.

فى الذكرى العاشرة لاستشهاد عماد مغنية.. مأزق حزب الله وقدره

Foto

كيف احتضنت ودربت الأنظمة العروبية والفصائل الفلسطينية قيادات وكوادر الثورة الإيرانية حتى إطاحتها بنظام الشاه؟


«البشر يصنعون التاريخ.. ولكنهم لا يختارون الظرف الذى يصنعونه فيه».

كارل ماركس
كان حزب الله منذ إعلانه عن وجوده فى 16 فبراير عام 1985 من خلال ما عرف بالرسالة المفتوحة، حريصًا على إبراز الأبعاد المتعددة لهويته المرتكزة على مفهوم المقاومة والمتجاوزة لحدود لبنان. كان اختيار هذا اليوم -والذى وافق الذكرى الأولى لاستشهاد الشيخ راغب حرب، أحد مؤسسى المقاومة الإسلامية فى جنوب لبنان- للإعلان الرسمى عن وجود حزب الله فى حد ذاته تعبيرًا واضحًا عن مركزية ثنائية المقاومة والشهادة فى هويته، ولكن اللافت للانتباه هو أن ما سمى بالرسالة المفتوحة لم تكن موجهة فقط إلى الشعب اللبنانى بل إلى كل المستضعفين فى العالم، والذى أعلن حزب الله منذ البداية انحيازه لهم ووقوفه بجانبهم وأن مقاومته جزء من نضالهم. وإذا كان مفهوم المستضعفين المستمد من القرآن الكريم قد دخل القاموس السياسى فى الوطن العربى من خلال أدبيات الثورة الإسلامية فى إيران -والتى لم يخف حزب الله يومًا ارتباطه العضوى بها (بالثورة الإسلامية وليس بإيران البلد)- فإن النزعات العروبية والعالم ثالثية والأممية التى عكستها الرسالة -والمسلك السياسى لحزب الله بشكل عام- هى دون شك نتاج المناخ السياسى -الثقافى الذى كان سائدًا فى لبنان والوطن العربى عمومًا فى ستينيات وسبعينيات القرن الماضى، خصوصًا أن العديد من مؤسسى حزب الله كانوا قد تلقوا تعليمهم السياسى وتدريبهم العسكرى الأوليين فى صفوف فصائل الثورة الفلسطينية والأحزاب القومية واليسارية اللبنانية. وكان هذا المناخ التحررى قد أدى إلى احتضان وتدريب الأنظمة العروبية والفصائل الفلسطينية لقيادات وكوادر الثورة الإيرانية حتى إطاحتها بنظام الشاه. فالثورة الإسلامية فى إيران -وليس فى هذا الأمر أى تقليل من نضال الشعب الإيرانى وتضحياته- ليست فعلًا إيرانيًّا خالصًا سواء على مستوى الفكر أو التدريب أو التنظيم (مثلها فى ذلك مثل الكثير من الثورات)، فأية مقارنة بين أفكار الإمام الخمينى قبل نفيه من إيران فى عام 1964 وأطروحاته السياسية التى بلورها فى منفاه فى النجف الأشرف ستظهر تأثير السيد محمد باقر الصدر (والذى تتلمذ على يديه الشهيدان السيد عباس الموسوى وراغب حرب، وغيرهما من مؤسسى حزب الله) على التطور الفكرى للخمينى، ووثق ضابط الاستخبارات المصرى الراحل فتحى الديب دعم النظام الناصرى للثوار الإيرانيين سياسيًّا وماليًّا وعسكريًّا، وهى المهمة التى تولتها بشكل أساسى الفصائل الفلسطينية فى لبنان بعد تغيُّر توجهات السياسة المصرية عقب رحيل جمال عبد الناصر، كذلك كانت للنظام السورى أيضًا صلات بالثوار الإيرانيين سابقة على تأسيس الجمهورية الإسلامية فى إيران بدليل دفن علِى شريعتى أحد أبرز منظرى الثورة الإسلامية فى دمشق بعد اغتياله من قبَل أجهزة الشاه الأمنية.
كان هذا التنسيق والتعاون بين القوى التقدمية والثورية فى الوطن العربى ونظيرتها فى إيران نابعًا من وعيها بوحدة هدفها ومصيرها، وبأن هزيمة عدوها المشترك المتمثل فى تحالف الرجعيات الإقليمية -الكيان الصهيونى-الإمبريالية الأطلسية يتطلب توحيد جهودها، لذلك كان طبيعيًّا أن تتعهد قيادات الثورة الإيرانية منذ ستينيات القرن الماضى (تدعيم وحماية حركة الثورة القومية العربية فى سبيل الوحدة العربية وطرد قاعدة الاستعمار إسرائيل)، وأيضًا كان مفهومًا أن يكون ياسر عرفات أول زائر لإيران بعد انتصار الثورة، وأن يتم تحويل مقر البعثة الدبلوماسية الصهيونية فى طهران إلى مقر لمنظمة التحرير الفلسطينية، والأهم أن توقف السلطة الثورية فى إيران بيع البترول الإيرانى للكيان الصهيونى. كانت هذه التطورات تبشِّر بمستقبل حافل بالتعاون بين حركة التحرر العربية والجمهورية الإسلامية، إلى أن شن الرئيس العراقى الأسبق صدام حسين، حربًا على إيران نيابة عن تحالف الرجعية العربية- الصهيونية- الإمبريالية الأطلسية (وهو التحالف الذى انقلب على صدام ودمَّر العراق فى ما بعد ولا يزال». كان الأمر الأخطر فى ما يتعلق بهذه الحرب هو الخطاب الشوفينى (وليس القومى) الذى استخدم لتبريرها ولحشد تأييد الشارع العربى لها، والذى كان بمثابة الخطوة الأولى فى شيطنة الجمهورية الإسلامية، وكذلك فى تشويه مفهوم العروبة وتفريغه من مضمونه التحررى، واستخدامه لإخفاء المذهبية السياسية التى ترتكز عليها الأنظمة العربية الرجعية وتعمل على ترويجها.
استطاع حزب الله أن يتجنب الآثار السياسية السلبية  للحرب العراقية- الإيرانية، ليس فقط بفضل تضحيات مقاوميه فى مواجهة الاحتلال الصهيونى وإنما بدرجة أكبر نتيجة لعدد من الخطوات السياسية التى اتخذتها قيادته وفى مقدمتها الإطاحة بأمينه العام الأسبق الشيخ صبحى الطفيلى صاحب النهج التصادمى المتعارض مع روح الرسالة المفتوحة التى سبقت الإشارة إليها، كذلك عمل حزب الله على توثيق علاقاته مع القوى السياسية الأخرى فى لبنان والتى كاد يدخله الأسلوب المغامر للطفيلى فى مواجهات مفتوحة معها. وشكل حزب الله تحالفًا استراتيجيًّا مع سوريا لمواجهة الاحتلال الصهيونى، متجاوزًا عن الشكوك المتبادلة بين الطرفَين، وأيضًا عن قيام القوات السورية- وفقًا لحزب الله- بتصفية ما يقرب من الثلاثين مقاتلًا من مقاتليه فى أحد المبانى ببيروت فى عام 1987. ولعل فى تاريخ العلاقات ما بين سوريا وحزب الله قبل تحالفهما السياسى- العسكرى دليلًا واضحًا (ضمن أدلة أخرى كثيرة) على خطأ تفسير موقف حزب الله من الأزمة السورية على أنه تعبير عن انحياز مذهبى. وهذا التفسير نابع فى أغلب الأحيان إما من جهل بالاختلافات ما بين المذهبين الشيعى والعلوى وبالسياق وبالدافع السياسيين اللذين دفعا الرئيس السورى الراحل حافظ الأسد، إلى طلب فتوى «سياسية أكثر منها دينية» باعتبار العلويين شيعة، وإما راجع إلى تبعية ذهنية تدفع البعض إلى ترديد كل ما يصدر عن مراكز البحوث ووسائل الإعلام الغربية والتى وَفقًا لهذا البعض لا يأتيها الباطل لا من بين يديها ولا من خلفها، أو صادر عن سلفية كامنة لدى البعض الآخر تجعله يؤمن بأن الجميع فى التحليل النهائى مذهبيون مستترون مثله، أو مدفوع من قبَل أنظمة النفط للتغطية على دورها المدمر فى سوريا واليمن والعراق. أيًّا كان مصدر هذا الخطأ «المتعمد فى كثير من الأحيان» فى تفسير موقف حزب الله من الحرب على سوريا، فإن الهدف الأساسى منه ليس فقط إضفاء صبغة مذهبية على حزب الله وإنما تشويه مبدأ المقاومة بشكل عام، وصرف الشعوب العربية التى ربطت بين حزب الله والمقاومة عنها، لشرعنة وجود الكيان الصهيونى وتحويل العرب الشيعة وإيران إلى العدو الوجودى «للأمة»، فأغلب الساعين إلى وصم حزب الله بالمذهبية وبالعمالة لإيران ليسوا مع مقاومة الجهاد الإسلامى «السُّنى» أو مع مقاومة الجبهة الشعبية «العلمانية اليسارية». هم ضد أية مقاومة أيًّا كانت منطلقاتها، وفى أفضل الأحوال لا يرون بديلًا عن استجداء الولايات المتحدة لتحسين شروط استسلامهم على أمل أن يستطيعوا تسويق هذا الاستسلام على أنه إنجاز وإنقاذ لما تبقى من فلسطين، بل إن الكثير منهم يرغب فى تصفية قضية فلسطين حتى يوثق تحالفاته السياسية وشراكته الاقتصادية وتعاونه «المعرفى» مع الكيان الصهيونى.     
شكَّلت الأزمة السورية، والتى أوشكت أن تدخل عامها السابع، التحدى الأكبر الذى واجه حزب الله منذ نشأته، لا لأنها كشفت عن وجهه المذهبى المزعوم كما تروج الآلة الدعائية النفطية، وإنما لأنه وجد نفسه مطالبًا بالاختيار ما بين الانحياز إلى حليف استراتيجى أو مساندة المطالب المشروعة التى رفعتها بعض قطاعات المجتمع السورى فى بداية الأزمة. كان التحدى أخلاقيًّا فى الأساس، فحزب الله كان عليه أن يقرر إما الوفاء للدولة السورية الشريكة فى المواجهة ضد وفى الانتصارات على الكيان الصهيونى مع علمه بالسلبيات العديدة التى تشوب علاقة مؤسسات الدولة السورية بالمجتمع السورى وإما الانحياز إلى المطالب التى رفعها المتظاهرون مع يقينه بأن الرجعيات الإقليمية والإمبريالية الأطلسية ستستغلها لتوجيه ضربة قاصمة لمحور المقاومة من خلال القضاء على مقومات الدولة المستقلة فى سوريا ووضع مقدرات الشعب السورى وثرواته فى أيدى العواصم الغربية والرجعيات الإقليمية. حاول حزب الله فى البداية تجنب الانحياز التام إلى أحد الطرفَين من خلال عرض أمينه العام السيد حسن نصر الله، الوساطة ما بين الدولة السورية والمتظاهرين، ولكن بعد رفض مَن نصبهم حلف الأطلسى وشيوخ النفط قادة «للمعارضة السورية»، هذا العرض ومطالبتهم المتكررة بشن عدوان على سوريا وسعيهم للتغطية على جرائم العصابات المسلحة التى استباحت مدن وقرى سوريا باسم المعارضة والديمقراطية تدخل حزب الله عسكريًّا لمساندة الدولة السورية.
فقد حزب الله العشرات من مقاتليه وقادته الميدانيين الذين استشهدوا فى المواجهات مع العصابات الوهابية على امتداد سوريا، ولكن خسارة حزب الله الأفدح كانت فى الضرر الشديد الذى لحق بصورته الذهنية لدى الكثير من العرب. لم ينتج هذا الضرر عن  ممارسات مشينة أو وحشية موثقة من طرف محايد لمقاتلى حزب الله فى ساحات المعارك، والتى اختارت العصابات الوهابية لا حزب الله أن تكون فى الأحياء السكنية التى غزتها أو فى البلدات التى اضطر الجيش السورى للانسحاب منها، للتركيز على الدفاع عن المناطق الاستراتيجية، وإنما نتيجة لضعف البنية الإعلامية ليس فقط لحزب الله وإنما لمحور المقاومة ككل. مثل هذا الضعف كعب آخيل الذى مكَّن الآلة الدعائية لتحالف ممالك النفط -الإمبريالية الأطلسية- والتيار التكفيرى من فرض سرديتها عن الأزمة السورية على الرأى العام العربى وتشويه ما تبقى من وعيه الفطرى من خلال قصف دعائى متواصل على مدى سنين الأزمة تشارك فيه الشيخ الوهابى المستدعى لفتاوى التكفير من الأزمنة الغابرة، والمثقف المعولم -تلميذ جين شارب وبرنار هنرى ليفى- المبشر «بالتحرر» من الأنظمة السلطوية عبر حاملات طائرات الأطلسى الديمقراطية، والمثقف «الطليعى» الذى اكتشف فى قصور مدن الملح الجانب التنويرى لعروش النفط، والمثقف «القومى الموضوعى» الذى يساوى فى دفاعه عن الدولة الوطنية بين الوهابية والإخوان المتحالفين تاريخيًّا مع القوى الإمبريالية وبين حزب الله الذى لولا تضحياته لما توفَّرت فرصة لبناء دولة وطنية لبنانية، ولكانت الدولة الوطنية السورية اليوم فى وضع أسوأ بكثير. وبلغت «موضوعية» و«بصيرة» هذا المثقف حدًّا لا يرى معه أى اختلاف بين حزب الله المتحالف مع أحزاب مسيحية وقومية ويسارية والمشارك فى نظام سياسى يرأسه مسيحى والمدافع عن الكنائس فى سوريا والعراق وبين العصابات الوهابية المفجرة للكنائس والفارضة للجزية على المسيحيين والسابية للنساء والمكفرة للجميع!
إن الواقع المتردى لما يوصف بالشارع العربى والوضع المزرى للحياة السياسية والثقافية العربية يشكلان اليوم مأزق حزب الله الأساسى لا التفوق العسكرى والتكنولوجى والمالى لتحالف الرجعية العربية- الصهيونية- الإمبريالية. فالشارع العربى الذى شكَّل تاريخيًّا حاضنة شعبية لحركات المقاومة منهك نفسيًّا وذهنيًّا بشكل غير مسبوق نتيجة الدمار المروع الذى شهده الوطن العربى منذ انطلاق «الربيع» المزعوم والمذابح المستمرة منذ سبع سنوات، وهو ما أدَّى إلى انصراف أغلبية المواطنين العرب عن السياسة بما فيها قضية فلسطين أو إلى ترديدهم الآلى للسرديات التى يقصفهم بها إعلام النفط، حتى وصلت الوقاحة بالبعض إلى اقتباس آيات القرآن لمساندة المزاعم الصهيونية فى فلسطين.
ويكشف الرد الفعلى الشعبى الخجول على قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس وغياب أى تضامن شعبى مع عمليات المقاومة التى يشنها شباب فلسطين بين حين وآخر على مدى تمكن الإرهاق من المواطنين العرب. أما الحياة السياسية والثقافية العربية فتتقاسمها اليوم المذهبية الممولة نفطيًّا والخرافة الليبرالية الممولة أوروبيًّا وأمريكيًّا والعدمية الفوضوية والفردية الاستهلاكية، وهى على ما بينها من اختلافات (ظاهرية فى معظم الأحيان) تتفق على رفض المقاومة كقيمة وكفعل وتعمل على تشويهما تارة باسم السلف وتارة أخرى باسم الديمقراطية والانفتاح على الآخر وتارة ثالثة باسم ثقافة الحياة.
يختلف الواقع العربى اليوم كليًّا عن نظيره فى النصف الثانى من القرن الماضى الذى أنتج واحتضن مقاومة حزب الله، ومع ذلك يظل قدر حزب الله هو لعب ذات الدور الذى ارتضاه لنفسه منذ تأسيسه: دور طليعة المقاومة فى الوطن العربى الصانعة لعصر جديد. فكما ورد فى وثيقة حزب الله السياسية «لم يترك الاستكبار الأمريكى لأمتنا وشعوبها من خيار إلا المقاومة، من أجل حياة أفضل، ومن أجل مستقبل أفضل، مستقبل محكوم بعلاقات من الأخوة والتنوع والتكافل فى آن، ويسوده السلام.. تمامًا كما رسمت معالمه حركة الأنبياء والمصلحين العظام عبر التاريخ. وكما هو فى تطلعات وأشواق الروح الإنسانية الحقة…».

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات