.

تشويه التماثيل الفنية وصل بمصر إلى العالمية

Foto

كيف أصبح مسلسل تشويه التماثيل فى مصر مستمرًّا؟ لماذا يروج السلفيون أن التماثيل والمنحوتات وثنية وشرك؟


لم تكن واقعة تشويه تمثال «الفلاحة المصرية» فى منطقة الهرم التابعة لمحافظة الجيزة أولى وقائع تشويه وانتهاك حُرمة فن النحت فى مصر، فقد تعرض تمثال الخديوِ إسماعيل، فى أغسطس الماضى، بشارع الثلاثينى بمحافظة الإسماعيلية للتشويه، بعدما طُلى باللونين الأبيض والأسود، وتعرض كذلك، عام 2016، تمثال الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب، الموجود بمنطقة باب الشعرية للتشويه من جانب طالبات مدرسة باب الشعرية الثانوية (بنات) بدافع ترميمه، فتغير لونه بطلاء وجهه واليدين باللون الذهبى، وتم طلاء الجسد باللون البنى، ليظهر التمثال بشكل غير لائق، ليثير وقتذاك حالة كبيرة من الجدل والسخرية فى منصات التواصل الاجتماعى.

 

الأمر نفسه تكرر فى تمثال الأديب الكبير عباس محمود العقاد فى أسوان، وما إن أُزيح الستار عن التمثال النصفى للأديب الكبير بعد إعادة ترميمه حتى انهالت التعليقات الساخرة من مستخدمى مواقع التواصل، وفى أغسطس 2016، طُلى وجه تمثال أم كلثوم الموجود بمنطقة أبو الفدا بحى الزمالك وسط القاهرة باللون البنى، بينما جسد التمثال باللون الذهبى، كذلك تعرض تمثال أحمد عرابى الموجود فى مسقط رأسه بقرية هرية رزنة التابعة لمدينة الزقازيق بالشرقية، فى العام نفسه للانتهاك، بعدما شوهه مسؤولو التجميل بالمحافظة بألوان غريبة لا تمُتّ للفن والذوق بصلة، بينما تعد واقعة تشويه تمثال نفرتيتى الموجود بمدينة سمالوط فى المنيا بصعيد مصر، المنحوت فى نحو العام 1345 قبل الميلاد، هى الأشهر، بعدما خضع لتشويه واضح عقب عملية نسخ له فى عام 2015، فخرجت النسخة المقلدة للتمثال غريبة على نحوٍ مضحك، وجاءت بشرة الملكة صفراء باهتة، بينما العينان مغلقتان، والوجه غير متناسق!

 

عمليات تشويه التماثيل فى مصر لفتت انتباه الصحف والمجلات العالمية، ففى تقرير لها استعرضت مجلة The Economist البريطانية كيف يفخر المصريون بثقافتهم الغنية، وكيف تجذب التماثيل والنقوش الحجرية المنحوتة فى العصور القديمة ملايين السياح، وتقول المجلة إن مصر أنتجت فى القرن العشرين أيقونات ثقافية مثل نجيب محفوظ، الأديب الحائز جائزة نوبل، وأم كلثوم كوكب الشرق، وبعد ثورة عام 2011، أخرجت مجموعة جديدة من الفنانين أعمالها إلى الجماهير، إذ قدمت عدة فرق مسرحية أعمالها فى الساحات العامة، وانتشرت الجداريات الملونة عبر شوارع القاهرة، غير أن البيروقراطية التنفيذية فى مؤسسات الدولة تعد السبب الرئيسى لتشويه تلك الثروة الفنية، فجميع حالات التشويه تمت بمباركة من أجهزة المحليات، على الرغم من وجود قرار من وزارة الثقافة يحظر على المحافظين ومَن تحت أيديهم المساس بأى تمثال أو مجسم فنى دون الرجوع إلى الوزارة، لأنها وحدها هى التى تستطيع التعامل مع تلك الثروات الفنية التى يطولها التشويه، والقُبح!


يُعدُّ فن النحت من أقدم الفنون ظهورا وانتشارا، إذ تعود محاولات الرسم الأولى المحفوظة اليوم إلى نحو 32,000 عام، إذ بدأت المحاولات الأولى باستخدام أدوات بسيطة من الطبيعة، وقد اقترنت هذه الفنون فى كثير من الأحيان بالأديان، فاستخدمت المجسمات والتماثيل كمحاولة لتجسيد عالم الآلهة وتقريبه واستحضاره فى العالم الدنيوى، وعلى الرغم من ذلك، فقد حرم جمهور الفقهاء المنحوتات والتماثيل تحريمًا قاطعا، واستشهدوا بقصة اتخاذ الأصنام الأولى عند قوم نوح (ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسرا) كدليل لتحريم التصوير حتى وإن لم يكن الغرض منه العبادة.

 

فهذا ابن كثير يؤكد فى تفسيره أن بداية الشرك عند قوم نوح كانت بصناعة تماثيل لهؤلاء الرجال الصالحين من أجل تذكرهم، ثم تحولت مع الزمن إلى أصنام تُعبد من دون الله، ونقلوا عن النبى، صلى الله عليه وسلم، طائفة من النصوص تنهى وتحذر من اتخاذ المجسمات ونحتها، كقوله: «إن أشد الناسِ عذابًا عند الله يوم القيامة المصورون» (صحيح البخارى)، وقوله: «لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة» (صحيح مسلم)، وكانت العلة الظاهرة، كما ذهب كثير من الفقهاء، هى تجنب كل المظاهر المتصلة بالوثنية، الأمر الذى جعل الوعى الجمعى يعتقد بأن أى منحوتات أو تماثيل إنما هى أصنام ووثنيات ينبغى أن لا تُحترَم، وامتد التحريم ليشمل كل أنواع الفنون الأخرى من تمثيل ورسم ونحت وموسيقى وغناء، وهذا هو السبب الرئيسى فى أن كثيرين لا يكادون يكترثون لما يحدث من تشويه متعمد وغير متعمد للتماثيل فى ميادين وشوارع مصر.

 

ولعلنا نتذكر ما فعله بعض السلفيين فى أعقاب الأحداث التى شهدتها البلاد بعد الخامس والعشرين من يناير، عندما غطوا التماثيل الفرعونية بالشمع فى مدينة الإسكندرية، وفى سوهاج حطموا رأس تمثال الزعيم المصرى الراحل عبد الناصر، كما أحرقوا تمثال المخرج السينمائى محمد كريم، وحاولوا تحطيم تمثال الكاتبة عائشة عبد الرحمن، المعروفة ببنت الشاطئ، مستندين لفتوى للشيخ السلفى يوسف البدرى، وليس السلفيون وحدهم هم أصحاب هذا الانحراف الفكرى والذوقى، ففى عام 2017 خرج شيخ الفضائيات الأزهرى الموصوف بالاعتدال والوسطية، خالد الجندى، على فضائية مصرية، فأفتى بتحريم التماثيل المنحوتة «التى تثير الغرائز»، ردًّا على الدكتور خالد منتصر عندما نشر صورًا على حسابه فى «فيسبوك» لمنحوتة رخامية فى إيطاليا، هى منحوتة «اغتصاب بروزربينا»، وهى عبارة عن مجموعة كبيرة من الرخام الإيطالى المنحوت من قبَل الفنان الإيطالى جيان لورينزو برنينى!


التماثيل والمنحوتات التى أبدعها الفنانون المصريون والأجانب، الموجودة فى ميادين وشوارع مصر، ليست حجارة وأوثانًا، بل هى شاهدة على التاريخ والحضارة، وناطقة بقدرة الإنسان على البناء والفن، وتهذيب الروح والوجدان، كما أنها تخليدٌ للشخصيات ذات المآثر العظيمة المؤثرة فى حياتنا، وليست معبودات من دون الله كما تعتقد الأخيلة المريضة المشبعة بالتكلس والثبات وانعدام الذوق والتحضر!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات