.

الإسراء والمعراج بين القرآن والتراث واقع السماء والأرض

Foto

ماذا قال المفسرون عن رحلة الإسراء والمعراج؟ ما الذى يجعل كلام البشر من المفسرين وما يطلقون من حكايات وتكهنات من المسلَّمات عند المسلمين؟ لو كان البراق هو ما أقلَّ الرسول إلى بيت المقدس فكيف عرج به إلى السماء؟


لا أظن أن هذه السلسلة من المقالات تصلح لمحبى الأساطير والمعجزات الذين يطلقون العنان لخيالاتهم الخصبة فيلقحونها ببذور يابسة خالية من الحياة إلا فى مخيلتهم فقط، فى الوقت الذى أصبح فيه كلام المفسرين فى ما يخص الإسراء والمعراج واحدًا من المسلمات لا تزال تفاصيله شديدة الغرابة تحتم علينا إعمال عقولنا لامتحان مصداقيته والرجوع إلى كتب التاريخ والحفريات المختلفة والاكتشافات التاريخية للوقوف على المزيد من المعلومات التى ذكرها المحدثون والمفسرون، خصوصًا فى حالة غياب نص قرآنى يشرح هذه الرحلة بالتفصيل لنا، مثلما فعل المفسرون والرواة فى كتب التفسير وكتب الحديث المشهورة.

يقول المفسرون إن الرسول -عليه الصلاة والسلام- ركب على ظهر البراق من مكة إلى القدس، وإنه وصل إلى هناك فى لحظات قليلة، فى حين أن المسافة بين البلدين تزيد على 1500 كيلومتر، فمعنى هذا أن البراق الذى حدثنا عنه المفسرون وكتب الحديث يسير بسرعة تزيد على سرعة الصوت، فإذا ما صدقنا المفسرين فى هذا الصدد واعتبرنا البراق كائنًا يحظى بهذه المعجزة، فماذا عن النبى، صلى الله عليه وسلم، الذى نعلم تمام العلم أنه بشر مثلنا وخصائص جسده البشرية هى نفس خصائص أجسادنا فهو يأكل ويشرب ويصح ويمرض... إلخ.

ورأى العلم فى هذا الصدد حتى لو سلمنا بسرعة البراق، فإن جسد الرسول البشرى سيتمزق ولن يتحمل هذه السرعة بأى حال من الأحوال، وهو الأمر الذى لم يعرفه المفسرون فى ذلك الوقت والرواة، فأغفلوه عن جهل بهذه المعلومة التى يعلمها الصغير قبل الكبير فى هذه الأيام، معنى هذا أن ما وصفه المفسرون لم يتم بالطريقة التى قصُّوها علينا، ويكمل المفسرون القصة قائلين بوصول الرسول إلى المسجد الأقصى مباشرةً، وهو ما أوضحته فى مقالى السابق حيث لم يكن له أى وجود فى هذا الوقت، ثم ربط البراق فى حلقة خاصة بربط دواب الأنبياء، فهل يُعقل أن هذا البراق المعجزة الذى يسير بسرعة أسرع من سرعة الصوت والذى أرسل خصيصًا لهذه المهمة والذى يعلم جيدًا الطريق من مكة إلى بيت المقدس، كل هذه المعجزات وجدت فيه، وفى النهاية يحدثنا المفسرون عن أن النبى ربطه فى حلقة يربَط فيها الدواب؟! وهل البراق دابة عادية تضل الطريق أو يخشى النبى من أن تتركه وترعى فى الأرض وتفقد طريقها إليه ويفقد طريقه إليها؟! لكن من الواضح أن الراوى يروى هذه التفاصيل انطلاقًا من بيئته، وهو ما وضعه فى مأزق، لكنه أراد أن يظهر أن هذه الحلقة التى ربط الرسول البراق بها حلقة خاصة بالأنبياء فقط ولها قداسة معينة، ثم يستطرد المفسرون والرواة بعد ذلك، فيشيرون إلى أن النبى عرج به إلى السماء لكن فى هذه المرة يعجز تصورهم البشرى عن إخبارنا بالوسيلة التى عرج بها للسماء، بعكس الدواب التى اعتادوا ركوبها فكانت أقرب إلى تصورهم من الوسيلة التى تستطيع الطيران والتى أقلَّته إلى السماء، كان المحدثون مشغولين برواية القصة على أنها حقيقة واقعة، ونسوا أنهم لكى يحققوا ذلك كان عليهم حَبْكها، لكنهم لم يهتموا بالحبكة بالقدر الكافى فبعد وصوله للسماء -على حد زعمهم- يقولون إن جبريل طرق أحد أبواب السماء: «قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، فنعم المجىء جاء. ففتح».


مختلق الخبر لا يتصور الجنة سوى قلعة لها أسوار عالية وبوابات وعلى كل باب حرس ويحتاج هذا الحرس إلى التأكد من شخصية الطارق، وكأن الزوار يفدون كل يوم دون علم الحراس، فلذلك وجب عليهم السؤال: مَن الطارق ومن معك؟ كل هذه التصورات البدائية للجنة صوَّرت كل ما جاء من تفاصيل عن الرحلة كما لو أنها حدوتة قبل النوم التى نقصّها للصغار قبل أن يخلدوا للنوم، ولم تتعد كونها تصورات أرضية جدا، كما أنها مرتبطة بالزمن الذى رويت فيه وقيلت فيه، فلم يتخطَّ خيال الراوى كون السماء واحدة من الحصون والقلاع والمدن الأرضية ذات الأسوار العالية والبوابات والحراس، ولم يفطن الرواة لفكرة أن جبريل مخلوق نورانى لا يتعامل بنفس الطريقة المادية التى يتعامل بها البشر، فلا يُعقل أن يطرق بابًا كما أن الباب لا يمكن أن يحجب رؤية جبريل عن باقى الملائكة، كما أن فعل الطرْق نفسه فى اللغة يكون لشىء مادى، بعكس كل من فى الجنة، حتى وإن سلمنا بكل هذا، فكيف يسألون جبريل: من الطارق؟ ثم يجيب جبريل فيسألونه: من معك؟ الترتيب الأكثر حبكًا للحكاية كان من المفترض أن يفتحوا البوابة أولا، ثم يسألوا عن هوية الإنسان المصاحب لجبريل، ثم يتكرر نفس السيناريو عند كل سماء -على حد زعم الرواة- لكن الأولى بهم كان المعرفة المسبقة لزيارة أشرف الخلق سيدنا محمد، عليه أفضل الصلاة والسلام، والتجهز لها ومعرفة ميعادها وتوقيتها وكل تفاصيلها، لكن مختلق الخبر صور لنا أنه فى كل سماء يصل إليها سيدنا محمد -حسب زعمهم- يسألون جبريل: وقد أرسل إليه؟ فيرد جبريل بنعم، أى أنه قد أرسل إليه. هذا التخبط وسوء التنظيم اللافت للنظر هل يعقل أنه موجود فى السماء وسط عالم الملائكة أم أنه موجود فى عالم البشر الذين قصُّوا هذه القصة التى تحاكى واقعهم ولا يمكن أن تحاكى واقع السماء؟!
يتبع…

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات