.

رفع ضغط التونسيين.. لماذا هناك شبهات فساد فى مشروعات البنية التحتية التى أُنجزت بعد 2011؟

Foto

كيف يُمنع الطلاب من الذهاب إلى مدارسهم لمدة أسبوعين؟!


يقول مؤلف الموسيقى وعازف البيانو الأمريكى الشهير جون ويليامز: «إن الضمير لا يمنعُ المرءَ من ارتكاب الخطأ، إنه فقط يمنعهُ من الاستمتاع به وهو يرتكبه»، لكن المتأمل للوضع فى تونس يرى عكس هذه المقولة، فوزير التجهيز والإسكان والتهيئة الترابية، محمد صالح العرفاوى، لم يتأخر فى كل مرة عن رفع ضغط التونسيين، بل استمتع باستفزازهم فى أثناء عدة تصريحات إعلامية أدلى بها عقب كل كارثة تتسبب فيها الأمطار الغزيرة والسيول.

17 أكتوبر الجارى تاريخ ليس ببعيد، ربما سيظلُ محفورًا فى ذاكرة التونسيين عمومًا وأهالى القصرين (ولاية جنوب غرب تونس) خصوصًا، بسبب هول ما عانوه جراء الفيضانات ودخول مياه الأمطار إلى منازلهم وتخريبها، ناهيك بوفاة مواطن وفقدان آخر جرفته السيول، تلك التى تسببت فى انهيار جسر حديث البناء، شُيِّد فى 2011، يربط بين فريانة وماجل بالعباس والوادى الكبير على حدود ولاية قفصة (جنوب غرب تونس).
وهو ما يجعلنا نطرح عدة تساؤلات عن هوية المسؤولين الحقيقيين لما حدث، وعن شبهات الفساد فى عديد المشروعات الخاصة بالبنى التحتية التى أُنجزت بعد 2011، التى ترجع الحكومة وممثلوها أسبابها فى كل مرة إلى الفيضانات والسيول، لذلك من غير المنطقى أن ننسى احتمالات وجود الإهمال والخطأ البشرى وأن نخضع يائسين لأحكام الطبيعة، متجاهلين غير سائلين، عن تحميلها وزر كل هذه الخسائر.
فمن الغريب أن يخرج علينا الوزير المذكور فى كل كارثة «مبتسمًا» «منتشيًا» وكأن شيئًا لم يكن، فى محاولة بائسة للبعث برسائل طمأنة إلى المواطنين على حالهم ومالهم، بيد أن تصريحاته أبعد ما تكون عن ذلك، بل هى مجرد «سفسطة اتصالية» لا انتظار منها يُذكر سوى تلميع صورة وزارته و«شركائها»، نابعة عن «مسؤول» غير واعٍ بحجم مسؤوليته، ولا بهول الكارثة ولا مقدار وجع مَن لحقت بهم أضرار، ناهيك بما يحتم عليه واجبه الوطنى والمهنى من انتقاء لكل كلمة يتوجه بها إلى الرأى العام فى أثناء محنة مشابهة.
كيف لا وهو الذى قال فى تاريخ 18 أكتوبر، أى فى اليوم التالى بعد هطول الأمطار بكميات غزيرة وما حلّ بأغلب مناطق القصرين من خراب، أن وزارته والمقاول الذى بنى الجسر «لا يتحملان مسؤولية ما حدث»، ولم يكتفِ بذلك، بل شكر ومجَّد المقاول، قائلًا: «هو من أحسن خمسة مقاولين موجودين فى تونس»!
وهنا نطلب منه بكل لطف أن يسأل نفسه سؤلًا بسيطًا، فلربما إجابته تبعد عنه شبهة تعمُّد الاستفزاز وتعميق المصائب وتريح عقولنا نحن ومجموعة المواطنين المهتمين بالشأن العام من وزر الشك: ماذا استفاد المواطن القاطن بجهة القصرين من تصريحك هذا؟!
فلو وجدت سيدى الوزير أن التصنيف المميز لمقاولك، أو تنزيه وزارتك وإعفائها من مسؤولية ما حدث، سيساعد على إيواء أصحاب المساكن التى غمرتها المياه، أو سيسهم  فى عبور التلاميذ من جهة إلى أخرى بعد انقطاع الطريق بين معتمديات ماجل بلعباس وفريانة وسبيطلة والعيون، وسيعيد الحياة شبه طبيعية كما كانت فى القصرين، حينها لن نسائلك من جديد عن أقوالك، وسنكتفى بدور المشاهدين لما فعلته مثلًا نائبة مجلس الشعب، سامية عبو فى هذا الخصوص، التى اتهمتك بـ«التواطؤ مع المقاول وضلوعك فى ما حدث» أو ننتظر إجابتك على زميلها النائب ياسين العيارى الذى أمهلك عشرة أيام حتى ترد عن سؤاله الكتابى بخصوص الجسور التى انهارت فى 2018.
إن شاكلة هذه التصريحات الاعتباطية وغير المدروسة، اعتبرها مراقبون دون مستوى الحدث الجلل الذى أصاب المواطنين، ولا ترتقى إلى درجة خطاب اتصالى حكيم، قادر على احتواء الأزمة وتطويقها. كما أن افتقار وزارة التجهيز والإسكان والتهيئة الترابية إلى استراتيجيات معدة مسبقًا، بها حلول وإجراءات عملية لمجابهة الكوارث، كلها أسباب تزيد من تعميق الأزمة، وتبين التخبُّط الواضح للأداء الحكومى، المنشغل بالتجاذبات السياسية ورئاسيات 2019، أما سلامة المواطن وحقوقه فهى فى ذيل الأولويات.
وحتى ننصف الرجل طبعًا ولا نكون منحازين، علينا أن نذكر تصريحه السابق فى 23 سبتمبر الماضى، بعد ما حل بولاية نابل من خسائر مادية وبشرية جراء كميات ضخمة من الأمطار وصلت إلى حد 204 ملم، نرى العرفاوى من جديد يبهرنا بتصريحاته النارية، متحدثًا وكأنه مهندس فى المعهد الوطنى للرصد الجوى، قائلًا: «لن تتكرر أمطار نابل مرة أخرى، سواء فى المنطقة المعنية أو الولايات الأخرى»، معتبرًا «أنها تحدث مرة فى الـ300 سنة».. وهنا سقوط اتصالى جديد للرجل، الذى تحدث «واثقًا» عن عدم هطول الأمطار بتلك الكمية وفى المناطق الأخرى، دون أن يأتى عما أعدته وزارته لمجابهة هذه الكارثة.
دون أن ننسى تصريحه الشهير الذى أدلى به إلى الإذاعة الجهوية بقفصة (جنوب غرب تونس) بتاريخ 10 سبتمبر 2017، قائلًا: (المطر إن شا الله ديما تصب عنا حتى وكان صبت المطر وهزّت حوايج خفيفة كيما هكا ميسالش عنا الاعتمادات باش انصلحوا ونتدخلوا فى الوقت).
وهنا عزيزى القارئ الوزير يتمنى حرفيًّا تكرار نزول المطر، وهو أمر له مطلق الحرية فى تمنيه من عدمه رغم تضارب أقواله بين سبتمبر 2017 وسبتمبر 2018، لكن أن يصف الخسائر التى حلَّت بولاية قفصة وساكنيها جراء الأمطار بالـ«خفيفة» فهذا الذى به خلل ويأتى بـ«الجلطة» على عجل.
وزير التجهيز الذى من الواضح أنه لم يجهّز شيئًا لهذه الكوارث غير الكلام، طمأن الناس أيضًا خلال هذا التصريح بأن لدى الوزارة اعتمادات مالية كافية للتدخل والإصلاح.. إذن كيف للمستمع إلى كلامه أن يجد طريقًا لتصديقه والدولة التونسية تشكو عجزًا فى ميزانيتها منذ فترة وتقترض من «طوب الأرض» حتى تسدد أجور موظفيها وتغطى مصاريفها؟
ولم يكتفِ بهذا فحسب بل أكد وقتها أن إصلاح الطرقات والجسور التى تضررت بسبب الأمطار فى قفصة،  ستنطلق فى غضون أسبوعين، أسبوعين سيدى الوزير؟!
طرقات محفورة ومقطوعة، تنتظر أسبوعين حتى تنطلق فيها الأشغال؟! أتطلبُ من التلميذ انتظار أسبوعين حتى يذهب إلى مدرسته ومن العامل الالتزام بالبيت؟! وإن فرضنا جدلًا أن اعتمادات وزارتك «الثرية» وغير المنشورة على موقعكم الرسمى، كانت متوفرة وقتها، فلماذا الانتظار أسبوعين كاملَين؟!
هى أسئلة بسيطة نطرحها فى هذا المقال، حتى نبرز ضحالة مجموعة من التصريحات المفرغة من معناها خلال أزمات ثلاث متشابهة شكلًا ومضمونًا وحتى فى المسببات.
تصريحات لا تسمن ولا تغنى من جوع، بل تزيد الطين بلة وتغذى شعور اليأس لدى المواطن الذى يعانى الفقر بالأساس، ليزيد على وجعه الخراب وفقدان المأوى.. مواطن تستهزئ به السلطة حد الغثيان، فلا قيمة لسلامته الجسدية ولا أهمية لمشاغله واحتياجاته.
إنه اتصال المبتدئين يا سادة، كيف لا وحكومة يوسف الشاهد موصومة بهذه الوصمة منذ تشكيلها والأمثلة عن السقطات الإعلامية والاتصالية لوزرائها عديدة.
إن نجاح أية حكومة فى العالم يُقاس بمدى تنفيذها البرامج والسياسات التى أعلنت عنها قبيل تشكيلها، كما من المهم أن يكون الأداء الاتصالى لوزرائها على قدر من الاتزان والتمكن فى أثناء الأزمات والكوارث خصوصًا. لكن الحال فى تونس للأسف لا تتعدَّى حدود شعارات رنانة من قبيل «إصلاحات كبرى» و«ناقفوا لتونس»، شعارات رفعتها حكومة يوسف الشاهد ولم نرَ من مظاهرها، غير لوحات إشهارية منتشرة فى الشوارع.. ربما علينا اليوم دق ناقوس الخطر، وإخبار رئيس الحكومة بأن تونس عاجزة عن الوقوف فما تحتها من بنى قد انهار.

خولة بوكريم
صحفية تونسية وباحثة فى الشؤون الإفريقية.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات