ والفقهاء لم يحسموا أمر التداوى على وجه الوجوب، فبعضهم جعل التداوى أمرًا مشروعًا؛ مثل الإمام النووى رحمه الله، وإن كان قول الأكثرين من جمهور العلماء إنه مستحب، وذهب بعضهم إلى أنه مستوى الطرفين، أى لا يستحب ولا يكره بل هو مباح حلال، وذهب آخرون إلى أن تركه أفضل!
 
تخيلوا أن مجتمعًا يتلقى مفاهيم حياته من تصورات الشيوخ عن المرض كجند من جنود الله وأن التداوى ليس فرضًا على كل مسلم وأن بعضهم يرون تركه أفضل، هل هذا المجتمع الذى استمر فى الاستماع إلى تلك الآراء يمكنه أن ينجح فى صناعة دواء أو أن ينجح فى تطوير علم الطب والأدوية؟!
 
يا سادة يا محترمين، نحن نلح على أن نقدم أنفسنا على أننا أصحاب تاريخ فى الطب؛ لأن ابن سينا أبا الأطباء من عندنا، ولم نحاول أن نفهم لماذا اندثرت مَدرسته؟ ولماذا لم يستكمل أبناء المجتمع رسالته فى الطب؟ لأننا ببساطة لو بحثنا سنكتشف أن الوعاظ والماضَويين هم أول من حاربه، وأنهم أشاعوا خرافة الطب النبوى، وأنهم أشاعوا أن اللجوء إليهم حرام، وهم أول من قال إن التداوى مكروه، فترك الناس علم الطب ولم يقبل عليه أحد، ومن أقبل لم يحاول أن يبرع فيه أو أن يبتكر، فالمناخ لم يعد مناسبًا. كل هذا فجّره فى عقلى فيديو لمولانا خالد الجندى، ثم حاولت شَغل ذهنى بغيره من الأفكار فوقع تحت يدى خبر فوز الأمريكى جيمس أليسون واليابانى تاسكو هونجو بجائزة نوبل للطب هذا العام، وسبب فوزهما اكتشافهما طريقة لتثبيط مرض السرطان.
 
يا الله، ما هذه المفارقة! فارق كبير بين مَن يأخذون العلم بالأسباب ويُفنون فيه عمرهم من أجل البشرية ومَن يتكلون على غيرهم فى استخدام منتجاتهم الفكرية والعلمية، فارق كبير بين من يفيد البشر -كل البشر- بعلمه، ومن يعيشون عالة على البشرية، هذان العالمان دفعا جزءًا كبيرًا من عمرَيهما فى محاولات اكتشاف سبل جديدة لمكافحة مرض السرطان، أما نحن فندعو الناس إلى الكف عن استخدام الأدوية وأن الشفاء سيأتيهم! ما الفارق بين اليابانى هونجو الذى حصلَ على شهادة الدكتوراه فى عام 1966 من كلية الطب فى جامعة كيوتو، ثم نال فى عام 1975 درجة الدكتوراه فى الكيمياء، وبين أى أستاذ جامعى مسلم حصل على درجة الدكتوراه فى نفس تخصصه؟ هل تعرفون الفرق؟ الفرق يكمن داخل عقيدة كل منهم، رغم أن اليابانى فى نظرنا كافر، أو على الأقل لا دينى، فإنه يؤمن بعقيدة تشرَّبَها كل جزء فى عقله ووجدانه، وهى أن ما يقوم به مفيد للإنسانية، أما عالمنا المسلم ففى جزء من عقيدته جعل عقله ووجدانه ينكران الاستغراق فى العلم بزعم أنه «كيف أضيع عمرى فى محاولة اكتشاف علاج للمرض؟ وهل سأكتشفه فعلًا؟ وما الفائدة منه إذا كان كده كده الإنسان هيموت؟!» هذا الجزء المعتم هو ما يمنع طبيبنا من أن يكون مثل اليابانى، وهو ما سيجعلنا دائمًا فى ذيل الأمم.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات