.

هل يعالج المريضَ مريض مثله؟

Foto

إلى أين يذهب المريض لتلقى علاجه؟ هل يذهب إلى مريض آخر؟ هل ينوى وزير الأوقاف تجديد الخطاب الدينى بإقصاء كل ما هو شاذ عن القرآن والفطرة من التراث والفقه رغم الاعتراف به ضمن ما يزعمون أنه المعلوم بالضرورة من الدين؟


فى حوار لوزير الأوقاف محمد مختار جمعة، بإحدى الجرائد المصرية، أكثر ما استوقفنى هو هذه الجملة العبقرية التى تعجز الأقلام أمامها «أنا لا أستطيع أن أنقب فى قلوب الناس» كل ما يمكنك أن تفعله أمام جملة مثل هذه هو أن تعتريك مشاعر من الإعجاب المعجون بالدهشة، نعم يا معالى الوزير، لا يمكن لسيادتك أن تنقب فى قلوب الناس، لكن يمكنك أن تنقب فى كتب «الفقه» والتراث، يمكنك أن تنقب فى ما ترددون فوق المنابر من سموم محشوة بالقتل والدم والبغض والحزن، تلك التى تكاد تودى بكل ما تبقى من معنى للإنسانية فى هذه البقعة الشرق أوسطية الحزينة.


وزير الأوقاف محمد مختار جمعة، فى تصريحاته، يمارس تحليقًا بالكلمات ليطير بعقولنا بعيدا، على طريقة «بص العصفورة» فيذكرنا بمدرسة الفهلوة المصرية الأصيلة فى الخطابة، إذ أغفل ما يمارس كل يوم من عمليات تفتيش عن القلوب والنيات وعمليات القمع الجماعية التى تتم ضد التنويريين كل يوم، ولن ننسى ما حدث مع إسلام بحيرى فى الأمس القريب من ممارسات، ما يحدث ليس أكثر من لعبة قديمة قدم الكتابة نفسها، لعبة القلم والمقص، هذه الساحرة التى يحضرونها كالعفريت كلما لزم الأمر، منذ أن أصبح للكلمة رحم رقيق ينجب تنويرًا وعلمًا وكتبًا وعقولا تنقد لتحصد الخير.

منذ البداية وهم يقطعون رؤوس الأقلام ويحرقون الكلمة، وما أدهشنى وأرعبنى فى الوقت ذاته قوله إن الوزارة سوف تعمل على تكثيف برامج تدريب الدعاة حول تصحيح المفاهيم الخاطئة، كيف لكم هذا يا معالى الوزير؟! كيف لكم أن تدربوا الدعاة على تصحيح المفاهيم التى لم تصحح بعد ولم تمس من الأساس، بل وتشن الحروب على من يحاول تصحيحها؟ هذا وقد ذكر سيادته «ملتقى الفكر الإسلامى» والذى يذاع على الهواء مباشرة، وهو الأمر الأشبه بالمسرحية الهزلية جدا إلى حد انفراط قطرات الملح من بين الجفون من هول الضحك، والذى يذكرنى كثيرًا ببرنامج «من سيربح البونبون» أو البرلمان الصغير.

انظروا إلى الواقع قليلا يرحمكم الله، واحترموا عقولنا، واقع المسلمين المتشرذم، اليوم، يحتاج منكم إلى اعتراف بالداء حتى يمكن وصف الدواء، هل تعلم يا معالى الوزير أن العالم الإسلامى يحتضن ما يزيد على 40% من فقراء العالم، ونسبة مرعبة من أميى العالم، وأن هناك دولا إسلامية لا تزيد نسبة التعليم فيها على 13% مثل النيجر، وأن دخل الفرد لا يتجاوز 360 دولارا فى العالم لنحو 45% من المسلمين؟ هل تعلم بما يجرى فى سوريا وليبيا وتونس وما تحويه عوالمنا العربية من خيبات وهزائم وقتل ودم جراء ما تحمله الكتب المعترف بها من قبَلكم والتى لا تقربونها من قريب أو من بعيد وتسترون على ما بها من فضائح، وتجتمعون على الهواء مباشرة فى ما يشبه عرض الساحر الذى صارت كل خدَعه مكشوفة فصارت مسار أضحوكة، وبدلا من إثارة الدهشة أصبحت مثيرة للشفقة، هل إقصاء محمد جبريل ووصفه بالمبتدع وإجلاسه فى منزله خازيًا، على حد تعبير معالى الوزير، هو الحل لمواجهة الإرهاب وتصحيح الحركة الدينية؟ هل يجدى قطع ذيل الأفعى شيئًا سوى تحفيز وتطوير قدرتها على البقاء مهما كلفها الأمر؟ وهل التبعية لجماعة الإخوان المجرمة أو غيرها هى فقط ما يظن معاليه أنه الفكر المغلوط للدين؟ وكيف نطلب لأنفسنا العلاج من داء لا نعترف بوجوده رغم وضوح أعراضه عين اليقين؟ كيف نتعامل مع أحد أعراض المرض على أنه هو المرض، ونترك المرض يعيث فسادًا فى نصوصنا وقلوبنا وعقولنا؟ وأضاف محمد مختار جمعة عندما سُئل عن كيفية متابعة المساجد وما تقوم به من مخالفات، أن هناك غرفة عمليات مركزية لمتابعة خطب الجمعة لمواجهة أى خروج عن صحيح الدين والقانون، كيف لكم هذا؟ كيف لكم محاسبة من يعتلى منبرًا ويتلو ما هو معترف به فى كتب يطلق عليها لفظ «الصحاح»، ولكنها فى الوقت نفسه جديرة بغرس بذور الإرهاب فى النفوس، هل تمنعون أن يخطب أحد رجال الدين مستشهدًا بابن تيمية مثلا؟ كيف هذا وهو معترف به لديكم؟ هل هكذا يجدد الخطاب الدينى، أم أن ما تقومون به ليس أكثر من لعبة سياسية عدوكم الوحيد فيها هو جماعة الإخوان المجرمة وليس كل ما هو دخيل على الدين والذى أدى بدوره لظهور وتشكل جماعة الإخوان وغيرها من الجماعات التكفيرية والمتطرفة؟ وأخيرًا، يؤسفنى القول إن الواقع المرير البائس الذى يعيشه عالمنا العربى اليوم يمتد إلى وقت قريب جدا بعد وفاة الرسول، عليه الصلاة والسلام، وليس وليد اليوم، ولم يتسبب فيه الاستعمار الأجنبى كما كانوا دومًا يخبروننا عندما كنا صغارًا؛ لأن هذه القوى الاستعمارية لو لم تجد مرتعًا لما دخلت مدننا المشرعة على خيباتنا وانكساراتنا. وبما أن المنطق يقول إن الشجرة الطيبة تُعرف من ثمارها، فانظر إلى ثمارنا منذ العصور الإسلامية الأولى، من عبيد وجوارٍ ونساء تُباع وتُشترى، وقتال للآمنين باسم الله، ومؤامرات محاكة هنا وهناك، حتى الدين نفسه حيكت ضده وضد نصوصه المؤامرات حتى أنهكته.

ولا تختلف ثمار الأمس عن ثمار اليوم من تشدد وقتل وقمع وداعش وإخوان مسلمين وجماعات تكفيرية وجهادية وذبح مقدس وحرق وسبى وبيع للنساء فى الأسواق، لم يتغير فى الأمر شىء، كل ما حدث ما زال يتكرر وسيظل يتكرر حتى يرشدنا الله، سبحانه وتعالى، لصحوة حقيقية لا نذيعها على الهواء مباشرة، صحوة تحيينا وتنجينا قبل فوات الأوان.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات