.

عندما كان البشر لا يزالون بشرًا

Foto

جلس المواطن صفر إلى مكتبه، وبدأ فى كتابة يومياته المسائية التى يحاول من خلالها الوصول إلى أى مغزى أوعبرة أو حكمة من وراء كل هذا العبث الذى يحدث


قبل أن يحل الظلام، كان ينبغى على «المواطن صفر»–آخر من تبقى فى المدينة من الأحياء الذين لم يتحولوا بعد إلى زومبي- أن يعود إلى صومعته قبل أن تخرج الوحوش البشرية إلى الشوارع، وتبدأ صراعاتها المسائية التى يشاهدها المواطن صفر من خلف زجاج قلعته الحصينة بينما يتحسر على تلك الأيام التى كان البشر فيها لا يزالون بشرا، ولم يتحولوا بعد إلى تلك الكائنات الهجينة.


 جلس المواطن صفر إلى مكتبه، وبدأ فى كتابة يومياته المسائية التى يحاول من خلالها الوصول إلى أى مغزى أوعبرة أو حكمة من وراء كل هذا العبث الذى يحدث، وعلى الرغم من أنه كلما حاول ربط أحداث الكوكب ببعضها البعض لم يخرج بأى نتيجة منطقية بخلاف أننا كبشر بنهرتل، لا أكثر ولا أقل، إلا أنه لم ييأس من الاستمرار فى تدويناته عله يصل إلى أى رابط بين كل تلك الهرتلات اليومية الكوكبية.

وهكذا، بدأ الكتابة...


 أنا المواطن صفر، واليوم هو يوم الأربعاء 15 ابريل 2015.

لا يزال الفيروس يجتاح الكوكب، والناجين حتى الآن أقل بكثير من المتحولين. بدأت تأثيرات ظاهرة الإحتباس الحرارى تنتقل من إحداث التغيير فى طبيعة المناخ إلى إحداث التغيير فى التركيبة النفسية للبشر أنفسهم، لتحولهم إلى تلك الوحوش التى تملأ الشوارع وتتقاتل فيما بينها كل ليلة بسبب وبدون سبب.


 إلا أن أخطر ما نواجهه نحن المجاميع القليلة التى لم تتحول بعد إلى كائنات هجينة، هو تحولنا إلى أقلية على الكوكب فى ظل سطوة وتزايد أعداد الزومبى وتحولهم إلى أكثرية مسيطرة تقر قوانينها المجتمعية والفنية والثقافية الخاصة.


 الكائنات الزومبى الآن باتت لهم سينماتهم الخاصة وأفلامهم الخاصة وموسيقاهم الخاصة، فهناك الآن ما يُعرف باسم أفلام العيد، ينتجها جزار، يبيع الناس اللحمة فى الصباح ثم يبيعهم أفلام من بطولة كريم محمود عبد العزيز وبوسى ومحمد رمضان فى المساء. وهناك الآن ما يعرف باسم موسيقى المهرجانات، وهى الموسيقى الرسمية للشلحلجية من المتحولين. وعندما سألوا أحد نجوم تلك الهرتلة الموسيقية عن سبب تحوله من الجلوس على القهاوى إلى غناء المهرجانات قال: مش أحسن ما اتاجر فى المخدرات! إذن، تاجر مخدرات أو مطرب، تلك هى الخيارات الآن فى زمن كائنات الزومبى.


 المشكلة الحقيقية أن المجتمع لا يدرك مدى تناقضاته، سائق التاكسى لا يزال يقوم بتثبيت مؤشر الراديو على إذاعة القرآن الكريم إلا أنه عند أول كسرة غلط، يسب الدين لسائق المقطورة التى كسرت عليه. البنات لا تزال ترتدى ملابس تكاد من فرط ضيقها أن تنفتيء، إلا أن الإيشارب قابعا فوق رأسها زى الفل على سبيل آداء الواجب وسد الخانات وتوفير فلوس الكوافير وإسكات الجيران والأهل والأقارب والمجتمع والناس والظهور بمظهر الناس المحترمين المحافظين الحافظين اللى مش فاهمين.


 علاج الأمراض الجسدية الآن لم يعد مهما بقدر أهمية علاج الأمراض النفسية، فالفيروس نفسى فى الأساس، إلا أن أحدا لا يريد الإعتراف بذلك حيث أن المرض الجسدى مقدور عليه، عندنا مختبرات وتحاليل ونتائج علمية واضحة وأعراض ظاهرة نقدر نتعامل معاها ونقيس عليها، أما المرض النفسى فهو يتعامل مع ما لم نستطع فهمه بعد، النفس البشرية المعقدة، لذلك أين هى النتائج العلمية والقياسات المعملية التى نستطيع وفقا لها تحديد ما إذا كان هناك فيروس نفسى قد أصاب البشرية كتأثير جانبى لظاهرة الإحتباس الحرارى، وقام بتحويل البشر إلى كائنات زومبى على المستوى النفسى، كائنات تعيش وتتنفس وتتحرك بيننا بينما أرواحها فعليا ميتة، هذا ما لن يستطع أحد – للأسف- تحديده.


 وحتى يحدث هذا، على القلة القليلة الناجية أن تأخذ حذرها، فكائنات الزومبى باتت تملأ الكوكب، وعدوهم الرئيسى هم نحن، من نشاهد شروق وغروب الشمس كل يوم، إلا أننا لا زلنا فى كل مرة ننبهر.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات