رئيس جنوب إفريقيا.. من شرعية إنهاء استبداد الأقلية البيضاء إلى الإقالة

Foto

كيف تحول زوما من ثائر ضد الفصل العنصرى إلى مفاوض فرئيس ثم متهم بالفساد؟ كيف يحسب للرجل أنه امتثل لضرورة ترك السلطة رغم كل أخطائه؟


ليس معنى أن يحمل السياسى سجلا تاريخيًّا حافلا، أو أن يدفع الكثير من حياته عبر عقود ما بين اضطهاد أو سجن أو نفى، أو حتى أن يضع حياته كلها على المحك يومًا ما من أجل وطنه، أو أن يكون جزءًا رئيسيًّا من بناء شرعية أسست لوطن جديد.. أنه أصبح يملك استحقاقات استثنائية فى المقابل، أو أفضالاً على شعبه تمنحه شرعية الحكم للأبد، أو تجعله فوق القانون محصنًا من المساءلة أو الخضوع لقواعد الديمقراطية، أو تداول السلطة بالطرق القانونية والدستورية.

هذا هو الدرس الأهم الذى تخلص إليه، عزيزى القارئ، من متابعة قضية استقالة جاكوب زوما، رئيس جنوب إفريقيا السابق، أو بتعبير أدق «إجباره» على الاستقالة من قبَل حزب المؤتمر الوطنى الإفريقى، صاحب الأغلبية البرلمانية فى البلاد، الذى وضع الرئيس زوما ما بين خيارَى الاستقالة أو أن يتم سحب الثقة منه وفق مذكرة أعدها الحزب الحاكم بعد أن وصل الحزب إلى مرحلة أنه لم يعد قادرًا على التستر على الرئيس كثيرًا أمام سيل من الاتهامات والفضائح عبر سنوات.
لكن اليوم قُضى الأمر. هكذا أوعز الحزب الحاكم إلى الرئيس ضمنيًّا «استقِل أو تُقال». وعلى الرغم من تركة ثقيلة من اتهامات متنوعة ما بين الفساد والالتفاف حول الدستور والقانون، ومحاولة تعطيل أعمال القضاء وعودة الحديث حول قضايا سابقة، ظن زوما أنها أُغلقت.. قرر زوما الخيار الأول وهو خيار يحظى باحترام وتقدير فى النهاية، فهو لم يقُل «أنا أو الفوضى»، ولم يُدخل بلاده فى دوامة سياسية، مثلما لم يقل إنه سيضع حياته فى مقابل أى محاولة لتغييره أو لصالح الاحتفاظ بالمنصب، تاركًا احتمالية لفتح باب جهنم على بلد عاش حقبة طويلة من الصراع والمآسى ودفع الثمن باهظًا. وهكذا فقد امتثل زوما فى النهاية، وقال فى خطاب سياسى تليفزيونى: «لا يجب أن تفقَد حياة باسمى، كما لا يجوز تقسيم حزب المؤتمر الوطنى الإفريقى باسمى. لقد قررت الاستقالة كرئيس للجمهورية على الفور». لكن كى ندرك الدرس، فلَربما علينا أن نعود عقودًا إلى الوراء لنسأل: مَن هو جاكوب زوما؟
عمليًّا، فأنا واحد من مجرد متابعين لأخبار عامة حول حبل بدا أنه يضيق على عنق زوما منذ أربع سنوات، وقد خصصنا فى جريدة «المقال» مساحات متعددة لمراجعة مقالات أجنبية كُتبت حول مزاعم الفساد بحقه خلال السنوات الماضية. لكننى، فى الحقيقة، لم ألتفت يومًا إلى تاريخ الرئيس المُقال الذى كانت أغلب الأخبار المتواترة عنه فى السنوات الماضية متعلقة بفضائح فقط! ومثلما لم يشغلنى تاريخه من قبل، فلم يشغلنى أيضًا البحث عن موقعه التاريخى من السياسة فى جنوب إفريقيا، خصوصًا من شرعية نظام تشكل على أنقاض انهيار نظام الفصل العنصرى الأبارتهايد «حكم الأقلية البيضاء» فى جنوب إفريقيا، سوى بمصادفة قبل 6 أشهر تقريبًا، وقتها كنت أعد دراسة نظرية عن بناء السلام لأحد مراكز الأبحاث.
وبينما كنت أطلع على المراجع ذات الصلة مارًّا بشكل عابر على عدد من التجارب الدولية فى هذا الشأن، وجدتنى أمام تكرار اسم زوما فى أكثر من موضع حينما جرت الإشارة إلى جنوب إفريقيا فى الأدبيات. وعلى عكس صورته المشوهة فى الإعلام فقد بدا أن الرجل يحمل سجلا تاريخيًّا لافتًا للانتباه.
هو زوما المفاوض، بل هو المفاوض فى واحدة من أصعب المراحل التى مرت بها جنوب إفريقيا، التى عانت استبداد البيض الأقلية على الأغلبية، وما تعلق بكل هذا من عنف وصراع. مرحلة فيها النفوس ثائرة ومليئة بالمرارات مما مضى. وبحكم طبيعة الصراع، فهى مرحلة عادةً ما يتهم فيها المفاوضون بالخيانة والتخلى عن الدماء، ويكونون تحت نيران الجميع.. نيران أصحاب المواقف الصلبة «hard-liners» الذين يرون فى التخلى عن استمرار الصراع تفريطًا، ونيران أصحاب المواقف الناعمة «Soft-liners» الذين عادةً ما يتهمون نظراءهم المفاوضين (إن لم يكونوا بينهم) بأنهم لم يحصلوا على الكثير الذى كان واردًا الحصول عليه فى المفاوضات.
فى منتصف الثمانينيات، كان زوما وميبكى، الرئيس الأسبق، وغيرهما من قيادات حزب المؤتمر الوطنى فى إفريقيا، يخوضون مرحلة ما قبل المفاوضات غير الرسمية فى لندن حول مستقبل جنوب إفريقيا الذى أنهكه الصراع، أو تلك التى يمكن أن نطلق عليها مرحلة الإعداد الدبلوماسى غير الرسمى للمفاوضات، والتى يتم عبرها رمى الحجر فى المياه الراكدة، ويكون مطلوبًا من المنخرطين فيها خوض نقاشات أولية تقنية حول القضايا محل الخلاف، وكيفية تسويتها مستقبلاً، وتقديم رسائل طمأنة متبادلة، وبناء استراتيجية للمفاوضة، ثم العودة إلى مؤسساتهم السياسية لبناء كتل بداخلها داعمة لخيار المفاوضة المحرم كبديل عن استخدام السلاح والعنف، ثم الاستعانة لاحقًا بما أُنجز بشكل أولى من تصورات فى مرحلة الإعداد كى يتم البناء عليها فى قلب عملية التفاوض الرئيسية، سواء السرية أو المعلنة لاحقًا.
لكن وقبل تلك المرحلة، كان متهم اليوم ومفاوض الأمس مناضلاً مسلحًا كذلك، نشأ فى أسرة فقيرة، ولم يتَح له التعليم بعد وفاة والده، فتعلم فى السجن. فى الخمسينيات، فى بلد مجرَّم فيه العمل المعارض، انضم زوما إلى حزب المؤتمر الوطنى الإفريقى عبر عضوية سرية، وهو حزب الزعيم الإفريقى الشهير نيلسون مانديلا. ثم انضم إلى الجناح المسلح للحزب فى أوائل الستينيات «تقريبًا عام 1962»، وتم اعتقاله فى العام التالى هو وعشرات الأعضاء الآخرين، وسرعان ما أُدين بالتآمر. حُكم عليه بالسجن 10 سنوات، وقضى العقوبة فى سجن جزيرة روبن حيث سُجن نيلسون مانديلا، رئيس البلاد فى المستقبل، أيضًا لسنوات عديدة.
بعد إطلاق سراحه فى عام 1973، واصل زوما العمل لصالح حزب المؤتمر الوطنى الإفريقى، ولعب دورًا أساسيًّا فى بناء البنية التحتية للمنظمة السرية فى بلدته كوازولو ناتال، وبعد عامين، نُفى إلى الخارج. ثم ما أن تم رفع الحظر المفروض على حزب المؤتمر الوطنى الإفريقى فى عام 1990، حتى عاد زوما إلى جنوب إفريقيا. وساعد الحزب فى التفاوض رسميا حول السجناء السياسيين، وعودة المنفيين مع النظام الحاكم بقيادة فريديريك ويليم دى كليرك، وهو آخر رئيس أبيض لجنوب إفريقيا، والذى سيتقاسم جائزة نوبل مع نيلسون مانديلا لاحقًا. كما عمل زوما فى منطقته «كوازولو ناتال» لإنهاء العنف هناك. وبينما فشل فى حملته عام 1994 ليصبح رئيسًا لهذه المقاطعة، كان له الفضل فى إقامة سلام دائم بها. لاحقًا، أصبح زوما نائبًا للرئيس تابو مبيكى، الذى ساعد فى النمو المُطّرد للاقتصاد فى البلاد، لكنه عُزل هو الآخر.
ولأن فى السياسة ليس هناك ملائكة وشياطين، فلا يعنى أيضًا كل هذا السجل الحافل أن زوما كان محصنًا كبشر من الانحراف أو الخطأ، ثم الاتهام والمساءلة والحساب لاحقًا. بل العكس فقد كان زوما -وهو الرجل الثالث فى حزب المؤتمر الوطنى الإفريقى بعد الرئيس مانديلا ونائبه تابو مبيكى، بما فى كل ذلك من حيثية معنوية متعلقة بهزيمة نظام الفصل العنصرى وتأسيس شرعية جديدة- عرضة لاتهامات متنوعة عبر السنوات الأخيرة، وهجوم كاسح لا يتوقف.. أوله إحياء الاتهامات حول اغتصاب سيدة، وهى قضية أثيرت فى المحاكم قبل 12 عامًا تقريبًا، ورافقتها اتهامات أخرى بعلاقات جنسية مع نساء أخريات. وهى قضية بُرئ منها زوما بعد أن حكم القضاء بأن العلاقة تمت بالتراضى بين الطرفين، لكنها لم تكن الفضيحة الشهيرة أو مثار الجدل الوحيد حول علاقات زوما الجنسية المتعددة.
ثم كانت الفضيحة الشهيرة الأخرى التى اتهم فيها زوما بالتستر على عدم اعتقال أجهزة إنفاذ القانون فى جنوب إفريقيا للرئيس السودانى عمر البشير عند زيارته للبلاد فى عام 2015، وهو المطلوب من المحكمة الجنائية الدولية. وقد أثار عدم إلقاء القبض على البشير موجة من الهجوم الكاسح كذلك على الرئيس زوما، الذى اتُّهم وقتها بمخالفة القوانين والدستور والالتزامات الدولية لجنوب إفريقيا التى تعد عضوًا فى المحكمة الجنائية الدولية، بالسماح للبشير بدخول البلاد والخروج منها عبر مطار سرى دون إلقاء القبض عليه. ثم كانت فضيحة أخرى شهيرة أثارت جدلاً واسعًا فى البلاد حول وجود علاقة بين زوما وأسرة غوبتا الهندية الثرية، التى تملك استثمارات فى مجالات عدة، ومنح زوما امتيازات وتسهيلات للعائلة بحكم منصبه فى مقابل مكاسب متعددة، حازها هو وأسرته.
فى النهاية، وفى واحدة من أهم الديمقراطيات فى القارة، والتى نجحت فى أن تطوى سنين من العنف وتؤسس لنظام سياسى جديد، ورغم كل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية فى البلاد كذلك، يبدو أن لا أحد يحظى بقداسة، فالشرعية النضالية والثورية لزوما، ثم الشرعية البراجماتية لبناء السلام وحيثيته وموقعه الأخلاقى من تأسيس النظام السياسى فى البلاد، هى كلها أمور لا تعنى أنه مُحصن من الفساد، مثلما لا تعنى أنه محصن من النقد، أو محصن من المساءلة والمحاسبة السياسية قبل القضائية، وفق الدستور والقانون. فلا طريق سوى هذا كى تحافظ البلدان على الاستقرار فيها، وإلا تنزلق نحو مسار الصراعات والعنف أو الانفجار أو الاستبداد. هنا لا أحد مَحمىّ بحكم حيثية سابقة، ولا أحد يملك أفضلية أو أحقية استثنائية على الإطلاق.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات