.

قرار إعدام ثروتنا الداجنة

Foto

ما الدوافع الحقيقية وراء تفعيل قرار حسنى مبارك عام 2009؟ ألم نتعلم من درس 2005 عندما أهدرنا ثروتنا الداجنة بتسرُّع؟ ما مصير مَن يأكلون هياكل الدجاج مع القرار الجديد؟


قرار وزارة الزراعة بتطبيق القرار الجمهورى رقم (70) لسنة 2009، والذى يقضى بمنع تداول الدواجن الحيّة على مستوى محافظات القاهرة الكبرى، هو قرار مثل كل قرارات الحكومة، قرار متسرع غير منضبط، غير واضح المعالم، غير مفهوم، يفتقد المشروعية الشعبية، دون آلية واضحة لتطبيقه، ملىء بالثغور، مهترئ يمكن التحايل عليه، قرار تشعر أن متخذه إنما أراد أن يظهر اسمه على السطح وأن يصبح مشهورًا.

 

تعالوا نناقش القرار من حيث دوافعه وتبعاته..
بدايةً، ما الدافع الحقيقى وراء الدعوة لتطبيق القرار الجمهورى رقم 70 لسنة 2009 الآن؟! فهذا القرار أصدره الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك، فى أثناء هوجة إنفلونزا الطيور، هذه الهوجة التى أدَّت إلى التسرُّع فى إغلاق كثير من محلات الدواجن ومزارع تربية الدجاج، كما أدَّت إلى التخلُّص من أماكن تربية الدجاج المنزلية، ولعلكم تذكرون أنه قد تم تخويف الناس بصورة مرعبة مبالغ فيها، فتخلَّص البعض من دواجنه بالرمى فى الشارع، هذه الهوجة لم يكن فيها صوت عاقل على ما أذكر إلا الدكتور حمدى السيد، نقيب الأطباء، الذى خرج يطمئن الناس قائلًا إن إنفلونزا الطيور ليست وباءً كبيرًا، وعلينا أن نتريث فى التخلُّص من ثروتنا الداجنة، ولم يستمع إليه أحد وقُمنا برمى ثروتنا بأيدينا إلى الشارع، ولو تتذكرون فمصر وقتها كان لديها اكتفاء ذاتى من الدواجن وكانت تصدر منه إلى دول الجوار، ثم أفقنا من سكرتنا بعد الهوجة واكتشفنا تسرُّعنا الأهوج وتجرَّعنا مرارة عدم التريُّث وعدم وضع خطة للتعامل مع مثل هذه الأحداث، وأن تعاملنا كارثى وقراراتنا قطعية لا تعتمد على التدريج، وبالفعل مع إفاقتنا توقف العمل بهذا القانون فى عام 2010، أى قبل ثورة 25 يناير.

 

وبعد الثورة بدأ المصريون يتعافون من النقص الحاد فى الدواجن، خصوصًا أن كثيرًا من المجتمع المصرى يعتمد عليها كمصدر للغذاء، والدواجن كانت وستظل المنقذ البديل لكثير من الأُسر المصرية التى لا تتذوق اللحم.
 

بعد تعويم الجنيه فى شهر نوفمبر 2016 ارتفعت الأسعار بشكل مبالغ فيه، وارتفعت أسعار الأعلاف التى بالضرورة ارتفع معها أسعار الدواجن، ومع تشدد القائمين على صناعة الدواجن وإصرار الدولة على البيع بأسعار السوق العالمية، وقع المواطن الضحية بين الاثنين، وتحمل ارتفاع الأسعار من أجل وطنه ومن أجل أن لا يتسلل إلى الناس اليأس والإحباط، ومن أجل أن لا تكون شكوى المواطنين سببًا فى تهكُّم وهجوم أهل الشر على الوطن!
 

قرر المواطن المصرى البسيط أن يقلل من استهلاك أسرته من الدواجن، وبدأنا نسمع عن أُسر محترمة تشترى هياكل الدجاج، لتستكمل بها وجبة طعامها، وبدا للجميع أن المصريين «رضوا بالهم، لكن للأسف الهم مش راضى بيهم»! إذ فجأة تذكَّر المسؤولون فى وزارة الصحة أن هناك قرارًا وزاريًّا يمنع انتقال الدواجن الحية بين المحافظات، فهل يتركوننا فى حالنا؟! وهل يسمحون لأنفسهم بأن يتهموا بأنهم لم يعكروا صفو المصريين قط؟! قام الوزير ببعث القرار الجمهورى من مرقده دون سبب واضح أو كافٍ لتفعيل القرار؟! وحجة أن الدجاج ينقل الأمراض حجة واهية، لأنه فعلًا ينقل الأمراض ومن زمان، لكن بين الفصيل، وانتقاله إلى الإنسان فى أضيق الحدود.
 

ورغم هذا فكرة منع الدواجن الحية ليست هى الحل لمنع انتشار الأمراض، فبالتالى وبسبب ضبابية الدوافع انتشر بين ألسنة العوام أن السبب هو وجود مستورد مهم فى الدولة سيشترى دجاجًا مذبوحًا ومثلجًا، وتم تخفيض ضرائب الاستيراد عنه، وبدأ الناس لا يستسيغون فكرة أن المنع بسبب حرص الوزارة على صحة المواطنين.

 

أما تبعات هذا القرار فحدث ولا حرج.. أولًا، تم اتخاذ هذا القرار دون الرجوع إلى اتحاد عام منتجى الدواجن والمربين الكبار، كما لم يستمع إلى النواب فى البرلمان الذين ينوبون عن بائعى الدواجن الحية فى دوائرهم، ولم يتم عمل حوار مجتمعى يمهد للقرار، كما يفتقد القرار آلية واضحة للتنفيذ، مثل هل المرحلة الأولى بمنع انتقال الدواجن حية إلى القاهرة والجيزة فقط؟ وإلى متى؟ مش واضح! طيب هل ستكون المجازر كلها جاهزة وبكامل طاقتها كى توفر ما تحتاج إليه المحلات أم لا؟! لماذا غاب عن المسؤولين أن عليهم قبل تفعيل القانون القيام باتفاق مع رئيس جهاز تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة، لتوفير ثلاجات التبريد لأصحاب المحلات بالقروض الميسرة؟ وعليهم أن يكون لديهم تصور كيف سيتم العرض للدجاج المذبوح والمبرد فى المحلات؟! وأى محل؟ وما المواصفات اللازمة لكل محل ليحصل على التراخيص؟ أم سيتم إغلاقها والاكتفاء بالمحلات ذات الاسم الكبير فى السوق التى تملك ثلاجات معدة مخصوصًا لعرض الدواجن المذبوحة فيها؟ هل مديريات الطب البيطرى والمعامل الفرعية جاهزة ومستعدة لأخذ عينة منها قبل البيع؟ أم سيتدخل العامل البشرى من الرشوة والمحسوبية، حيث يسمح للبعض بالعرض والآخر بعدم السماح؟ كيف يتم استخراج تصاريح الإدارات البيطرية لأصحاب المحلات التى ستبيع الدجاج المذبوحة؟
 

كل هذا كان يجب أن يتم قبل تفعيل القانون الميت منذ عشر سنوات، لأن القانون عند تطبيقه سيسبب كثيرًا من المشكلات والناس مش ناقصة! فالمادة الأولى من القانون تنص على أن تقتصر التجارة فى الطيور والدواجن الحية بتحديد من الوزير المختص وهو وزير الزراعة، ويشترط أن تكون التجارة أو الذبح وَفقًا للشروط والإجراءات وفى الأماكن والمجازر التى يصدر بتحديدها قرار من الوزير المختص بالزراعة.
 

وحظرت المادة الأولى أيضًا بيع الطيور والدواجن المشار إليها أو عرضها للبيع أو تداولها أو نقلها لهذا الغرض، فى المناطق والمحافظات والمدن وغيرها من وحدات الإدارة المحلية التى يصدر بتحديدها قرار من الوزير المختص بالزراعة، وكذلك يحظر بيع أو تداول مخلفات المزارع المصابة أو نقلها لهذا الغرض. يعنى وقف حال، يعنى إشغال الشرطة والمرافق بمهمات جديدة، وترتفع قضايا المخالفات فى الدواجن وتنشغل المحاكم وليلة سيادتك كنا فى غنى عنها.
 

بلاش كده، عندك المادة الثانية من القانون تنص على أن: «تضبط بالطريق الإدارى الطيور والدواجن الحية موضوع المخالفة، ويتم إعدامها فى حالة الاشتباه فى إصابتها بأى أمراض معدية أو وبائية تحت إشراف الإدارة البيطرية المختصة، ويتم التخلص الآمن من المخلفات تحت إشراف الإدارة البيئية المختصة»، وفى غير حالة الاشتباه فى الإصابة يتم ذبحها فى أحد المجازر المرخص لها من وزارة الزراعة وتوزيعها على الجهات التى يعيّنها الوزير المختص بالزراعة بقرار منه، ويودع الثمن خزينة المحكمة المختصة حتى يتم الفصل فى التهم، فإذا حكم بالبراءة تؤدى قيمة ما تم ذبحه إلى صاحبه بعد خصم المصروفات.

 

وتضمنت المادة الثالثة من القانون أنه مع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد منصوص عليها فى أى قانون آخر، يعاقب على كل مخالفة من أحكام المادة الأولى من هذا القانون أو القرارات الصادرة تنفيذًا له بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وبغرامة لا تقل عن 1000 جنيه ولا تزيد على 10000 جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، وتضاعف العقوبة فى حدَّيها الأدنى والأقصى فى حالة العودة إلى ارتكاب ذات المخالفة. يعنى خراب بيوت للمنتجين وأصحاب المزارع وللمستهلكين، يعنى ينتشر الغضب ويتقلص الأمل.. كنا فى غنى عن كل هذا.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات