.

البيضة المحمرة ولّا الأغنية الجميلة؟!

Foto

تلك هى النتيجة التى توصل إليها "كلايف بل" فى كتابه البحثى الممتع "المدنية"، وهما الصفتان اللتان تؤدى كلاً منهما للأخرى بشكل تلقائى


تحكيم العقل والإحساس بالقيم، هما الصفتان الرئيسيتان اللتان ترتكز عليهما أى مدنية راقية.

تلك هى النتيجة التى توصل إليها "كلايف بل" فى كتابه البحثى الممتع "المدنية"، وهما الصفتان اللتان تؤدى كلاً منهما للأخرى بشكل تلقائى، فبعد أن يبدأ الإنسان الهمجى فى إكتساب شعوره بذاته سوف يجد نفسه بدون أن يشعر ينحو إلى التأمل، التأمل فى كل شىء، فى خبايا نفسه البشرية وفى تفاصيل الكون من حوله وفى السبب الحقيقى لوجوده على هذا الكوكب، مما سوف يقوده بدون أن يشعر وبشكل تلقائى تماماً إلى تحكيم عقله وتدريب حاسة النقد الذاتى لديه ليبدأ فى إدراك أن تلك الكتلة الهلامية الأشبه بالبالوظة والمحفوظة بعناية بداخل جمجمته والتى اتفقنا على تسميتها "العقل" هى المعيار الرئيسى للحكم على الأمور.


 وهو ما يقوده بالتالى إلى الإحساس بالقيم الحقيقية للأشياء ليبدأ فهمه الحقيقى لتلك الحياة المعقدة التى تكتنفنا بداخلها. حيث يبدأ الإنسان فى إيثار الخير الخفى الآجل على الخير الواضح العاجل وإيثار التربية التى تعلمنا كيف نعيش على التربية التى تعلمنا كيف نكسب. هذا الإيثار يعتبره "بل" ظاهرة أخرى من ظواهر الحس المتمدن الرفيع.

إلا أننا ينبغى فى الوقت نفسه أن نعرف أن إعلاء العقل ليصبح هو الحكم طوال الوقت يعد درباً من دروب المستحيل خاصةً فى المجتمعات التى تعانى من مشاكل حياتية أساسية لها علاقة بغريزة الإستمرار على قيد الحياه وفى هذا الصدد يقول "بل":


 "إن الهمجى الذى يتعرض لخطر يهدد حياته ثم يقف ليفكر أولاً يتعرض بدرجة قصوى إلى خطر الوقوف الأبدى، لذلك فإنه شأنه شان الطيور يعمل بإملاء الغريزة ويعتمد عليها إلى الحد الذى لا يجعل لعقله سوى فرصة يسيرة جداً لكى يكون ذا أثر فعال، فإعلاء الغرائز قاتل للعقل.

كما أنه لا يمكن للمتوحشين والهمج أن يتصفوا بإحساس رقيق للقيم، حيث أنك لن تجد رجلاً من الإسكيمو مثلاً يمكنه أن يدرك أن القيمة البعيدة للأنشودة أكبر من القيمة القريبة للبيضة المحمرة. فالقيمة المباشرة عنده للبيضة المحمرة محسوسة جداً وضرورة ماسة، ومن العبث أن تبين لرجل يعيش معرضاً فى حاضره للموت جوعاً أو بسبب برد الصقيع أن التربية الحرة «ذات الصلة بفن الحياة» أرقى من التربية العملية «ذات الصلة بفن الكسب» إذ لابد له قبل أن يُقدِر لبعض الحالات العقلية قدرها أن يكون على درجة من الأمان لشخصه، ومن ثم كانت أحكام الهمج غريزية جداً وعقائدهم تقليدية وأذواقهم تستند إلى تجارب معدودة لا تسمح لهم بدقة التمييز، والرجل الهمجى الذى يبدأ فى نقد عادات قبيلته وتقاليدها نقداً عقلياً سرعان ما يقضى على وجوده ويقضى على همجيته، حيث أنه بهذا النقد يكون قد خطا خطوة كبيرة نحو المدنية".


 ربما الآن نستطيع أن نفهم السر الحقيقى وراء كل تلك الأزمات الحياتية الكوكبية التى تخص رغيف الخبز والسولار وارتفاع الأسعار وانخفاض الأجور وأبسط تفاصيل الحياة والتى يحرص الحكام عموماً – أياً كانت الدولة - على استمرار معاناة الشعوب منها طوال الوقت، فتلك الأزمات هى ضمانتهم الوحيدة – اللى همه الحكام - لاستمرار المواطن المطحون مشدوداً طوال الوقت إلى ساقية محاولاته اليومية للإستمرار على قيد الحياة.

تلك المحاولات التى تتسبب بدورها فى إعلاء الغريزة على العقل لتعطله عن التفكير السليم أو الإحساس بالقيم وبالتالى الابتعاد عن نموذج المدنية الراقية.

وعندها يصبح الحديث عن قيم مثل الحرية حديثاً عبثياً من منطلق أنه حرية إيه اللى بتتكلموا عنها إذا كان الشعب أصلاً مش لاقى ياكل! ويصبح الحديث عن الفن والجمال ترفاً ومبالغة وفرفرة وكلام ناس رايقة كما أسلفنا فى مثال الرجل بتاع الإسكيمو الذى تعد عنده البيضة المحمرة أهم مليون مرة من الأغنية الجميلة.


 كما يصبح الحديث عن النهوض بالتعليم مدعاة للسخرية فى دولة تفككت فيها العلاقات بين الطلبة والأساتذة سواء فى المدرسة أو فى الجامعة كما نرى جميعاً منذ سنوات، كما يصبح الحديث عن الأخلاق درباً من دروب الهرتلة فى ظل حكم اللاأخلاق للكوكب.


 لهذا، قبل أى حديث عن أى مدنية، هناك صفتين ينبغى عليكم التحلى بهما أولاً، تكونوا بتحكموا عقلكوا، وتكونوا بتحسوا بالقيم، والآن اسألوا أنفسكم وأجيبوا بصراحة.. هل ترون أنكم تتحلون بهاتين الصفتين؟!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات